مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

السكان و المجتمع

المتحف الوطني والاستشراق في القرن الواحد والعشرين - عائشة أحمد

طباعة PDF
المتحف الوطني والاستشراق في القرن الواحد والعشرين


المصدر


 
عائشة أحمد:
 
عاشت الدوحة في الأسابيع الماضية عرساً صاخباً ومهرجاناً ضاجاً، احتفاءً بإعادة افتتاح متحفها الوطني بعد إغلاق دام أكثر من عشر سنوات، فأينما وليّت وجهك وجدت ملصقاً ترويجياً، أو مشهداً دعائياً مصوراً، أو خبراً هنا وهناك عن الحفل الضخم. لكن بعد انقضاء موجة التهليل وجلبة تدشين المبنى الجديد، دعونا نتوقف قليلاً لمراجعة وتحليل ما حدث ويحدث.
 
في البدء، دعوني أطرح عليكم هذا السؤال: "هل تعرف/تعرفين ما هي "وردة الصحراء" قبل الإعلان عن تصميم المتحف الوطني الجديد؟"
 
في الواقع، وجهت هذا السؤال للعديد من القطريين والقطريات، والمقيمين والمقيمات العرب، الذين قضوا جل حياتهم في الدوحة، وكانت إجابة الأغلبية: "لا." حتى أولئك الذين ردوا بـ"نعم" فهم غالباً سمعوا عنها من مصادر غربية، وبالتالي، لا يربطونها بأي شكل من الأشكال بالهوية القطرية، ولا يعتبرونها رمزاً للبيئة المحلية أو التراث.
 
أنا مثلاً سمعت المصطلح لأول مرة عام 1999، في أغنية للمغني الإنجليزي، ستينغ، والتي أداها صحبة الفنان الجزائري الشاب مامي وتحمل نفس العنوان. حينها أيضاً لم أقرن "وردة الصحراء" بتلك التكوينات المعدنية والمترسبة في الرمال. في ذلك الوقت فهمتها كتركيب رمزي لسيدة قد تشبه الورد الإنجليزي في نعومتها، لكنها من بوادي الشرق الفاتنة! إلى أن مرت عليّ المفردة مرة أخرى بعد سنوات قليلة، وبحثت عن الموضوع واكتشفت أصل التسمية.  وهكذا، فأنا لم أر وردة الصحراء هذه، إلا في متجر المتحف الإسلامي قبل أعوام، منذ الإعلان عن التصميم الجديد، وفي المتاجر الأخرى التابعة للمتاحف القطرية، مع أنني مثل كل قطري وقطرية كانت نزهاتي العائلية في كل موسم شتاء مقتصرة على البر، للاستمتاع بالخضرة المتفرقة و"الروضات" التي تنتج عن الأمطار، وللبحث عن الفقع أو الكمأة بالطبع!
 
هكذا إذن، نجد أن هذه الوردة، وكما أنها لا تمت للورود الشذية الندية بأي صلة، هي لا تمت أيضاً بصلة لمفهومنا الخاص عن بيئتنا المحلية وثقافتنا. فمن أين جاء إذن تصميم المتحف الجديد؟
 
التصميم للفرنسي جان نوفيل، وهو من نجوم العمارة في العالم، فهو الذي صمم مركز العالم العربي المعروف في باريس بمشربياته الحيّة، التي تتسع وتضيق بناء على كمية الضوء التي تبعث بها الشمس في سماء العاصمة الأوروبية. له كذلك صرح مشهور على الكورنيش هنا، "برج الدوحة" والمغطى أيضاً بنفس فكرة الزخارف الهندسية الإسلامية والتي أسماها الغرب اصطلاحاً "أرابيسك".
 
بالمثل، جاء تصميم المبنى الحداثي للمتحف الوطني الجديد، فوردة الصحراء كما عنونت الجزيرة مقالاً لها عن المتحف "تتفتق بخيال مهندس فرنسي"! هي إذن، وببساطة شديدة من "الخيال الأوروبي"، أو تصور غربي رومانسي عن الشرق ورمزاً لشاعرية باديته. التصميم نتاج الرؤية الخاصة، أو النموذج الأوروبي لفكرة الصحراء، والتي عمل عليها مهندس فرنسي لعمارة متحفنا الوطني.
 
فكرة التصميم هذه تعيدنا إلى القرن التاسع عشر، وإلى ولع وهوس الأوروبيين بالشرق، والذي تزامن مع حملة نابوليون من 1798 إلى 1801 إلى مصر وبلاد الشام. فتسابق فنانو أوروبا النيوكلاسيكيين والرومانسيين إلى رسم الشرق، تلك الأراضي الحلم، غير المكتشفة، والتي لم تخربها المدنية ولم تلوثها الثورات الصناعية والحضارة بعد. بطبيعة الحال كانت هذه الحملة النواة التي أسست فيما بعد للمد الاستعماري الأوروبي في الشرق.
 
في الحقيقة، جزء كبير من هذه الأعمال والتي صورت فتنة شمال أفريقيا والشرق الأوسط كانت تحمل صوراً مغلوطة، وفي أحيان كثيرة، قد ينفذها فنان لم يزر أي من هذه البلدان أصلاً. التفاصيل الواقعية بما فيها من تفاصيل معمارية وأزياء وسجاد وأباريق وبلاطات بتفصيلاتها ونماذجها، وخيول جامحة، وسيدات عرايا في الحرملك، وأمات مستلبات في سوق العبيد، وجوامع متهالكة، وأطلال شاعرية، يتم تجميعها في وصفة سحرية لخلق شرق يتماهى مع فكرة الأوروبي عن "الشرق". هذه اللوحات والتصاوير من ناحية سياسية، أسهمت كذلك في تبرير الحملات العسكرية لإخضاع هذه الأمم، والتي لم تلتحق بركب الحضارة، فهي في رأيهم، في أمس الحاجة للرجل الأبيض لـ"تتطور" ولكي "تتمدن" على طريقته.
 
هذا يبدو جلياً أيضاً في محتوى المتحف على صفحاته الإعلامية الخاصة، مثلاً على صفحة الإنستغرام الخاصة بالمتحف الوطني، تتحفنا وتبهرنا واحدة من المقاطع المصورة والمتداولة، لباحثة من موظفي المتحف وهي تحدثنا عن القصة وراء "الدلة". وفي أقل من دقيقة تصف لنا "الدلة" بأنها "إبريق من النحاس لصنع وحفظ القهوة" وكيف أنه لا يخلو مجلس قطري منها، فهي "رمز للضيافة!" فهل هناك قطري أو قطرية، عربي أو عربية لا يعرفون ما هي "الدلة"؟ أم أن هذا اكتشاف جديد، للقائمين على المتحف، والذين هم بطبيعة الحال غربيين، ومحتواهم موجه لذات الفئة؟ تلك الفئة التي تحط علينا من العالم الأبيض المتفوق إلى العالم غير المتمدن بما فيه الكفاية. وأظن أنه من الممكن تسمية هذا الوضع مجازاً "الاستشراق المعاصر" أو "استشراق القرن الواحد والعشرين"!
 
لائحة المدعوين لحفل الافتتاح الضخم، تدعم هذه الفكرة أيضاً، فقد شملت القائمة مشاهير عالميين من هوليوود وعالم الأزياء والموضة ونجوم الموسيقى والإعلام والسياسة، في حين كان الحضور القطري والعربي على حد السواء خجولا جداً، ولا يكاد يبين. بالإضافة لكل ذلك، رافق الافتتاح فعالية ثقافية، على شكل مؤتمر للفن والتصميم في قطر تحت عنوان "قطر تبدع!" والمفارقة الساخرة أن بين أكثر من عشرين متحدث ومتحدثة، كان عدد المشاركين القطريين يُعد على أصابع اليد الواحدة!
 
في حساب المتحف على الإنستغرام أيضاً نجد صوراً للقائمين على المتحف ولا داعي لذكر أن غالبيتهم ليسوا قطريين ولا عرباً، لكن هذا بالذات يعيدني إلى المتحف الوطني سابقاً؛ القصر القديم المبني عام 1918 والذي فاز بعد ترميمه وتوسعته في السبعينيات، بجائزة الأغا خان للعمارة عام 1980، ولقد كان المتحف بحدائقه الظليلة وبحيرته الصناعية الصغيرة، وجهتنا المفضلة للرحلات المدرسية وأيام العيد أيضاً، مع والديّ وأختيّ. وبالرجوع إلى قائمة أعضاء هيئة الإدارة والمؤسسين والعاملين، نجد أن كلهم دون استثناء أسماء قطرية وعربية. في إحدى لقاءته يتكلم جاسم زيني، والذي عين مديراً للمتحف منتصف السبعينيات، عن المهمة التي أوكلت إليه مع فريق من الباحثين القطريين، لتكوين المجموعة، ولاقتناء القطع المناسبة للعرض. نجده يتحدث بحنين عن تلك الرحلات التي قاموا بها للقرى والهجر خارج الدوحة، للبحث وللتقييم وتنسيق المعروضات.
 
ومع الأسف، تم طمس ذلك القصر القديم بحدائقه وأشجاره. القصر الذي كان روح المكان وجوهره، اختفى وراء تلك الألواح العملاقة للتصميم الحديث الذي ابتلعه، والمستوحى من وردة الصحراء التي "تفتق" عنها الخيال الفرنسي! فما عاد بالإمكان رؤية القصر من الشارع، ولا من على الكورنيش. وهكذا فقدنا معلماً تاريخياً آخر، كما فقدنا الكثير من قبل باسم التحسين والتطوير. وفي رأيي، يبدو المبنى بألواحه المتداخلة كجسم غريب على المنطقة، فهو غير متسق مع ما حوله، ولا شيء يربطه بالبيئة المحيطة به.
 
وفي الوقت الذي استعانت به دول الجوار بخبرات من الغرب لتأسيس متاحفهم، كان متحف قطر صرحاً قطرياً بامتياز. فلم انتهى بنا الأمر بنا إلى هذا الحال؟ وبعد مرور عشرات السنوات، نطرح هذا السؤال: ألا توجد لدينا كفاءات لتصميم وتأسيس وإدارة متحفنا الوطني؟ أم أن الغرض الحقيقي من وراء تشييد هذه الصروح والمتاحف هو جذب اهتمام الغرب، وتلك الرغبة الملحة بالحصول على إعجابهم وموافقتهم.




الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها
 
 

عن تحديات الفئة الوسطى في عُمان: ”إذا سَلِمتْ ناقتي…” - سعيد الهاشمي

طباعة PDF

تصوير: خلفان الصلهمي


       يعترض واقع الفئة الوسطى في عُمان جملة تحديات ليست بالمفاجئة إذا ما وضعنا في الاعتبار ظروف تعايشها مع شكل الدولة العُمانية المعاصرة، وحدود الدور الذي ارتضت ممارسته في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وفي ظل الضبابية التي تكتنف الرابطة القائمة على قيم المواطنة والوفاء بالتزاماتها تجاه الفرد وتجاه الجماعة الوطنية؛ تستعيض الفئة الوسطى عن كل ذلك بسلوكيات الولاء للسلطة المركزية ولمؤسساتها التنفيذية والأمنية، لظنها بأن “الطرف الماسك بالدولة أو الموظف لها يرى أنها وسيلة نحو احتكار المزايا والمنافع في خاصته أو جماعته أو طائفته أو قبيلته أو قوميته، أو هكذا ترى فيها الأطراف الأخرى المتصارعة معها أو المتضررة منها”[2]. كما ارتبط في المخيال العام، وبعد تجارب تقترب من خمسة عقود- بأن هذا النوع من الولاء ضامن موضوعي للرفاه والأمان النفسي والاجتماعي. بيد أن ظناً كهذا لا يصمد طويلاً أمام الكثير من التحديات التي تجابه هذه الكتلة البشرية والتي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر التالي:
 

التآكل :


    تواجه الفئة الوسطى في عُمان تحدي التآكل والإنكماش. على الرغم من النسبة المتنامية التي تشكلها من معمار المجتمع العماني المعاصر إلا أن هذه النسبة لا تعتمد على منابع راسخة لعملية انتاج كفؤة، بقدر اعتمادها على شكل الدولة المعاصرة التي تُنفق على متوالية أزمات سببتها سياساتها الاقتصادية السابقة دون الاكتراث لاستحقاقات المستقبل وأجياله. من ظاهريات هذا التآكل هو مسار مستوى الأجور الحقيقية في البلاد الذي  ينمو بنسبة أقل من ١٪ في مقابل أن الناتج المحلي الاجمالي ينمو قرابة ٥٪ كما أن حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي قد انخفضت إلى ٢٨٪ في السنوات العشر الأخيرة.

    لقد تم تبديد عوائد النفط لتحقيق نمو اقتصادي سريع، مشغول بشراء ولاءات لحظية لا ترى في المستقبل أكثر من وسائل تنعّم سطحية. وأغفل الاستثمار في قطاعات إنتاجية تحقق قيمة مضافة عالية ومستدامة كقطاعات التصنيع واقتصادات المعرفة.


    إن استمرارالاقتصاد العماني على الواردات والخدمات ذات القيمة المضافة المنخفضة لن يساهم بشكل جذري في استيعاب الأجيال القادمة عموماً والفئة الوسطى بشكل أخص، ولا في استثمار طاقاتها كما يجب، على العكس تماماً؛ اقتصاد بهذا المسار وخيارات بهذا الضيق لن يساهما في تنمية المعارف المحلية. لقد تم تفويت مراحل الوفرة ولم يُستفد من دينامية عائدات الحجم والتغير التكنلوجي، والأخطر من ذلك أن شكل الاقتصاد الحالي أعاق تنمية قوى عاملة ماهرة وجاهزة للتشكل، ولذلك لا غرابة من انخفاض معدلات الأجور الحقيقية لأنها ببساطة تعكس انخفاض مستويات الانتاجية. نتيجة لذلك ستتسع معدلات الفقر وستقترب من الفئة الوسطى مما قد يصيبها بالتآكل.
 

التواكل:


    تعاني الفئة الوسطى في عُمان اليوم من متلازمة “الانتظار والتواكل”، الحرص على رفاه اليوم دون الاهتمام بحقوق وواجبات الغد. حيث يلخصها المثل الشعبي الدارج “إذ سلمت ناقتي ما عليّ من رفاقتي”، وهي متلازمة خلّفها نمط اجتماعي معقّد بالصراعات المختلفة،ولم يحرص على تفكيكها النمط السياسي والاقتصادي الذي أدارت به السلطة البلاد طوال الفترة الماضية. هذا النمط الذي في شقه الاقتصادي اتكأ على ريع عوائد النفط، وفي شقه السياسي انشغل برضا وخضوع الفئة الأكبر من الشعب.  يقف الجهاز التنفيذي العُماني اليوم في حيرة عن استحداث الكم والنوع الكافيين من فرص العمل اللائقة للقادمين الجدد لسوق العمل من المواطنين. وقد تزداد الأمور تعقيداً خاصة إذ ما وضعنا في الاعتبار أن ٤٢٪


    من إجمالي العمانيين اليوم هم من الأطفال في الفئة العمرية ( ٠-١٧  )


    حيث يشكل عددهم أكثر من مليون نفس. وأن أكثر من٣١.٤٪من إجمالي العاملين في القطاعين الحكومي والخاص هم من فئة الشباب (١٥-٢٩) سنة. إن كل هذه المؤشرات تستحث الجميع سواء الدولة أو الناس على تغيير النمط الذي يدير البلاد ويتحكم بمستقبلها القريب. وليس من مصلحة حتى السلطة السياسية الاستمرار في ذات السياسات التي تضعف القاعدة الانتاجية في مقابل خضوع الجماهير تجنباً لمطالباتها بالمشاركة السياسية. بل أن الفئة الوسطى الحالية لن تنفعها المكافآت السخية التي أغدقتها السلطة عليها في مقابل دعمها غير المشروط. إن هذا الدعم المتمثل في وظائف تدر أجور مرتفعة نسبياً وإعانات سخية لن تعالج التشوهات الهيكلية في بنيان الاقتصاد الحالي وستزيد الأمور سواء لأنها تسحب من احتياطيات الأجيال القادمة وتهدر ثرواتها بلا عوائد مضمونة تكفل استدامة مطمئنة.


التفاوت:

    يواجه الفئة الوسطى في عُمان تحدي التفاوت متعدد الأبعاد؛ تفاوت نوع العمل، تفاوت حسب النوع الاجتماعي، وتفاوت الحضر والريف.


    على مستوى التفاوت بحسب نوع العمل؛ لا تتجاوز نسبة المهنيين العُمانيين من الفئة الوسطى١٥٪ بينما تنخرط النسب الأكبر في العمل في القطاع العام والقطاع العسكري والأمني. تكمن خطورة هذا التفاوت في أن استدامة وتوسع الفئة الوسطى مرتهن لقاعدة انتاجية تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني وللدخل الشخصي على حد سواء. أما التعويل على رواتب ومعاشات تدفعها الدولة المعتمدة على تصدير سلعة واحدة، مهددة بالنضوب أو البوار كالنفط فإن ذلك يكرس مأساة الفئة الوسطى ولا يتحرك بشكل عاجل للتخفيف من عواقبها.

    أما بشأن التفاوت حسب النوع الاجتماعي؛ والتي يقرأ مساهمة المرأة العمانية في الفاعلية الاجتماعية والاقتصادية للفئة الوسطى فقد اتسمت هذه المساهمة بذات السمات السائدة لعموم المجتمع؛ تكدس في القطاع العام، وانتظار التوظيف المركزي، مع مشاركة متواضعة في القطاع الخاص وانحسار مخيف في قطاع المبادرات والحرف والصناعات اليدوية. هذا إذا ما علمنا أن المرأة كانت أبرز مثال في المجتمع العُماني على تكريس مُثل الاستقلال المالي والإعالة الأسرية عن طريق الحرف والمهن ذات القيمة المضافة في الاقتصاد المنزلي كالخياطة والدباغة والرعي والزراعة وصناعة العطور والخزفيات والنسيج. أما حاضر نساء الفئة الوسطى فيشير إلى التالي:


    من التوظيف في القطاع العام من النساء، بينما لا تتجاوز نسبتهن في العمل في القطاع  41% 
الخاص عن 23%.

   

     أما التفاوت المناطقي؛ فتتوزع الفئة الوسطى في عُمان على نحوٍ يُنذر بتكريس لامساواة خطيرة في شأن توزيع التنمية على مناطق البلاد، إذ أنها تتوزع على الشكل التالي؛ 62.3% في المناطق الحضرية، 37.7% في المناطق الريفية، ويؤكد هذه التفاوت عدم الانتباه المبكر لظاهرة هجرة أهل الريف إلى الحواضر. رغم وضوح عواقب هذه الظاهرة والمآلات الخطيرة التي أحدثتها في كثير من الدول العربية على مستويات اجتماعية وسياسية وأمنية. إذ شكّل هذا التفاوت اختلالاً ملموساً على مستوى الخدمات، ظهر في ازدياد النزوح السكاني إلى مسقط، والضغط على الخدمات المتوفرة فيها وكفاءة تشغيلها وصيانتها. وقد أظهرت نتائج دراسات رسمية “أن سكان القرى أقل قدرة بشكل واضح من سكان الحضر في الوصول إلى الخدمات العامة. كما أن متوسط استهلاك الأسرة أعلى في الحضر عن نظيره في القُرى العُمانية”[3]. زاد على ذلك؛ مركزية صنع القرار الذي تتحكم به الوزارات والأجهزة الرئيسية، والتي تتخذ من العاصمة مقراً لها، ومحدودية التفويض الممنوح للمكاتب والمديريات المتوزعة في كل محافظة ومنطقة، على مستوى المباني. إضافة إلى صُوَرية المجالس البلدية وعدم قدرتها، بفعل نصوص تشكيلها وتكوينها، على اتخاذ أي قرار وتطبيقه وتوفير المخصصات المالية اللازمة لتنفيذه إلا بعد الرجوع والإعتماد من الأجهزة المركزية في العاصمة. هذا الواقع أثّر بشكل جذري على انحسار الصناعات التقليدية، ومصادر الرزق الأولية، والتي كانت القرى والأرياف حواضنها الآمنة ومنابعها المستقرة منذ القدم كالزراعة وصيد الأسماك وحرف الدباغة والنسيج والفخاريات وصياغة المعادن المختلفة وغيرها. فعلى سبيل المثال لا الحصر: تراجعت معدلات نمو أنشطة الزراعة والأسماك في الناتج المحلي الإجمالي إلى 9.7%في العام 2015مقارنة بما كانت عليه 15.7%في العام 2013، وكذا الحال في شأن الصناعات التحويلية التي تراجعت إلى  -13.4% بعدما كانت معدلات نموها 4.3%[4]. من نفس الفترة. إذ أن غالبية السكان هجروا هذه الصناعات الأساسية في اقتصادهم لصالح الوظائف الحكومية التي عطّلت القدرات الإنتاجية والمهارات الأساسية، ليس بين أوساط الجيل الشاب فحسب بل وبين أهل المهن والحرف المَهَرة أنفسهم.  لأن هذه القطاعات ليس باستطاعتها مجاراة قطاعات النفط والمقاولات والمضاربات المالية. مما شجع نشوء أزمات اقتصادية متواصلة، وحفّز نمو وتوسع نشاطات طفيلية: كالبطالة المقنعة في المؤسسات الحكومية، والاتجار بتأشيرات القوى العاملة الأجنبية، وشيوع المحسوبيات، والإثراء من الأراضي والعقارات التي تقوم السلطة بتمليكها لخاصتّها والمقربين منها، وقبل ذلك؛ ربط حياة الناس وأرزاقهم بمركزية السلطة.


