مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الحكم و الديمقراطية

د. الهوشان يستعرض ذكرياته ويؤكد: عمال أرامكو السعوديون ليسوا شيوعيين - حوار عبدالله الحسني

طباعة PDF
د. الهوشان يستعرض ذكرياته ويؤكد:
عمال أرامكو السعوديون ليسوا شيوعيين


 
حوار عبدالله الحسني


تجمعني مع المحامي د. محمد الهوشان ذكريات مشتركة عن المنطقة الشرقية في المملكة، فقد أقمت فيها أكثر من عشرين عاماً في أواخر القرن المنصرم. ولكن د. الهوشان أقام فيها في بداية الخمسينات من القرن العشرين حيث اتسمت تلك السنوات بأحداث عمالية لا تزال في ذاكرة الكثيرين، وقد كان د. الهوشان في وسط تلك الأحداث إذ كان في علاقات العمل في أرامكو ثم نائباً لرئيس مصلحة العمل في بداية تأسيسها، عن تلك الذكريات وغيرها الكثير كان هذا الحوار:
 
النشأة والبدايات
 
من مواليد المدينة المنوّرة، وأبلغ من العمر 92 عاماً، أنتمي إلى واحدة من أقدم الأسر القصيمية "مدينة الرس"، وأحد أوائل خريجي ثانوية طيبة العتيدة. محامٍ متقاعد ويعلق على كلمة "متقاعد": بأن "القانون" نوع من "الإدمان" يصعب على الإنسان التخلص منه خاصة إذا طال عليه الأمد فإنه يصاحبه إلى قبره!. وقال: التحقت في بداية الخمسينات الميلادية بالعمل في أرامكو حيث عينت في إدارة علاقات العمل، الفتية في ذلك الوقت لأصبح مسؤولاً عن القضايا العمالية ونائباً لرئيسها.
 
واستطرد الدكتور الهوشان: قرأت بعناية مقال الأستاذ كامل الخطي بعنوان "الشيوعيون في السعودية.. النشأة.. الصعود" المنشور في عكاظ بتاريخ 21 ربيع الأول 1439هـ، وأحزنني كثيراً بسبب الأحكام غير المنصفة على أشخاص انتقل أكثرهم إلى رحمة الله وأضاف: حقبة الخمسينات الميلادية بالنسبة لأحداث عمال أرامكو في المنطقة الشرقية، حقبة تاريخية يجهل تفاصيلها أكثر الناس وخاصة الشباب من الجيل الثالث من أبناء المنطقة، الذين يروون روايات أكثرها سماعية ويكون أساسها الإشاعات في أغلب الأحيان.
 
حقائق مجهولة
 
وأكد الهوشان أن هناك حقائق يجهلها الكثيرون -من وجهة نظره-
 
وأولاها: أن عمال أرامكو كانوا يتكونون أساساً من ثلاث طوائف: الأولى Saudi Camp أي المخيم السعودي، ويسكنه العمال العاديون وهم الغالبية العظمى القادمون من شتى أنحاء المملكة طلباً للرزق ويتسمون بالأمية ويعتقدون أن "شركة أرامكو" هي "شريكة" للحكومة ويسمونها "شريكة رينكو" ولا يدركون أن العلاقة بين الحكومة وشركة أرامكو الأجنبية تحكمها نصوص اتفاقية الامتياز ونصوص الأنظمة التي تنظم العلاقة بين العمال وصاحب العمل وبأن الطرفين مقيدان بهذه النصوص وبالتالي فإنهم لا يتصورون أن تحسين أوضاعهم مرهون بتحسين نصوص عقد الامتياز وهي مهمة تدخل في اختصاص وزارة المالية ثم وزارة البترول والمعادن فيما بعد، وتحسين نصوص نظام العمل وإنشاء معاهد للتدريب المهني وإصدار أنظمة للتأمينات والرعاية الاجتماعية وتلك مهمة مصلحة العمل.
 