التقايض


      يرى تيري لين كارل بأن “ الأموال التي تتدفق على خزائن سلطة شديدة المركزية لا تقود إلا إلى المزيد من تمركز هذه السلطة، مشجعة نسيج العلائق الريعية بين السياسين والرأسمالين. وهكذا تتولد حلقة مفرغة من نتائج التنمية السلبية والتي ترسخ التبعية الأحادية.. وتفسر لنا أحجية “مفارقة الوفرة””[5]. من هذه النقطة بالتحديد، ومن بوابة “سخاء السلطة”على القطاعات المعيشية المباشرة كقطاعات التعليم والتشغيل والصحة، ومن خلال “الأعطيات” والمنح والهبات التي تستهدف بعض المكونات الاجتماعية ذات الصوت المسموع كـ شيوخ القبائل ومشايخ المذاهب الدينية وبعض القيادات الأمنية والعسكرية، بالإضافة لبعض المثقفين والكتاب والأكاديمين مع ا لرهان على العائلات التجارية المضمونة الولاء؛ بمعية هذه المكونات المختلفة استطاعت السلطة المركزية في عُمان أن تكون في مأمن عن أي ضغط حقيقي وجاد وواضح البرامج، من قبل الفئة الوسطى، وباتجاه الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي.


    إذ بفعل هذه الطريقة ظلت هذه الفئة حذرة من ممارسة نقد منظّم للنظام الحاكم ولسلطته المركزية. “لقد اعتمد النظام على الفئة الوسطى بقدر ما اعتمدت هي عليه”[6]. بل أن هذه الفئة، على امتداد العقود الخمسة الماضية، رأت في المساعدات الاجتماعية والمنافع الاقتصادية وشكلانية المؤسسات السياسية المقدمة من السلطة والمتحكمة بتفاصيلها- رأت فيها ثمناً ضامناً للصمت عن تجاوزات هذه السلطة، حرصاً على “السلم الاجتماعي” ودرئاً للفتن المستهدفة “للوئام الوطني”. بل ظنت هذه الفئة بأن تحكم الدولة في الاقتصاد، ومركزيتها في الإدارة، واختراقها للفضاء العام، وسيطرتها على النشاط المدني، كلها ضمانات لحماية مصالحها الفئوية. دون النظر لعواقب هذه المقايضة على الاقتصاد الكلي ولا على التكوين الاجتماعي برمته. ولأن السلطة صاحبة الكلمة الفصل في تحديد واقع قرارات مصيرية في نوع التعليم وكم التشغيل وتفاصيل نظام الحماية الاجتماعية، يبدو أن الفئة الوسطى في عُمان ارتضت بمقايضة سلطوية مفادها:



     بدلاً من المطالبة بعقد اجتماعي قائم على المساءلة المتبادلة بين النظام الحاكم والشعب من خلال الحوار الاجتماعي والمشاركة السياسية الفاعلة المرتكزة على رقابة المال العام ومحاسبة التنفيذيين ومكافحة الفساد – بدلاً من كل تلك المنظومة من حقوق الموطنين وحرياتهم؛ الاكتفاء والرضى بوعود الأمن والرفاه الاجتماعي”.

 

مختتم



    يبدو أن الفئة الوسطى في عُمان لا تقف على أرضية صلبة. حيث أغلب الأفراد المنضوين إليها لا يزالون يتكئون على وشائج النسب أكثر من رهانهم على عروة الانتساب. نسب الهويات البدئية كـ القبيلة والأسرة والمذهب أكثر من الانتساب إلى قيم المواطنة وطرائق إنتاج رأس المال البشري والمادي. كما أن  طبيعة نشأة هذه الفئة، وحدود دورها الراهن مع السلطة المركزية قد أصابها بشلل تكويني عطّلها عن القيام بدورها الكافل للتوازن الاجتماعي، والاستدامة الاقتصادية، والتطوير السياسي، والمبادئة الثقافية. إن ما يجري من تحولات متسارعة في النسيج الإجتماعي العُماني المعاصر ينبئ بإشكلات خطيرة، إذا لم يتم الانتباه لها سريعاً ومعالجتها بشكل جذري يُراعي الأعراض الجانبية المصاحبة فإن مفهوم “دولة الأمن والرفاه” سيكون على المحك.


    الجرأة التي اكتسبتها الأجيال الناشئة من أجواء انتفاضات الربيع العربي، مع ترنحات أسعار النفط المستمرة، في مقابل التكبيل السياسي والاقتصادي للمواطنين في إدارة وتسيير القطاع العام وعزلهم عن المشاركة الفاعلة سينجم عن كل ذلك؛ تنمية مشلولة.


    إذ لم يعد كافياً ولا مقنعاً رهان السلطة على صناعة حالة من الفخر الوطني والاعتداد بالإنجازات السابقة في الوقت الذي يكابد فيه المواطن نتائج سياسات اقتصادية وسياسية واجتماعية قصيرة الفائدة وباهظة التكاليف، والأنكى أن هذه السياسات غير قابلة للنقد ولا النقض ولا التقويم. ومع انتقال الاقتصاد من سعة الوفرة إلى ضيق الندرة لن يكفي أي سلطة تشبثها بالمفهوم الضيق والتقليدي للأمن، ولا كرمها في توزيع حصص الامتيازات بحسب الولاءات، ولن تسعفها مخازن الأسلحة المكدسة ولا الجيوش والعساكر المُدربة، العكس هو ما يتوقع حدوثه؛ المزيد والعميق من الانفجارات، لأن الموارد اُستنزفت، الثقة في الإدارة العامة فُقدت، الأفواه زادت.


    الرهان على مفهوم أمن إنساني واسع ومنصف، يضع نصب عينيه الإنسان كقيمة عليا في ذاته، مستحق لعدالة اجتماعية ناجزة ومستدامة قد يكون أحد المخارج الأكثر موثوقية للخروج من انسداد كهذا.

 

____________

[1] هذه المقال مُقتطع من دراسة موسعة للكاتب تحاول قراءة ماهية وتحولات وتحديات الطبقة الوسطى في عُمان.

[2] باقر سلمان النجار، الفئات والجماعات: صراع الهوية والمواطنة في الخليج العربي، في: مجلس التعاون لدول الخليج العربية: قضايا الراهن وأسئلة المستقبل، سلسلة كتب المستقبل العربي (59)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، أيلول/سبتمبر2008، ص 54.

[3] عُمان: تقرير التنمية البشرية 2003، وزارة الاقتصاد الوطني، ص 75-79.

[4] انظر: الكتاب الإحصائي السنوي 2016، يوليو 2016، المركز الوطني للإحصاء والمعلومات. على الرابط:

https://www.ncsi.gov.om/Elibrary/LibraryContentDoc/bar_Statistical_Year_Book%202016_2_b9502aad-db96-4e53-b2ec-fcea469626a5.pdf

[5] تيري لين كارل، مخاطر الدولة النفطية: تأملات في مفارقة الوفرة، ترجمة: علي داود، مجلة الفلق الالكترونية، 2014. على الرابط:

http://www.alfalq.com/?p=6960

[6] الاسكوا، مصدر سابق.

___________

المصدر: موقع الفلق

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها
 
 

موطنات من الدرجة الثانية

طباعة PDF
مواطنات من الدرجة الثانية 



فاطمة - مدونة بريق

إننا نعيش على أرضٍ يحكمها ملك، هذا الملك يقرر لنا ما هو في صالحنا وهو ليس بحاجة للعودة لسؤالنا إذا ما كنا نعارضه، منذ الأزل ونحن نعيش على هذه الأرض بهذه الطريقة مسيرون على طريقه الذي رسمة لنا ولم نملك خيارًا لمخرج طوارئ مثلاً يغير نظام لا نرغبه أو نقر آخر نرغبه.
 
مخرج نقترحه نحن كشعب، كمطالبين، كمعارضين، ونسلكة لتتحقق رغباتنا، لقد كنا على الدوام نسلك الطرق المتاحة لنا منه لمطالبته بما نريده وهي طرق اعتدناها وألفناها وليست ناجعة دائمًا، فقد يواجهك طريق موصد فلا يصل صوتك أو ربما يتعثر إلى أن يصل.
 
يسارع الناس دومًا إلى إرسال المناشدات والبرقيات، ينقلون ما يريدونه على ورق، معاناتهم أو حقوقهم أو مساعدة أو أيًا يكن، وقد تجد طريقها مباشرة لسلة المهملات!
 
يظن الناس هنا أن الملك بحاجة لخطاب ليقرّ نظامًا أو يعرف عن حقيقة ما يحدث من تقصير في بعض القطاعات والفساد المستشري في قطاعات أخرى، لذلك يقرر مراسلة الملك كحل وحيد لا غنى عنه وقد يكون مجبرًا عليه!
 