ثم تأتي في القمة الطائفة الممتازة Senior Staff وتسكن في مجمعات مترفة تشبه أحسن الأحياء في (كاليفورنيا) وتتكون غالبيتها العظمى من الأميركان البيض (ولا أذكر أن من بينهم أميركياً أسود واحداً) وبعض الأوروبيين، وكنت أحد خمسة أشخاص من السعوديين الذين سمح لهم الانتماء لهذه الفئة.
 
وبين تلك الفئتين توجد فئة يمكن تسميتها "بفئة النخبة" Elite وهم من كان يسمون بـ "الفئة المتوسطة" Intermediate Staff ومعظمهم فلسطينيون وعرب آخرون "ما عدا المصريين"، كما أن منهم عددا كبيرا من شبه القارة الهندية، أما السعوديون منهم فإن أغلبهم من القادمين من الحجاز وآخرون من الزبير وسوق الشيوخ والبصرة في العراق، وفي حين كانت الشركة تزعم بأنها وفرت للسعوديين آلاف الوظائف وهيأت لهم مساكن إسمنتية بدلاً من الخيام وبيوت الطين، وأنوارا ومراوح كهربائية ووجبات غذائية منتظمة.. تعتقد فئة النخبة بأن العمال السعوديين -وأغلبيتهم من أبناء البادية- قد تنازلوا عن حريتهم مقابل عمل بدني شاق وطويل بأجر زهيد بالنسبة للمستويات العالمية مع وجود حواجز نفسية أهمها أنهم أصبحوا -وللمرة الأولى- تحت إمرة أشخاص "غير مسلمين" لا يتحدثون اللغة العربية، في بلد تقليدي ومسلم لم يسبق له أن يتعامل مواطنوه مع أجنبي وجهاً لوجه.
 
التيارات السياسية:
 
ويضيف الهوشان: أن هناك تأثيراً مباشراً للتيارات السياسية السائدة في العالم العربي في ذلك الوقت وخاصة العراق على تلك النخبة السعودية من عمال أرامكو: فمنذ بداية الخمسينات بدأ المد الشيوعي في العراق متأثراً بـ"حزب توده إیران" الذي كان يعد أكبر حزب شيوعي خارج الاتحاد السوفيتي. وكان يتجاذب الشارع العراقي تياران: هما التيار الشيوعي، والتيار البعثي، وهكذا قام الشيوعيون بالانقلاب العسكري برئاسة عبدالكريم قاسم ثم تلاه الناصريون على يد عبدالسلام عارف لينتهي بعد ذلك في يد البعثيين في عهد البكر ثم صدّام حسين. وقد تداعت أصداء هذين التيارين بين النخبة من العرب العاملين في أرامكو، وكان الموسرون من أهل المنطقة يبعثون أولادهم إلى العراق لتقدم التعليم فيه فيعودون مشبعين بالأفكار السائدة في العراق أثناء إقامتهم للدراسة.
 
ولا يمكن أن نقول إنهم شيوعيون أو بعثيون أو ناصريون؛ لأنهم لا يعدون أن يكونوا متعاطفين (SYMPATHISERS). ولكنهم يعاملون بعضهم وكأنهم أعداء، وكل واحد يشير إلى الآخر بأنه "شيوعي" لأنه يكره عبدالناصر أو هو "بعثي" لأنه كان عروبياً ولكنه لا يحب عبدالناصر.
 
ولكن تجمعهم جميعاً صفات معينة هي حبهم لوطنهم وإخلاصهم له كما تجمعهم نزعتهم العلمانية وكراهيتهم للاستعمار والغرب بوجه عام وإعجابهم بزعماء "دول الحياد الإيجابي" Positive Neutrality الذين كانوا يمثلون خليطاً عجيباً من التناقضات!!
 
وكانت مشكلتي الكبرى مع كل هؤلاء ناتجة من نزعتي الاستقلالية : فقد آليت على نفسي أن لا أنتمي إلى أي طائفة منهم، فكانت النتيجة أني نعمت باستقلاليتي ولكني أصطليت باتهامات لا حصر لها من جميع هؤلاء.
 
الحرب المكارثية:
 
واستطرد قائلا: إن تلك الحقبة وقعت أثناء محنة كانت تمر بها الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأقصى والتي انتهت بحرب فيتنام مع محنة داخلية تاريخية هي (الماكارثية)، وهي الحرب الشرسة التي شنّها السيناتور ماكارثي ضد كل ما هو تقدمي في الولايات المتحدة الأميركية إذ تسبب في سجن العشرات من الكتّاب والمفكرين والسياسيين وكانت ردة الفعل في إدارة أرامكو (التي كانت أميركية 100 %) حالة من البارانويا (PARANOIA ) السياسية. فإن المطالب العمالية لم تكن سوى مطالب عادية حدث مثلها من عمال الزيت في المكسيك بل وفي الولايات المتحدة الأميركية نفسها قبل وبعد نشوء الاتحاد السوفيتي. ولذلك فإن السياسيين الأميركان ومديري شركة أرامكو كانوا يتهمون بعض المتنورين مثل جمال الحسيني (ابن عم مفتي فلسطين) وعبدالعزيز إبراهيم المعمر بأنهم "يساريون" أو "شيوعيين متسترين" -كما قال الكاتب الخطي- في حين أنه في نفس الفترة كان شمعون بيريز يمثل إسرائيل سنوياً في الاجتماعات الأممية في الاتحاد السوفيتي باعتبار أن إسرائيل -في زعمهم- دولة اشتراكية، وكان يصدح بنشيد "الانترناسيونال" بأعلى صوته دون اعتراض أو حتى تعليق من الأوساط الأميركية!!
 
التهم الباطلة:
 
واستطرد في حديث الذكريات بقوله: إن الشيخ عبدالعزيز بن إبراهيم المعمر لم يكن في الواقع سوى رجل وطني مخلص كانت أهدافه عندما كُلف بتأسيس مصلحة العمل والعمال، معلنة، بل بدأ في تنفيذ برنامجه ولكن التهم الباطلة أودت به، كان من أول أهداف عبدالعزيز بن معمر هو استبدال نظام العمل القديم الذي لم يكن يوفر الرعاية الكافية للعمال بنظام جديد هو النظام النموذجي الذي أعدته منظمة العمل الدولية في جنيف، وكانت نتيجة هذا المجهود أن تبنى الملك فيصل -يرحمه الله- فيما بعد نظام العمل النموذجي المذكور كأساس لنظام العمل والعمال السعودي بل والتحقت المملكة كعضو في المنظمة الدولية حضرها الوزير عبدالرحمن أبا الخيل ومن بعده الوزير إبراهيم العنقري -يرحمه الله-.
 
وكان من أهداف المعمر أيضاً إنشاء معهد للتدريب المهني وقد تأسس المعهد الملكي المهني حال تولي الملك فيصل حكم البلاد، كما كان ينادي عبدالعزيز المعمر بنظام للتأمينات الاجتماعية فوافق الملك فيصل -يرحمه الله- على نقل النظام الفرنسي للتأمينات الاجتماعية ليكون أساس نظام التأمينات السعودي. ويعد النظام الفرنسي أكثر الأنظمة الأوروبية تقدماً حتى الآن.
 
ويتساءل الهوشان: أيقال بعد ذلك أن عبدالعزيز المعمر كان "شيوعياً"؟، ومن أجل الإنصاف أريد أن أقول كلمة حق -إن شاء الله- عن الشخص الذي خلف الشيخ عبدالعزيز بن معمر في إدارة مصلحة العمل والعمال وهو المرحوم تركي العطيشان الذي كان مستشاراً للمرحوم الأمير سعود بن جلوي، وقد كان قبل ذلك أول مدير شرطة في الرياض أيام الملك عبدالعزيز -يرحمه الله-.
 
لقد كان تركي العطيشان رجلاً من أعقل الرجال وأكثرهم حكمة، وقد اكتسب بحكمته ثقة العمال وثقة شركة أرامكو ووظّف أو أقرّ توظيف نفر من المتعاطفين مع العمال في مصلحة العمل منهم الأستاذ عبدالعزيز السنيد والكاتب والشاعر المعروف عبدالله الجشي وسمح باستمرار برامج الإصلاح حتى آتت ثمارها.
 