هذه الطريق سلكته النساء مؤخرًا ظنًا منهن أن “والدهن الرحيم” مثلما يصفه بعضهن قادرًا على إنصافهن، متناسيات أنه أيضًا هو من ساهم في بقاء القانون التمييزي دون أن يترجم أقواله بأن المرأة نصف المجتمع وشقيقته إلى أفعال، ليبدأ بمساواتها أولاً ويصبح حديثة منطقيًا وليس بهدف دغدغة المشاعر ومحاولة لتحسين صورة نظامه الذي يستمر باستغلال طبقة ما من النساء ويقدمهن للإعلام الغربي كصورة مشرقة عن وضعهن في بلادهن، بينما الحقيقة المناقضة لذلك ما نجدة واقعًا في تفاصيل الحياة اليومية في حياة النساء داخل وطنهن هنّ باختصار مهمشات.
 
سأحاول هنا ذكر أبرز المطالب النسوية التي شكلت حراكًا نسويًا واعيًا وواعدًا على مدى سنين مضت وفي عدة قضايا تهم المرأة والتي رفعت شعار نريد حقوقنا بينما كانت السلطة تماطل وتتحجج.
 
من أبرز الحملات التي أظهرت ندية لقانون جائر فرض عليهن، الحملة التي شهدتها السعودية في نوفمبر 1990، فأصدرت وزارة الداخلية السعودية بيانًا تحذيريًا ينص على المنع، لكن في 6 نوفمبر 1990، شاركت 17 سيارة فيها 47 امرأة في الحملة، انتهى المطاف باعتقال النساء ومنعهن من السفر وفصلهن من وظائفهن واعتقال أزواجهن أو آبائهن بتهمة “عجزهم عن السيطرة على نسائهم” وكان ذلك في عهد الملك الراحل فهد.
 
وكان من السهل إيجاد شماعة لرفض مطالبهن، فقد علقوها على حرب الخليح آنذاك، إضافة لعدم تقبل المجتمع، وقد واكب هذا الموقف الحكومي الصارم وجود فتوى صادرة من ابن باز مفتي المملكة آنذاك، بررت للسلطة اعتقال نسوة مارسن حقهن الطبيعي في الاعتراض على ظلمهن حيث استندت الداخلية في بيانها إليه.
 
لقد تم التشنيع بالمشاركات وبعائلاتهن وأزواجهن لدرجة أن وصفوهم بالإلحاد والزندقة والشيوعية وغيرها، مما اضطرهن إلى إصدار بيان دافعن فيه عن أنفسهن جاء فيه: “إن خطورة هذا التصعيد من قبل هولاء قد تجاوز الحدث بعد معالجة أمير الرياض له معالجة حكيمة، إلى التطاول على أعراض وسمعة أفراد معروفين بإخلاصهم للدولة، لذا فإن أشد ما يخشاه الغيورون والمخلصون هو أن الحدث قد طوع إلى وسيلة لإحراج الدولة في هذه الظروف”.

من قام باعتقال النسوة وأزواجهن ومنعهن من السفر لعام وفصلهن من وظائفهن يبدو أنه كان عاجزًا عن إيقاف ما حدث من إساءات تكررت دون رادع أو ربما كانت متعمدة ومنظمة لأهداف عديدة منها ردع كل محاولة مشابهة والخشية تصبح مضاعفة من السلطة إضافة إلى بعض الأصوات الحادة في المجتمع ما تسمى “بالصحوة”.
 
حالة من الصمت والترقب طالت وكانت تأمل إقرارًا بالسماح، لكنه لم يحدث وكان لا بد من إعادة المحاولة بعد 21 عامًا من التوقف وانتظار الوقت الأنسب لتقبل المجتمع تلك الحجة التي لم تعد قابلة للتصديق، حدد يوم آخر كان في أكثر وقت شعر فيه شعوب العالم العربي بنسائم الحرية تلك التي تدفعك للتعبير عما تريدة أو تفعله دون أن تفكر بعواقبة!
 
حُدد 17 يونيو 2011 تقود فيه النساء سياراتهن لقضاء حوائجهن وسميت الحملة “سأقود سيارتي بنفسي”، قادت منال الشريف وهي من اللاتي شاركن بإطلاق الحملة، ثم تم احتجازها لساعات في اليوم الأول وأعيد اعتقالها في اليوم التالي واتهمت بالإخلال بالأمن واستمر اعتقالها لعشرة أيام وأفرج عنها بكفالة وتعهد خطي.
 
كررت وزارة الداخلية تحذيرها للنساء من القيادة، وصرح نائب وزير الداخلية الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود بأن المنع بالنسبة للوزارة لا يزال ساريًا، واستمرت النساء بتحديّ نظام المنع بمحاولة القيادة بشكل عشوائي غير منظم في عدد من المدن وكانت الشرطة توقفهن لساعات ثم تفرج عنهن بعد تعهد.
 
عامان آخران من الصمت، لم تغيرن ما تأملنّ بتغييره وتطمحنّ لكسره، حيث عدنّ للمحاولة في 2013 بحملة تم تسميتها 26 أكتوبر ودشنت عبر تويتر.
 
أخذت الداخلية احتياطاتها سريعًا بالاتصال بمن يحاولن القيادة في ذلك اليوم ويحرضنّ غيرهن بذات الفعل، وبذلك تمكنت الداخلية من إفشال محاولتهن قبل أن ينطلقنّ؛ ليقرر بعض نشطاء تويتر إطلاق حملة ساخرة أن تقود المرأة في يوم غير موجود حتى لا يشكك بها، حيث أطلق على الحملة اسم “قيادة 31 نوفمبر”.
 
وفي 30 نوفمبر 2014 اعتقلت كل من لجين الهذلول وميساء العامودي في حراك جديد لانتزاع حق إنساني وعادل، لمحاولة الأولى عبورها الحدود السعودية قادمة من الإمارات بسيارتها والأخرى للحاق بها والاطمئنان عليها، وهو الموقف الشجاع الذي دفعنّ ثمنة بسجن لأكثر من شهرين، وكادت أن تتحول محاكمتهن للمحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب ومحاسبتهن بناءً على قانونه، لولا تراجع السلطة وإطلاق سراحهن بكفالة.
 
وكان معارضو القيادة على مدى تلك الأعوام يقللون من حجم هذا الحق ويسخرون من المطالبات به لوجود مطالب نسوية أهم في نظرهم لم يلتفتوا إليها، هذا المبرر ساقط، إذ إنه في 10 سبتمبر من عام 2013 رفعت 14 سيدة أعمال وأكاديمية وحقوقية خطابًا مطولاً، إلى عضوات مجلس الشورى مطالبات بمناقشة بعض الأمور التي تعانيها المرأة السعودية وتواجهها في معاملاتها الحياتية، إلا أنه لم يصل رد على هذا الخطاب، ما دفع السيدات إلى إعادة طرحه عبر الإعلام في محاولة للفت اهتمام عضوات المجلس.
 
وكان من أهم ما جاء في الخطاب إسقاط الولاية وإنهاء التمييز على أساس النوع، بالإضافة إلى هيئة عليا لشؤون المرأة وغيرها من المطالب التي تخصّ المرأة والحقوق البديهة التي لم تحظ بها، إلا أن عضو الشورى ثريا العريض ومساعد رئيس مجلس الشورى الدكتور فهاد الحمد أكدوا أنه لم يصلهم شيئًا!
 
مثل هذة المبادرات والحراك الشامل للمطالب النسوية لا تلفت نظر البعض بالتالي يتجاهلونها ثم يلومون أصحابها بعدم الالتفات لما هو أهم في نظرهم، رغم أن الأولوية في المطالب الحقوقية نسبية والمطالبة بجميعها دون تفضيل أحدهما عن الآخر لا بديل عنه، كون تنازلنا عن حق مقابل كسب آخر يعكس مدى الأنا داخلنا، فكل ما كان غياب حق ما في حياتنا مؤثرًا ويمسّنا نصبح فعالين بالمطالبة به ودعمه والعكس كذلك، مثلما حدث في قضايا مثل القيادة وإسقاط الولاية، نجد أن معارضيها من النساء بالتحديد غير متأثرات بشكل مباشر بغياب هذة الحقوق بالتالي يصطفينّ ضد المطالبات بها بشراسة.
 
تجددت المطالبات بطريقة التظاهرات ولكن إلكترونيًا، حيث أطلق مؤخرًا حملة نسوية أجرأ وتمسّ تفاصيل دقيقة في حياة النساء بشكل عام، تطالب الحملة بإسقاط الولاية، القانون الذي وضع ليكون الذكر قيدًا يكبل حرية المرأة البالغة في أبسط أمورها وفي أهمها، حيث تصبح المرأة بحاجة لموافقته قبل أن تفكر في الموافقة على أمر يخصها كالدراسة وإجراء عملية والخروج من التوقيف وغيرها، كذلك يعتبرها النظام قاصرةً مدى الحياة لا تملك من أمرها خيار إلا بموافقة وليها.
 
ولأن المطلب هام وحساس كان لا بد من تواجد جدل يرافقه كغيره من القضايا التي تخص المرأة، إضافة إلى الخلط بين الولاية والقوامة، رغم أن الولاية في الشرع هي للزواج وفقط، أي أنها مقننة، لكن في النظام الذي تقول الحكومة إنها استدنت بوضعه للشريعة، فإنه يتطلب وجود ولي أمر في أغلب الدوائر الحكومية تحتاجه المرأة لتنهي معاملة ما باسمها!
 
أما القوامة فهي واضحة جدًا في قولة تعالى “الرجال قوامون على النساء – بما فضل الله -“، كثير من المفسرين فسروها بمعنى “النفقة – الحماية.. إلخ” فإذا سقطت فيعني ذلك سقوط القوامة.
 
وفي عام 2002 سمح للسعوديات أول مرة باستخراج هوياتهن الشخصية الخاصة، رغم معارضة واسعة من التيار الديني الذي كان اعتراضه على صورة الهوية واقترحوا البصمة بديلاً لها، لكن السلطة لم تعّر اهتمام لمطلبهم ولا لاعتصامهم أمام الديوان الملكي، وجعلتها إلزامية عام 2013 على جميع النساء السعوديات، لكن ما قيمة الهوية وما قيمة استخراجها إذا كانت المرأة تحتاج لولي أمر/ معرفّ، ما قيمتها إذا لم تتمكن المرأة من الاستفادة منها دون الرجوع لذكر من أقاربها، ويقوم بمهمة كان من المفترض أن تقوم بها هي دون مطالبته بالقيام بها، وقد تواجه من قِبلة بالرفض أو المماطلة أو غير ذلك، ما قيمتها إذا لم تكن هويتها كافية لتعريفها تمامًا كالذكر!
 