جامعة فؤاد
 
وزاد: تشرفت بأن أكون مساعداً له وقد كنت من خريجي جامعة فؤاد الأول (القاهرة فيما بعد) وليس من جامعة بغداد -"كما زعم الخطي"- إذ لم تطأ قدمي أرض العراق قط. وقد عشت في مصر أربع سنوات منها سنتان قبل عبدالناصر وسنتان بعد وصوله للحكم.
 
وختم الدكتور الهوشان تعليقه على مقال الخطي بأنه كان يتمنى لو كان الكاتب قد تحرى وتأكد من معلوماته بدلاً من استناده إلى قول بعض الأميركان بوجود "شيوعيين متسترين"، ولم يراعِ تأثير ذلك على سمعة من ذكرهم ومنهم من انتقل إلى رحمة الله ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
 
تعريفات دارجة
 
وقد لفت د. الهوشان النظر إلى مقال بقلم الدكتورة روزي بشير (Rosie Bsheer) نشرته مجلة (Past & Present) الأميركية بالمجلد رقم 238 الطبعة الأولى بتاريخ 1 فراير 2018م وهي أستاذة من أصل لبناني تحاضر في جامعة من أكبر الجامعات الأميركية وهي جامعة ييل Yale University، وقال إنه تشرف بمقابلتها عدة مرات ويعدها من نوابغ هذا الجزء من العالم، فقد كتبت ترجمة عن حياة الشيخ عبدالعزيز إبراهيم المعمر ووصفته بأنه Leftist أي "يساري". ولا شك أنها قد تأثرت بذلك بالتعريفات الأميركية الدارجة فإن كل من لا يكون يمينياً متطرفاً فإنه يعد في نظرهم "يسارياً". وأنهى حديثه بقوله: "لعل ما شرحته يكون كافياً لإظهار الحقيقة".

________________

المصدر: جريدة الرياض


 

الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

 

المسألة الظفارية.. «ثورة الرياح الموسمية» - كامل الخطي

طباعة PDF
المسألة الظفارية.. «ثورة الرياح الموسمية»




كامل الخطي


اعتبرت في خاتمة مقالي السابق الذي نَشَرَتْه صحيفة «عكاظ» الغرّاء يوم السبت ١١ فبراير ٢٠١٨، بأن ذلك المقال قد يكون مجرد مقدمة للكتابة عن تمظهرات الأحزاب، والحركات، والتنظيمات العربية القومية، واليسارية القومية في منطقة الخليج العربي، وخصوصاً تمظهراتها في المملكة العربية السعودية. بعد إنفاقي ساعات طوالا قضيتها في إعادة قراءة كل مادة مكتوبة وقعت في حيازتي حول هذا الموضوع، ومراجعتها، توصلت لقناعة بضرورة الكتابة عن منطقة ظفار، تلك المنطقة العُمانية التي شهدت أحداثا جسيمة في الفترة الزمنية الواقعة بين عامي ١٩٦٥ و١٩٧٦.

يُخْتَلَف على تشخيص تلك الأحداث الجسيمة بين مدرسة فكرية، وأخرى. وَصَفَ دارسون وأكاديميون من بعض المدارس الفكرية المحافظة، تلك الحوادث بـ«التمرد المسلح»، ورفض بعضهم وصف الحوادث الإجمالي بـ«الثورة» لاعتبار علمي هو أن تلك الحوادث لم تنجح، في نهاية مطافها، في اقتلاع النظام السياسي القائم، وبالتالي، لم تنجح في إحلال نظام سياسي ثوري محل النظام القديم، وهذا الفشل - حسب المدارس الفكرية المحافظة - يُفْقِد تلك الحوادث وذلك الحراك، التأهيل اللازم لاكتساب صفة «ثورة». في الجانب الآخر، هناك مدارس فكرية أخرى تمنح صفة «ثورة» لتلك الحوادث، وذلك الحراك، وتقدم تبريرا علميا لموقفها المختلف عن موقف المدارس المحافظة. مُلَخص التبرير العلمي للمدارس الأكثر تقدمية، التي لا تتحفظ على وصف حوادث وحراك منطقة ظفار العمانية بـ«الثورة»، يقول إن ذلك السياق الذي شهدته منطقة ظفار على مدى زمني امتد لعقد من الزمان، قد أوجد حالة ثورية أحدث من خلالها تغييرات جذرية على أكثر من صعيد، فعلى مدى 11 عاماً، عاشت نسبة كبيرة من سكان ظفار مستقلة عن سلطة الدولة، وسيطرت على مساحات كبيرة من أرض المنطقة، وبَنَتْ مؤسساتها، وعملت على الإصلاح الاجتماعي الجذري؛ حيث نجحت في إلغاء وتحريم الاسترقاق وتجارة العبيد، وعَلّمَت المرأة، وأشركتها في عمليات القتال، وفِي القرار السياسي، وأوجدت فضاء مدنيا متجاوزا للعلاقات القبلية التقليدية التي كانت تنظم العلاقات الاجتماعية فيما مضى. كما طَوّرت الزراعة، وقدمت الأدوية وخدمات الطبابة الحديثة. حَدَثَت كل تلك الإنجازات تحت سلطة ثورية موحدة تتميز بتركيبة مدنية استطاعت تجاوز الهرمية القبلية التي كان لها حضور ساطٍ في تنظيم العلاقات الاجتماعية.

من الباحثين الأكاديميين الذين ذهبوا باتجاه وصف حوادث وحراك ظفار في الفترة الممتدة بين أواسط ستينات، وأواسط سبعينات القرن العشرين، بـ «الثورة» عبدالرزاق تكريتي. استند عبدالرزاق تكريتي في اعتماده لمفهوم «الثورة» عند معالجته العلمية للمسألة الظفارية، على أستاذ العلوم السياسية، وعالم الاجتماع، والمؤرخ الأمريكي تشارلز تيلي الذي ناقش المفهوم في كتابه «الثورات الأوروبية»، وتشارلز تيلي هو أحد أبرز المؤرخين وعلماء الاجتماع على مستوى العالم؛ حيث يَصِف زملاء ورصفاء تشارلز تيلي بكونه «الأب المؤسس لعلم اجتماع القرن الحادي والعشرين». ناقش عبدالرزاق تكريتي هذا الاختلاف المفاهيمي في تعريف المسألة الظفارية، ومال إلى رأي تشارلز تيلي في أطروحة الدكتوراه التي قدمها تكريتي في كلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة، التي صدرت لاحقاً في كتاب بعنوان «ثورة الرياح الموسمية» «Monsoon Revolution» صدر عام ٢٠١٣ عن منشورات جامعة أكسفورد. أَحَدَث كتاب تكريتي أثراً إيجابياً بعد صدوره، فقد اعتبره عددٌ من المختصين في الدراسات الاجتماعية-السياسية، فتحا في مجاله؛ إذ إن المكتبات تفتقر - إلى حين صدور الكتاب - إلى دراسة تاريخية-اجتماعية-سياسية عميقة ورصينة تخالف الرواية الكولونيالية حول المسألة الظفارية. واعتبر آخرون أنه لا غنى لباحث أو دارس يختص في الشأن العُماني، عن هذا الكتاب الذي فتح أفقا آخر للمقاربات البحثية في تاريخ عُمان الحديث. قُمْت - ما وسعني الجهد والوقت - بعمل مسح شامل للمراجعات والقراءات التي نُشِرت حول الكتاب؛ فلفت انتباهي عددٌ كبير منها، لكني اخترت التوقف عند ثلاث مراجعات رصينة، وعميقة.