وكالعادة سلكت المطالبات طريقهن المعهود على أمل أن يتم التجاوب معهن، حيث أطلقت ناشطات قبل أكثر من شهرين خطابًا موجهًا إلى الملك سلمان للنظر إلى معاناتهن والموافقة على إلغاء نظام ولاية الأمر على النساء، وقعت قرابة 14 ألف امرأة سعودية على العريضة لا تشمل النساء اللاتي أرسلنّ برقيات للملك منفردات، واللافت للمتابع تكاتف بعض الرجال ودعمهم للمطلب بإرسال برقيات موقعة بأسمائهم أيضًا.
 
ذهبت عزيزة اليوسف يوم 26 سبتمبر لتسليمة للديوان الملكي إلا أن الرد جاء متوقعًا ومعتادًا، حيث علقت عبر حسابها “لم يتم استلام الخطاب وتم التوجيه أن يُرسل من خلال البريد السعودي وبإذن الله سيتم الإرسال”.
 
حملة “إسقاط الولاية” لا زالت نشطة، حيث يطلق النشطاء كل يوم هاشتاجًا بعدد الأيام التي تم الوصول إليها منذ إطلاق الحملة ولعل اللافت هو الوعي بين المشاركات والإيمان بحقهن والإصرار على انتزاعة.
 
أما في أغسطس 2013 فقد صدر أول قانون في تاريخ السعودية يجرم العنف الأسري بهدف حمايتها منه، لكن ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا لايزال العنف الأسري يشكل نسبة مقلقة في المجتمع وتظهر لنا شبكات التواصل الاجتماعي الكثير من القصص وخفاياها التي لا تظهر عبر إعلامنا الرسمي، والأغرب من ذلك أن غالبية القصص تلجأ للمجتمع الافتراضي لحمايتها من أحد أفراد الأسرة المتسبب الرئيس لتعنيفها بعد أن خذلها قانون تعسفي يطالبها برجل لتقبل شكواها ومن ثمّ تكون الدولة مسوؤلة عن حمايتها.
 
المثير للحزن أن المعنف قد يكون هو وليها ويصبح من الصعب التجاوب معها، فتبقى حبيسة لعنف قد يتضاعف، انتقامًا من المعنفة كونها تحدثت وأرادت الخلاص!
 
وبحسب الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية تلقت الجمعية 111 قضية عنف كانت ضحيتها نساء في الأشهر الستة الأخيرة من العام الحالي، فيما سجلت في العام الماضي 317 قضية عنف في حق امرأة، واستقبلت المحاكم السعودية 11 ألفًا و130 قضية إعالة وولاية في مختلف مناطق المملكة.
 
ولذلك يكون مطلب إسقاط الولاية جوهريًا، فوجود هذا النظام يعطل ويكبل المرأة ويضاعف من حجم معاناتها ونجد أن أكثر فئة تتضرر منة هنّ الأرامل والمطلقات والمعنفات اللاتي يضطررنّ إلى تسول واستعطاف أولياء أمورهن، وقد يكن عرضة للابتزاز والاستغلال المادي لتتمكن من أخذ موافقته لمرافقتها وإنهاء معاملتها/ معاناتها.


___________

المصدر: مدونة بريق



 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها
 

أزمة العمالة الفلبينية! - د. حسن جوهر

طباعة PDF

أزمة العمالة الفلبينية!

 
د. حسن جوهر


المشكلة فينا، فلا سياسة ولا تخطيط ولا فهم للواقع العالمي الجديد، ولا حتى الاعتماد على طاقاتنا الوطنية، ونحسب أننا ببضع تغريدات أو تحليلات بهلوانية نحل مشاكلنا مع دول العالم، ولنتخيل فقط لو غادرت الجالية الفلبينية عن آخرها، وهو سيناريو قد يبدو صعباً من الناحية العملية، فكيف تكون الحال في الكثير من البيوت؟
 

أزمة العمالة الفلبينية، بأسبابها وتداعياتها ونتائجها، هي محصلة طبيعية للسياسة الحكومية العقيمة في إدارة شؤون البلد والعجز عن التفكير بإيجاد حلول مسؤولة للعديد من المشاكل المزمنة.


إن ما نراه من بعض ردود الفعل المتهيجة أو التي تستخدم التهكم والاستهزاء نتاج هذه السياسة أيضاً التي شكلت ثقافة مجتمعية قد تتسبّب بقصد أو بدون قصد في تعميق المشاكل، خصوصا ما يتعلق بالجاليات والجنسيات الأجنبية.


كالعادة تحوّل بعض المواطنين إلى عباقرة زمانهم وكأنهم مستشارو استخبارات، فأخذوا بتفسير قرار الحكومة الفلبينية بإجلاء رعاياها من الكويت بشكل يثير الشفقة، ومنها الصفقة الفلبينية مع روسيا والصين لتزويد البلدين بالعمالة أو مطالبة الرئيس الفلبيني بمبلغ مليار دولار كابتزاز سياسي، واشتغلت عجلة الريتويت لمثل هذه السخافات.


الجالية الفلبينية في الكويت تعدادها ربع مليون عامل، غالبيتهم من العمالة المنزلية، من إجمالي مئة مليون نسمة يشكلون عدد سكان الفلبين، بمعنى أن هذا البلد قادر على تزويد الدول الأخرى بعمالة كافية ولا تحتاج إلى خدم المنازل في الكويت لتشغيلهم في مصانع الصين وروسيا وغيرها، بالإضافة إلى ذلك فإن متوسط دخل العمالة الفلبينية في الكويت إذا حسبناه بمبلغ 100 دينار يكون 300 مليون دينار سنوياً أي ما يعادل مليار دولار، ومن الغباء أن تتنازل الفلبين عن هذا الدخل بالعملة الصعبة لمجرد أن أحد الجهابذة في الكويت أراد أن يغرد بها.


يجب أن نعترف بأن القرار الفلبيني سيربك الحياة اليومية لآلاف العوائل الكويتية، رغم الاستعراض الإعلامي بطرد الوافدين الذي تحول إلى شعار المرحلة السابقة، فطبيعة الحياة والاتكال على العنصر الأجنبي جعل البلد أسير هذه الحاجة إذ لم تتحرك الحكومة لمعالجة هذا الخلل السكاني الممتد منذ عام 1991.


والفلبين ليست البلد الأول الذي يتخذ قرار منع عمالته عن الكويت، خصوصا من العنصر النسائي، فقد سبقتها بنغلادش وتايلند وإثيوبيا وسريلانكا، والسبب المشترك بين كل هذه الدول ادعاءاتها بانتهاك حقوق هذه العمالة بدءاً بالضرب وسوء المعاملة وانتهاءً بالجرائم التي تتعرض لها.


وفي المقابل تعرضت الكثير من الأسر إلى جرائم بشعة راح ضحيتها المواطنون وأبناؤهم، بالإضافة إلى سوء معاملة الأطفال بمختلف السلوكيات المنحرفة، وفي ذلك دلالة واضحة على انعدام أي معايير في اختيار حتى العمالة المنزلية.


تجربة الحكومة في إقرار قانون العمالة المنزلية بدأت بأضحوكة ووهم ودون أي دراسات فنية واقتصادية واجتماعية وانتهت بفضائح إدارية ومالية كما هي العادة.


يا جماعة الخير، المشكلة فينا، فلا سياسة ولا تخطيط ولا فهم للواقع العالمي الجديد، ولا حتى الاعتماد على طاقاتنا الوطنية، ونحسب أننا ببضع تغريدات أو تحليلات بهلوانية نحل مشاكلنا مع دول العالم، ولنتخيل فقط لو غادرت الجالية الفلبينية عن آخرها، وهو سيناريو قد يبدو صعباً من الناحية العملية، فكيف تكون الحال في الكثير من البيوت؟ والأهم من ذلك أين ستصل طوابير خدمة السيارات على مطاعم الوجبات السريعة بكل مسمياتها؟!


________________________

المصدر: جريدة الجريدة

 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها
 
 
 
 

 


مالذي تقوله نظريات الحركات الاجتماعية عن الحراك النسوي السعودي؟ - هدى محسن

طباعة PDF
مالذي تقوله نظريات الحركات الاجتماعية عن الحراك النسوي السعودي؟


 
هدى محسن


 
ما زالت تداعيات المرسوم الملكي  الصادر من قبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 2017 المنصرم، و الذي قضى بمنح المرأة حق قيادة السيارة في المملكة العربية السعودية ابتداءاً من منتصف العام المقبل، محل البحث والتقصي بين أولئك الذين اعتبروه انتصاراً جلياً للحراك النسوي في المملكة، وبين أولئك الذين أشاروا إليه كقرار براغماتي محض جاء في وقت سياسي و اقتصادي حرج.
 
فلقد تباينت القراءات لهذه الخطوة بين المؤيدين لهذا القرار، واختلفت الإجابات التوصيفية  لسؤال ” لمن ينسب له الفضل في هذا ؟”  بين الفئة التي أوعزت إقرار هذا المرسوم لجهود الناشطات السعوديات و ما تبعته من مطالبات و حملات هادفة لرفع الحظر عن القيادة والتي استمرت على مدى أكثر من ثلاثة عقود. و بين من قلل من تأثير هذه الجهود و آثر نسب الفضل في هذا للسلطة السياسية و للقيادة الجديدة على وجه الخصوص والمتمثلة في شخص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان و جهوده الرامية إلى تدشين نمط جديد من السياسة والإصلاحات النيوليبرالية.
 
وجراء هذا، فلقد أعادت التطورات المستجدة تداول جدلية فاعلية وجدوى الحركات الاجتماعية- ولا سيما النسوية منها – على عملية تغيير القرار السياسي. ناهيك عن تشكيك البعض بوجود حركة نسوية ناشطة ترقى لأن يطلق عليها “حركة اجتماعية” في المملكة العربية السعودية ،و اعتبارهم إياها جهوداً ومحاولات فردية متفرقة لا أكثر و لا أقل.
 