أول تلك المراجعات، مراجعة بهروز معظمي المنشورة في الجزء ١١٩ العدد الخامس من مجلة «The American Historical Review» بتاريخ ١ ديسمبر ٢٠١٤ على الصفحتين ١٨٢٤ و١٨٢٥. كتب بهروز معظمي في مراجعته لكتاب تكريتي، أن عبدالرزاق تكريتي نَجَحَ في بحثه المشغول بمهارة، في التركيز على حركة ثورية يكاد النسيان يطويها في هامش مُفْقَر في العالم العربي، وأن تكريتي قد أعاد قراءة التاريخ الرسمي وأعاد تفسير التدخل البريطاني لسحق «الثورة»؛ كما وضع المسألة الظفارية في سياقها العابر للحدود، وفِي سياقها الدولي؛ إذ وضع تكريتي المسألة الظفارية في إطار شامل عندما رَبَطَ حركة ثورية تنشط في طرف من أطراف عالم كولونيالي وشبه كولونيالي، بصراع أكبر خلال عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين؛ حيث كَشَفَ أن ذلك الحراك قد عكس روح وصوت المؤتمر الأفرو-آسيوي الذي انعقد في باندونغ بإندونيسيا عام ١٩٥٥، ومؤتمر التضامن بين شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية الذي انعقد في العاصمة الكوبية هاڤانا عام ١٩٦٦.

المراجعة الثانية التي سأقف عندها هي مراجعة ماثيو ماكلين المنشورة في نسختها الإنجليزية بتاريخ ١٠ أكتوبر ٢٠١٤ في مجلة International Journal of Archaeology and Social Sciences in the Arabian Peninsula.

حيث كتب ماثيو ماكلين أن ثورة ظفار، ولزمن طويل، كانت أحجية تواجه المؤرخين المختصين بمنطقة الخليج العربي؛ فالمصدر الوحيد المتوفر للدارسين والباحثين هي المذكرات الشخصية للجنود البريطانيين الذين شاركوا في سحق الثورة في ظفار، وأن تاريخ الدولة والمجتمع في عُمان يعتمد وجهات نظر خارجية حول المسألة الظفارية؛ بل إن كتاب فريد هاليداي «العربية بدون سلاطين» الغني بالمعلومات، والذي أبدى فيه مُؤَلِفُه تعاطفه مع ثورة ظفار، يفتقر إلى البعد العلمي الذي يتكون - عادة - مع مرور الزمن، وتباعد الفترة الزمنية بين وقوع الأحداث والكتابة عنها. ليس هناك فهم يُذْكَر لثورة ظفار من الداخل، أو من حيث موقعها في الكتلة الأكبر للحركات القومية واليسارية العربية في عالم ما بعد الاستعمار. يَسدُّ كتاب «ثورة الرياح الموسمية» بنجاح، العديد من الثغرات؛ كما يساهم تكريتي بشكل كبير في تَعَلُمِنا عن ثورة ظفار، وعن التاريخ العُماني، وعن الديناميكيات السياسية في منطقة شبه الجزيرة العربية في حقبة ستينات وسبعينات القرن العشرين. يَصِل ماثيو ماكلين في ختام مقال المراجعة إلى خلاصة جازمة مفادها أن مقاربة عبدالرزاق تكريتي لتراجع المد الثوري، وتناقص السيادة الثورية على الأراضي التي كانت خارج سيطرة الحكومة السلطانية، مختصرة إلى حدٍ ما. على النقيض من ذلك، تركز معظم المصادر الأخرى على هذه الفترة التي شهدت بداية هزيمة الثورة، وهذا رهان مراوغ بهدف تقديم صورة شوهاء عن مجمل أداء الحركة الثورية. يفتح كتاب «ثورة الرياح الموسمية» أرضية بحثية جديدة وكبيرة، تُوَفِر الأساس للبحوث العلمية المستقبلية حول المسألة الظفارية. وأي اشتغال - لاحق - بتاريخ عُمان، سوف لن يجد مناصاً من الرجوع إلى هذا الكتاب.

أما المراجعة الثالثة فقد كتبها جون تشالكرافت ونُشِرَت في Arab Studies Journal في عدد خريف ٢٠١٥، وَمِمَّا جاء فيها: إن كتاب عبدالرزاق تكريتي الممتاز هو قيمة علمية حاسمة في مجال دراسات النضال القومي العربي الثوري المسلح في ظفار؛ فهذا الكتاب يقدم عمقاً تجريبياً غير مسبوق، وحَرَّر ذاكرة المكان، ورواية سياق الصراع المسلح في ظفار، من أسر السردية الكولونيالية، والسردية الحكومية الرسمية. كما عَلَّمَنا عن الدور البريطاني الكبير في تحويل نظام الحكم من «دولة أميرية بسيطة التركيب» إلى «مَلَكية مُطْلَقة»، كإجراء ضروري، يعود السبب وراء اتخاذه، إلى الحراك الثوري، ومستلزمات مواجهته، وسحقه خلال حقبة ستينات وسبعينات القرن العشرين. بهذا، يقطع عبدالرزاق التكريتي الطريق أمام وجهة النظر الكسولة، والمتأثرة - غالباً - بالمركزية الأوروبية التي تقول إن نظام الحكم الملكي المطلق في عُمان، شيء موروث من الماضي، وأنه - الحكم الملكي المطلق - سوف يتقوض ببطء في ظل ظروف الحداثة الرأسمالية. علاوة على ذلك، وبفضل غوص المؤلف في الأرشيفات، ودور المحفوظات البريطانية، فإننا - كقارئين - قد وقفنا على تفاصيل مقنعة تناقض المرويات البريطانية الوردية، التي صَوَّر فيها البريطانيون أنفسهم باعتبارهم كانوا سعاة نحو تطوير نظام الحكم إلى الشكل البرلماني؛ إذ يتضح من خلال الوثائق البريطانية، أن البريطانيين قد هندسوا انقلاب عام ١٩٧٠ لكي يكملوا بناء النظام الملكي المطلق الذي صُمِّمَ بهدف فرض هيمنة سياسية مركزية ثقيلة الوطأة تتكفل بسحق أي نهوض محتمل الحدوث في المستقبل. يختم جون تشالكرافت مراجعته الكتاب بقوله: كتاب «ثورة الرياح الموسمية» هو مصدر إلهام لأولئك الذين يتطلعون إلى الهروب من النهايات المغلقة التي تفرضها الحتمية الخطابية؛ كما أن هذا الكتاب خطوة هامة إلى الأمام في ما يتعلق بالتاريخ الذي لا يزال مهملاً، وفي ما يتعلق بسوء فهم - كما يسميه المؤلف بشكلٍ مناسب - «الحرفة الصعبة في دراسة الحراك الشعبي» في العالم العربي.

يتضح من مسح القراءات والمراجعات التي تناولت كتاب «ثورة الرياح الموسمية»، أنه كتاب مفصلي، وفتح علمي لأرض بحثية عذراء؛ ولهذه الأسباب سوف أعتمد على هذا الكتاب، وعلى ثلاثة مصادر أخرى من إصدارات المركز العربي للدراسات الإستراتيجية. اثنين من الثلاثة مصادر الأخرى، كتبهما عدد من الباحثين، وحررهما فيصل دراج ومحمد جمال باروت. هذا المقال هو استكمال لمقال الأسبوع الماضي، الذي أشرت له في مقدمة مقالي هذا. لذلك سأعتبر مقال الأسبوع الماضي زائد هذا المقال بمثابة مقدمة لمقالٍ أو أكثر، أنوي من خلاله، أو خلالهما، أو خلالهم أن أطرح مسألة حضور التيارات القومية، واليسارية القومية في منطقة الخليج العربي، وأنوي الابتداء بالمسألة الظفارية باعتبارها لعبت دور المختبر أحياناً، ودور بوتقة الصهر أحياناً أخرى؛ كما شكّلت ساحة تحالف أحياناً، وساحة صراع أحياناً أخرى بين فصائل سياسية كانت تتموضع قبل صراعها مع بعضها بعضاً، في خندق سياسي وأيديولوجي واحد..