وبناءاً على ذلك فإنني أهدف من خلال هذه المقالة إلى إثراء الطرح النظري المتعلق بالنضال النسوي في المملكة العربية السعودية و الذي عادةً ما يوصم بعدم وجود إرث سابق له أو تاريخ مستدام لنشاطه. إذن فإن السؤالين اللذين سأسعى للإجابة عنهما هما: هل يمكننا إطلاق تسمية ” حركة اجتماعية” على الجهود النسوية في المملكة العربية السعودية في سياق حملات تأييد قيادة المرأة ؟ و هل تسعفنا النماذج النظرية المتواجدة حالياً في مجال الحركات الاجتماعية في تأطير هذا النوع من الحراك المتواجد في هذا السياق تحديداً؟
 
ولتحقيق هذه الغاية فإنني سأستهل مقالتي هذه  بتقديم شرح موجز لمفهوم الحركات الاجتماعية، و أوجه القصور التي تفرضه نظرياته عند التعرض لتحليل الحركات النسائية نظرياً و إبستمولوجياً، بالإضافة إلى التعقيدات النظرية التي تواجهنا عند محاولتنا لتطبيق بعض عناصره على النشاط النسوي في المملكة. انتهاءاً باستعراض المناهج البديلة التي تخولنا فهم ديناميكيات العلاقة التشابكية بين الحركات الاجتماعية و الحراك النسوي بصورة أشمل و أدق.
 
 
 
الحركات الإجتماعية: موجز مبسط
 
تعتبر نظريات الحركات الاجتماعية من أبرز  المساهمات الأكاديمية التي برهنت على قدرتها في فهم وتحليل أسباب بزوغ الحركات المطلبية و خصائصها إضافةً إلى آليات عملها  في مناطق شتى من العالم. و ابتداءً ، فإنه يمكن الإشارة إلى الحركة بالمعنى الاجتماعي باعتبارها  القيام بعدد من الأنشطة للدفاع عن مبدأ ما  أو الوصول إلى هدف معين . حيث تشمل الحركة الاجتماعية مجموعات من البشر الذين يشتركون في حمل عقيدة أو أفكار متشابهة ، و يحاولون تحقيق بعض الأهداف العامة . كما يشير البعض إلى أن الحركة الاجتماعية هي محاولة قصدية لإحداث نوع من التغيير الاجتماعي،عبر تحدي سلطة النظام السياسي القائم من خلال استعمال خطاب مضاد يستهدف تحشيد الجماهير و تغيير المجتمع [١].
 
ولقد تم طرح مفهوم الحركات الاجتماعية في الفكر الإسلامي المحلي ، فتداولها عدد كثير من الباحثين العرب في دراساتهم، فالحركة الاجتماعية تحت مظلة  الفكر الإسلامي هي الحركة التي تخضع لها المجتمعات العربية بلا استثناء، وتشكل في الأساس عملا داخليا مرتبطاً بهذه المجتمعات هدفه إعادة تركيب نسيجها الاجتماعي وفق المقياس الأوحد المعترف به وهو الإسلام [٢].
 
كما وردت في الفكر الغربي و تناولها العديد من الأكاديميين الغربيين في دراساتهم  أمثال: عالم الاجتماع الأمريكي “هربت بلومر” و “ بول ويلكنسون” وآخرين غيرهم. وفي السياق نفسه يعرفها عالم السياسة الأمريكي البارز تشارلز تيلي من خلال كتابه الحركات الاجتماعية (٢٠٠٤-١٧٦٨) بأنها : ”سلسلة  مستدامة من التفاعلات بين أصحاب السلطة و أشخاص يضطلعون بالتحدث  نيابة عن قاعدة شعبية تفتقد إلى التمثيل الرسمي، و ما ينطوي على هذا من مطالب واحتجاجات عامة مرافقة” .  في حين أن تارو يشير إليها بكونها “تحديات جماعية، تقوم على مقاصد مشتركة وسلوك اجتماعي، في تفاعل مستمر مع النخب والمعارضين والسلطات على حد السواء [٣].
 
و يتبين مما سبق أنه لا يوجد تعريف محدد متفق عليه سلفاً بين المتخصصين في الحركات الاجتماعية ، إلا أنه يمكن الإشارة لعدد من الركائز المشتركة التي تبنى عليها ومنها : ١ – كونها عمل جماعي يستهدف التغيير. ٢- توافر درجة من التنظيم. ٣- -الشعور بعدم الرضا والسخط على الأوضاع الراهنة ٤- تمثيلها لشرائح مجتمعية يمكن حشدها و تعبئتها.
 
وقد تعددت النماذج النظرية المختصة بتحليل الحركات الاجتماعية ابتداء من نظرية السلوك الجمعي والتي تمخضت خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وربطت نشوء الحركات الإجتماعية بحدوث أشكال من الهستيريا و السلوك الاندفاعي الغير عقلاني، مروراً بنظرية الحرمان النسبي والتي استندت إلى فرضية شعور الأفراد الواعي بالحرمان من جراء احساسهم بالخيبة الناتجة عن عدم تطابق تطلعاتهم مع الواقع الفعلي. أما نظرية الاختيار العقلاني و التي انبثقت من علم الاقتصاد، فقد  تبنت فكرة أن الأفراد عقلانيون في الأصل، و إنهم يقومون بالمفاضلة بين الخيارات المتوفرة  إليهم و إجراء حسابات الربح والخسارة من أجل تحقيق المنفعة المتوقعة العظمى .ولهذا تدعي هذه النظرية قدرتها على توقع مآلات المسارات المختلفة للأفعال من خلال اتكالها على تعميم السلوك الفردي المنهجي الاستنباطي الذي يتبعه الأفراد.
 
بينما عدت نظرية تعبئة الموارد والتي  تبلورت في ستينيات القرن العشرين  نشوء وتطور منظمات الحركات الاجتماعية لاختلاف درجة توظيفها لموارد الحركة المتوفرة لها و التي تتكون عادةً من: الأصول والهياكل والأموال والقدرات البشرية [٤] , وصولاً لنظرية بنية الفرص السياسية و التي  رأت أن الاختلاف في حدة وأنواع نشاط الحركة الاجتماعية يُفسر بالاختلافات في السياق (المحتوى) السياسي الذي تواجهه، فعدم استقرار التحالفات السياسية للنظام على سبيل المثال أو وجود نخب متعاطفة مع المعارضين،، يمثل فرصة ذهبية للمطالبين للتحرك واستهداف النظام لتمرير مطالبهم.
 
إضافةً إلى نظرية “الحركات الاجتماعية الجديدة” و التي تطورت في أوروبا لتضم تحت طائلتها الحركات الجديدة التي شهدتها الستينيات والسبعينيات كالحركة الطلابية والنسوية إضافةً إلى حركة السلام و حركة الحفاظ على البيئة وما رافقتهم من  مظالم و متطلبات وتطلعات جديدة.  و هي تختلف عن  باقي الحركات الاجتماعية التقليدية فى كونها تستهدف التأثير على السلطة، لا الاستحواذ عليها [٥]، ووقوعها خارج إطار السياسة المنظمة سواء فى ذلك الأحزاب السياسية أو أجهزة الدولة.  إضافةً إلى سعيها الحثيث لنشر عدد من القيم  التي أشار إليها الباحثين “بالقيم ما بعد المادية”  على المستوى المحلي والمجتمعي.
 
 
 
تبعات هيمنة نظرية “السياسات التنازعية” على الحراك النسوي بشكل خاص
 
و تعد النظرة السائدة حالياً في مجال الحركات الاجتماعية باعتبارها شكلا من أشكال “السياسات التنازعية” و التي ازدهرت في منتصف التسعينات، متأصلة في كتابات تشارلز تيلي و سيدني تارو و ماك آدم الذين عملوا على تطويرها سوياً. حيث يركز هذا النهج بشكل عام عند تطرقه للحركات الاجتماعية على أحداث الاحتجاجات العامة أو الأشكال الأخرى من الأفعال  المطلبية العلنية كموجات الإضراب و الثورات، و العملية التفاعلية التي تقوم بين أصحاب المطالب و أصحاب القرار الذين ستتأثر مصالحهم في حالة إذعانهم  لهذه المطالب.
 
و تباعاً، فإن هيمنة هذا المنظور على حقل الحركات الاجتماعية قد ساهم في إعطاء انطباع أن وهج  الحركات النسوية في العالم آخذ في التلاشي و الخفوت،  نظراً لتركيزه الضيق على المعنى التقليدي لقياس الحركات الاجتماعية وتحيزه النظري نحو دراسة التكتيكات التنازعية العامة و الاحتجاجات ، مستبعداً بذلك الحركات التي لا تتبنى منطق توظيف المظاهرات الحاشدة بشكل أساسي، و التي تلجأ لاستخدام تكتيكات أخرى عوضاً عنها من أجل إدراج مطالبها في الفضاء العام  [٦] .
 
الأمر الذي أسهم في بروز إشكاليات نظرية  فيما يتعلق بقياسه و تطبيقه على الحركات النسوية. أي أنه  ليس من المعقول أن تقترن كل الحركات بوجود شرط التظاهرات الحاشدة من أجل اعتبارها حركات اجتماعية- و خصوصاً في الدول التي التي تقيد العمل الاحتجاجي. إضافةً إلى أن نهج “السياسات التنازعية” يغفل التطرق إلى الفروق بين الجنسين و أثر هذا على ديناميكيات العمل الجماعي الحاصل.
 
ناهيك عن بروز ذلك الافتراض الشائع بين أولئك الذين يتبنون نهج دورات أو مراحل الاحتجاج  (Protest Cycles Approach) و الذي يشير إلى أن  جميع الحركات الاجتماعية تتبع مسارات متماثلة تبدأ بتبنيها استراتيجيات سياسية معارضة خارج القنوات السياسية التقليدية ، مروراً بتطبعها بالطابع المؤسساتي الرسمي و احترافيتها، مما يؤدي لاختفاء الحركة وأفول نجمها  [٧] . أي أن احترافية الحركات الاجتماعية هو أمر حتمي يؤدي إلى تحييد الحركة و تخفيف حدة مطالبها في نهاية المطاف.
 
وجراء هذا، فقد انتقد الكثير من الأكاديميين نهج “السياسات التنازعية” مؤكدين في ذلك على أن الحركات الاجتماعية هي أشمل من ذلك بكثير [٨]  . لا سيما الحركات النسوية منها  و التي تتميز بطبيعتها الغير تقليدية و الغير جامدة  من ناحية التكوين العملي، ومن ناحية استنادها على الشبكات والتحالفات الغير رسمية. فذخيرة أداءات الحركات النسوية الاجتماعية (Repertoires of Contention) قد تجمع فيما بينها المظاهرات، الحملات المطلبية، البيانات الصحفية،  العمل البيروقراطي الروتيني المباشر، إضافةً إلى الأنشطة الثقافية الإبداعية و الحملات التوعوية التي تصبو إلى رفع درجة الوعي المجتمعي بقضايا النساء و مطالبهم. و لا ننسى منهم العمل الفردي المقاوم ( Micro Acts of Resistance) كالتي أشار لها جيمس سكوت.
 
الأمر الذي يدعونا لضرورة تبني  نظرة تحليلة تدرج الفروق الجندرية في عين الاعتبار عند التعرض للحركات الاجتماعية النسوية، وذلك نظراً لتبنيها ذخيرة أداءات جندرية فيما يتعلق بأساليبها و تكتيكاتها (Gendered Repertoires of Contention) [٩] التي قد تستهدف السلطة وأفراد المجتمع على حد السواء. إضافةً إلى مراجعة النظريات الحالية المتواجدة  لدينا والأخذ بعين الاعتبار الأنواع المختلفة من الحراك الاجتماعي و الأقل نزاعية من الناحية المطلبية عند تقييم التطورات في الحركة النسائية.
 
 
 
استعراض الحراك النسوي السعودي المتعلق بحملات تأييد قيادة المرأة
 
لقد مرت الجهود النسوية المناطة بحملات تأييد قيادة المرأة بمحطات عديدة، حيث يعود أصل هذه الجهود إلى السادس من تشرين الثاني / نوفمبر عام 1990 ، حين تجمعت حوالي سبعة و أربعون سيدة سعودية في موقف سيارات سوبر ماركت  التميمي في العاصمة الرياض، و ما لبثن أن قدن  13 سيارة  للمطالبة بحقهن في قيادة السيارة، مما انتهى باعتقالهن وفصلهن عن العمل ومنعهن من السفر.
 
و قد كان من بين المتظاهرات العديد من النساء المهنيات ذوات التعليم العالي، وعلى رأسهن عائشة المانع، أستاذة علم الاجتماع و الحاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة كولورادو في بولدر، و التي أكدت في مقابلةً لها مع صحيفة النيويورك تايمز في ذلك الحين على أن القيادة هي ضرورة أساسية للسيدات اللواتي يعملن ويدعمن أسرهن بالإضافة إلى استشهادها بالعبء الاقتصادي الذي يكلفه السائقون على ميزانية العوام. و قد عملت عائشة المانع مع  الناشطة حصة آل شيخ في تأليف كتاب أطلقتا عليه “نساء السادس من نوفمبر” لتوثيق تجربتهما في ذاك الحراك.
 
و قد أعقب هذا محاولة الناشطة وجيهة الحويدر لقيادة سياراتها من البحرين إلى جسر الملك فهد عام ٢٠٠٦ والتي أدت لاعتقالها. وتلى هذا اشتراكها مع الناشطة  فوزية العيوني في تأسيس  جمعية  الحماية والدفاع عن حقوق المرأة عام ٢٠٠٧  التي لم تحظ بترخيص من الدولة. و قد تكونت الجمعية من عدد من اللجان المختصة بمتابعة قضايا المرأة كالعنف الأسري و سن حد أدنى للزواج، بالإضافة إلى لجنة مختصة بمتابعة قضية السماح للمرأة بالقيادة والتي قامت برفع عريضة تحتوي على أكثر من ألف توقيع  للعاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز ملتمسةً في ذلك على ضرورة منح المرأة الحق في حرية التنقل. و لم تنتهي محاولات وجيهة الحويدر عند هذا الحد، فقد قامت بمحاولة ثانية لقيادة السيارة عام ٢٠٠٨ و تحميل تجربتها على موقع اليوتيوب ونشرها في المدونات، مما أثار ضجة كبيرة اضطرت في أعقابها على الاعتذار والتعهد بعدم القيادة مرة أخرى.
 
بينما شهد أيار/ مايو 2009 حملة جديدة من نوعها، عندما أطلقت أريج خان وهي طالبة سعودية في التصميم الجرافيكي في الولايات المتحدة حملة مبتكرة على الإنترنت أسميت بـ  “N7nu” – نحن النساء. و ركزت هذه الحملة على توظيف وسائل التواصل الإجتماعية كاليوتيوب و الفيس بوك وفليكر من أجل تشجيع أفراد المجتمع على إبداء النقاش  و تعزيز الحوار بينهم حول هذا الموضوع من أجل إعادة النظر في الحظر المفروض على السائقات في المملكة.  بينما انطلقت حملة سأقود سيارتي بنفسي في السادس عشر من يونيو ٢٠١١ على أعقاب الربيع العربي  لتشجيع النساء اللواتي يمتلكن رخص قيادة دولية على القيادة، و انضمت إلى هذه الحملة وجوه نسائية عديدة كمنال الشريف ووجيهة الحويدر و عشرات النساء اللاتي قمن بقيادة سياراتهن في المدن الرئيسية و توثيق تجاربهن تباعاً.
 
و قد لاقت هذه الحملة الأخيرة و ما رافقها من نشاط إلكتروني مكثف في وسائل التواصل الاجتماعية، حيث تم إدارتها على الإنترنت خلال الصفحات الإلكترونية الخاصة بها على الفيس بوك و عبر حسابات الناشطات عبر التويتر،  أصداءً إعلامية واسعة، مما سهل على مؤيديها الإحاطة  بتكتيكاتها الإستراتيجية. و لقد تم إحياء الحملة مجدداً في ذكرى مضي سنة على مرورها في يونيو ٢٠١٢ ، وأعقب هذا حملة السادس والعشرين من أكتوبر ٢٠١٣ و التي حملة راية رفع الحظر عن قيادة المرأة مجدداً و شهدت اعتقال بعض من الناشطات اللواتي أيدن الحملة. و في عام ٢٠١٤ قامت الناشطة لجين الهذلول بقيادة سيارتها من دولة الإمارات عابرةً بذلك  الحدود السعودية، قبل أن تعتقلها السلطات لأكثر من سبعين يوماً.
 
 
 
الإشكاليات الناجمة عن محاولة تأطير الحراك النسوي السعودي نظرياً
 
إذن يمكننا من السياق السابق ملاحظة وجود مجهود عام منظم على شكل حملات، يُمْلِي مطالب جماعية على السلطات المستهدفة. و هو ما يتوافق مع تعريف الحراك النسوي الذي يعرف من منطلق: ” تواجد مجموعة من النساء اللواتي يتصرفن بشكل جمعي لتقديم مطالب عامة منبثقة من هويتهم الجندرية كنساء” و هو تعريف له بعدان، أولهما: وجود خطاب أو مطالبات خاصة بالمرأة، و ثانيهما: اقتران المطالب بجهود من قبل النساء لإدراج هذه المطالب علنا” [١٠].
 
إلا أنه لا يخفى علينا بروز بعض الإشكاليات النظرية إذا ما ارتأينا  تطبيق منظار الحركات الاجتماعية على الجهود النسوية في هذا السياق، فهذه النظريات التي نشأت في الغرب تفتقر العناصر التي تخولها فهم تعقيدات الوضع الاجتماعي السياسي في البيئات و الأنظمة المختلفة كما هو الحال في المملكة العربية السعودية. فعلى سبيل المثال،  وضع المجتمع المدني فيما يتعلق بتواجد مؤسسات المجتمع المدني النسوية هو مختلف في مثالنا أعلاه  بالمقارنة مع  المؤسسات المدنية النسوية التي قد تتواجد في سياقات أخرى. أي أن التحالفات والشبكات الغير مؤسسية و التنظيمات غير الرسمية – سواءً التي تنشأ عبر العلاقات الشخصية أو عبر طيات الفضاء الإلكتروني- و ما يحدث بينها من تفاعلات هي نقطة التمركز هنا نظراً لندرة وجود أشكال تنظیمیة تقلیدیة لتقنين النشاط النسوي . ولهذا اقتضى بنا الأمر العمل على تكريس مزيد من الاهتمام لتأطير السياق الوطني والمجتمعي  المرتبط  بانبثاق هذه الحركات و ضمه إلى هذه النظريات.
 
إضافةً إلى أن البعض قد يعترض إذا ما حاولنا تأطير هذا الحراك النسوي تحت مظلة نظريات الحركات الاجتماعية بحجة تمسكهم بفرضية أن من أجل اعتبار الحراك النسوي حراكاً اجتماعيا فإنه يتوجب عليه أن يتسم بوجود جهاز رسمي تنظيمي داعم له، و قيادة موحدة ذات علاقات هرمية، و أعداداً هائلة من المؤيدين الذين يتدفقون إلى الشوارع،  و هذا لا يتطابق ببساطة مع ما نشهده الآن من حركات مجزأة غير مكتملة النصاب ، ومن دون قيادة مركزية كما هو الحال مع حملات تأييد قيادة المرأة للسيارة في المملكة العربية السعودية، التي رأيناها تارةً تنظم ميدانياً، و تارةً أخرى تنظم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعية، أو عن طريق استهداف وسائل الإعلام أو شخصيات عامةً  مؤثرة في المجتمع الدولي  لها القدرة على فرض الضغط على أصحاب القرار.
 
وجراء هذا، فإننا ما نلبث إلا أن نلحظ عدم تناسب بعض الأطر الكلاسيكية المهيمنة في نظريات الحركات الاجتماعية مع هذا النوع من الحراك، فنظرية تعبئة الموارد على سبيل المثال لا تتوافق مع مثالنا أعلاه ، نظراً لتحيزها النظري للجانب التنظيمي المؤسساتي التقليدي المرافق للحركة (Social Movement Organization) وتسليمها بوجود منظمات و  تكوينات تقليدية تنظيمية  داعمةً للحركات الاجتماعية في مطالبها من غير تقديم أي تفسير كافي لبزوغها [11].   فضلاً عن تقليصها وحدها من حجم الحراك النسوي. ومثيل ذلك ينطبق على نظرية الحركات الاجتماعية الجديدة التي من العصي علينا قولبتها وتطويعها لدراسة الحركات  التي تشهدها منطقتنا العربية نظراً لأنها مختصة أساساً بالمجتمعات التي نشأت بعد الطفرة الصناعية في الغرب، و لاختلاف جوهر القيم المراد تحقيقه في هذين السياقيين.
 
 
 
الخاتمة: ضرورة تجديد نظرتنا لمفهوم الحركات الاجتماعية
 
إذن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة، كيف نؤطر هذا النوع من الحراك الذي نشهده حالياً؟ هل من الأفضل أن  نستبعد النظر إليه كحركة اجتماعية نظراً لأنه بالكاد يتناسب مع النماذج الكلاسيكية القائمة في علم الحركات الاجتماعية، أم نعده كنوع فرعي منها؟
 
و الإجابة على هذا السؤال تكمن في تحليل طيات خصائص الحراك النسوي ذاته، أي إنه من الواضح ملاحظة أن الحركات النسوية المعاصرة التي نشهدها في سياقنا هذا – كحملات تأييد القيادة و ما شابهها من حملات لرفع الوصاية عن المرأة السعودية-  والتي أفرزتها  الحاجة ، والتطورات التكنولوجية إضافةً إلى تركيبة و خصائص البيئة السياسية المتواجدة فيها ، هاهنا نراها تتحدى التقسيمات النظرية الجامدة و الثنائيات التحليلية -التي قد يعدها البعض نقيضة لبعضها – لما هو ينتمي للمجال العام (Public Sphere) و ما هو ينتمي للمجال الخاص (Private Sphere) ، و ما يمكننا اعتباره  فعلاً سياسياً (Political Act) أو  غير سياسي ، و ما الذي يشكل مفهوم الحركة الاجتماعية و ما الذي يشكل مفهوم الجهة التنظيمية في المقابل. إلى جانب اختلاف طريقة تعاطيها مع السلطة، فتارةً نراها تتعامل مع السلطة كحليف استراتيجي مؤثر ، وتارةً أخرى نراها تتعامل مع السلطة كجهة مستهدفة للمطالبات.
 
إذن، فلقد بات جلياً إدراك أن مفاهيمنا و تصوراتنا القديمة لما يمثل “حركة اجتماعية” أضحت  قاصرة عن استيعاب وتحليل ما يحدث من حراك نسوي معاصر. و لهذا فإنه من الأجدر بنا الاعتراف أولاً بأن التغيير الحاصل في شكل وخصائص الحراك نفسه لا ينفي صفة الحركة عنها و لا ينقص من قيمة وتأثير هذا النوع من الحراك. و أن ما نشهده من حراك نسوي هو حركة اجتماعية فعلاً يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، حتى و أن لم تسعفه النماذج النظرية الكلاسيكية المتواجدة حالياً.
 
أي أن عدم انطباق خاصية تبني هذا الحراك لاستراتيجية  تنظيم المظاهرات الضخمة، أو استهداف السلطة بشكل صدامي مباشر لا يعني بأنها لا تعد حركة اجتماعية بحد ذاتها، فالحركات النسوية عموماً قلما تعتمد على هذه الاستراتيجيات، ناهيك عن ذكر المناخ السياسي في حالتنا هذه و الذي يمنع تبني هذه الاستراتيجيات في المقام الأول. أما ردنا على أولئك الذين يقرنون الحركات الاجتماعية بتواجد هياكل و مؤسسات تنظيمية كلاسيكية ( Brick and Mortar Model)، فيتمثل في عدم اعتمادية الحراك النسوي المعاصر الآن على هذا النمط التنظيمي التقليدي ولجوئه لبدائل تنظيمية أخرى عوضاً عنه كالبدائل التنظيمية التي يوفرها الفضاء الإلكتروني وما يصاحبه من وسائل اتصال اجتماعية تنظيمية حديثة. بينما إجابتنا لأولئك الذين يقللون من تأثير هذا النوع من الحراك على عملية إحداث التغيير السياسي والمجتمعي،  فتتلخص في الاعتراف بأن تعقب العلاقة السببية التي قد تربط منهجياً بين تأثير الحراك النسوي الفعلي على إحداث التغيير و المتمثل – في حالتنا أعلاه – بقرار السماح بالقيادة الأخير، يبقى عصياً نسبياً نظراً لعدم توفر البيانات المتعلقة بهذا الشأن. إلا أنه يمكننا القول بأن حملات تأييد القيادة الأخيرة و ما لاقته من أصداء إعلامية واسعة  قد شكلت تحولاً ملحوظاً في الخطاب السعودي المجتمعي حول هذه المسألة، مما قد ساعد في تهيئة المناخ العام والرأي العام السائد  لتقبل هذا القرار متى ما تم تطبيقه. أي أن الحراك النسوي في هذه الحالة كان مستهدفاً للأفراد عن طريق إذكاءه للمناقشات و المحاججات العامة حول هذا الموضوع، وصانعي القرار على حد سواء من خلال تعامله مع هذه المسألة كورقة ضغط تجاههم.
 
وخلاصة الأمر تتمثل في أنه  يتوجب علينا التعاطي مع الحراك النسوي كحراك اجتماعي عن طريق تداول لغة جديدة  أكثر مرونة  لقراءته و تحليله. و على إثر هذا فإننا نضم صوتنا لأصوات الباحثين المطالبين بتبني تعريف أدق و أشمل لمفهوم الحركات الاجتماعية و الذي يخولنا النظر إليها كشبكة من الأفراد و التحالفات الموجهة نحو أهداف محددة نسبياً، التي  قد ترتبط مع بعضها البعض بطرق تقليدية وغير وغير تقليدية على حد سواء، وتتيح لأعضائها حرية المشاركة من دون الاعتماد على هيكل تنظيمي كلاسيكي ، و ليس بالضرورة كأجزاء متكاملة  من حركة واحدة. متبنيةً في ذلك ذخيرة من الأفعال المطلبية التي تتناسب مع البيئة السياسية التي تواجهها.
 
إذن فالواقع يفرض علينا إعادة التفكير في الحدود الفاصلة بين الحراك الاجتماعي و الحراك النسوي و الحراك السياسي التنازعي، و أن تتبنى منهجاً  مُتَعَدِّدُ الاختصاصات (Interdisciplinary Lens ) عند التعرض لهم. فأنا شخصياً قد ارتأيت إدماج بعض المفاهيم التي تنتمي لدراسات الإعلام الجديد، السياسات الخطابية (Discursive Politics ) ومنهج التحليل الشبكي من أجل تحليل العناصر المشاركة في الحراك أعلاه ، والكشف عن سلسلة العلاقات والروابط المعتمدة بينهم، إضافة إلى طبيعة المحتوى الذي يتم إنتاجه و أنماط تداوله المعتمدة، و علاقة هذا بالجو السياسي العام السائد التي قد يؤثر على كيفية استجابة جهة القرار للمطالب.
 
وختاماً، فإنني أتمنى أن تساهم هذه النظرة المتجددة في خروجنا عن النص الذي يفرضه علينا حالياً الاتجاه العام السائد مجال العلوم الاجتماعية ، والهادف لجعل الدراسات الأكاديمية التي تتمحور حول الحركات النسوية الاجتماعية أكثر صرامة ومنهجية عن طريق اقرانها  بأدوات قياسية تسفر عن الوصول إلى نتائج يمكن تعميمها على نطاق واسع، بدلاً عن تجديد علم  أصول المعرفة البديلة والأساليب والنظريات المتعلقة بها.
 
 
 
 
 
المصادر
 
[١] نولة درويش  «هل نحن إزاء حركة بالفعل أم إزاء منظمات محددة؟» الحوار المتمدن-العدد: 765 – 2004 / 3 / 6 – 08:38 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=15507
 
[٢] علي الكنز ، الإسلام والهوية،  والدين في المجتمع العربي ، بيروت : مركز درسات الوحدة العربية ، 1990 ، ص .95
 
[3] Tarrow, Sidney. 1988. “National Politics and Collective Action.” Annual Review of Sociology 14: 421-40.
 
[4] McCarthy, J. D., and M. N. Zald. 1973. The Trend of Social Movements in America: Professionalization and Resource Mobilization. Morristown, N.J.: General Learning Press.
 
[5] Klandermans, B.1991. New social movements and resource mobilization: The European and the American approach revisited. In D. Rucht (Ed.). Research on social movements. The state of the art in western Europe and the USA (pp. 17-44). Frankfurt am Main, Germany: Campus Verlag.
 
[6] Taylor, Verta, and Nella Van Dyke. 2004. “’Get Up, Stand Up’: Tactical Repertoires of Social Movements.” Pp. 262-293 in The Blackwell Companion to Social Movements, David A. Snow, Sarah A. Soule, and Hanspeter Kriesi, eds. Oxford: Blackwell.
 
[7] Meyer, David S. & Tarrow Sidney.1998. “A movement Society: Contentious Politics for a New Centuary”. in: The Social Movement Society: Contentious Politics for a New Century. Rowman & Littlefield.
 
[8] Staggenborg, Suzanne, and Verta Taylor. 2005. Whatever happened to the women’s movement ? Mobilization 10:37-52.
 
[9] Ferree, Myra Marx, and Carol Mueller. 2004. “Feminism and the Women’s Movements: A Global Perspective.” In The Blackwell Companion to Social Movements, ed. David A. Snow, Sarah A. Soule, and Hanspeter Kriesi. Oxford: Blackwell
 
[10] Silke Roth .2016. Contribution to dialogue on “New directions in studying women’s movement strength”, Politics, Groups, and Identities, 4:4, 695-701.
 
[11] Melucci, A. (Ed.). 1984 Altri Codici. Aree di Movimento nella Metropoli (Other codes. Areas of Movement in the Metropolis). Bologna: I1 Mulino.


______________________________________


المصدر: مدونة أعواد قش


 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها


 

الصفحة 1 من 23