____________


المصدر: جريدة عكاظ



 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها
 

مجموعة مقالات عن اليسار في السعودية - عهود اللامي

طباعة PDF
مجموعة مقالات عن اليسار في السعودية
للكاتبة/ عهود اللامي





المقالات:

اليسار وتحالف التناقضات 2016.
استحضار شخصية اليساري في الرواية الخليجية 2016.
اليسار في السعودية.. ندرة المراجع وغياب التوثيق 2016.
اليسار من رحم الإمبريالية - الجامعة الأمريكية في بيروت 2016.
خالد.. ونحن لا نمسك إلا الأسماء 2017.
الحركات القومية واليسارية في السعودية 2014.
ناصر السعيد اليساري السعودي في هوليود 2017 .


لقراءة هذه المقالات اضغط هنا.

__________


المصدر: الملف الشخصي للكتابة في التويتر.



 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

المرفقات:
الملفالوصفالحجم
Download this file (مقالات اليسار - تم التعديل 1.docx)مقالات اليسار - تم التعديل 1.docx 78 Kb

دراسة تعزيز دور القوائم الطلابية في الجامعة تحذّر:قصور الوعي السياسي يجعل الطالب سهل الانقياد!

طباعة PDF
دراسة تعزيز دور القوائم الطلابية في الجامعة تحذّر:
قصور الوعي السياسي يجعل الطالب سهل الانقياد!
 
أكدت دراسة جامعية ان غياب الوعي السياسي يؤدي إلى نوع من الفراغ السياسي، وانخفاض مستوى المعرفة السياسية، اضافة الى عدم الاكتراث بما يجري على أرض الوطن، وانحسار الفكر وعدم إدراك قضايا الوطن وقضايا العالم الإدراك الصحيح، بل انه سيؤدي الى ظهور بعض السلوكيات غير المرغوب فيها.
 
حيث دعت أطروحة رسالة الماجستير، التي جاءت تحت عنوان «دور القوائم الطلابية في تعزيز الوعي السياسي لدى طلبة جامعة الكويت»، للباحثة امينة الدوسري من كلية التربية في جامعة الكويت، الى أهمية الدور التربوي في إعطاء الحلول وتعريف الطالب بدوره وإهمية نضج وعيه السياسي، وكيف أن هذا الوعي يساعده في فهم العملية السياسية، التي تدير أمور الدولة في جميع المجالات، وبالتالي تدير عجلة التنمية في البلاد.
 
صنع التغيير
 
وجاء في الدراسة ان اهمية الوعي السياسي لدى طلاب وطالبات جامعة الكويت، والدور المؤثر لهذه الفئة، يكمن في طبيعة الدستور الكويتي، الذي يتيح للمواطن لعب الدور وصنع التغيير من خلال «الحياة النيابية»، مشيرة إلى ان الفترة الجامعية بما يتخللها من انتخابات بين القوائم المتنافسة، فضلا عن الانشطة، ما هي الا نموذج مصغر للحالة السياسية في المجتمع الكويتي.
 
انجراف
 
وحذرت الدراسة من خطر الانجراف وراء بعض التيارات والأحزاب السياسية، التي تحاول التلاعب بالشباب والسيطرة عليهم، ومداعبة أحلامهم بالخطابات الرنانة والوعود الكاذبة، إلى ان ينتهي هؤلاء الشباب بـ«الصدمة السياسية الأولى»، التي تخلف لديهم الإحباط اتجاه المجتمع، وبهذا تفقد الأمم ثروتها الشبابية!
واضافت: ان عدم فهم الطالب للعملية السياسية والوضع السياسي المحلي والعالمي، يؤثر سلبا على الطالب، مما يجعله سريع التأثر وسهل الانقياد للفكر المطروح من قبل القوائم الطلابية، وهذا يؤدي الى تخبط الطالب في الاختيار الصحيح، أو امتناعه التام عن أي مشاركة في هذه العملية الانتخابية الطلابية، وهذا بدوره ينعكس لاحقا على اختياره لمن يمثله في مجلس الأمة، الذي يدير جميع العمليات في البلاد، والامتناع عن المشاركة يترتب عليه انتفاء المصلحة الكبرى للبلاد.
 
مناظرات
 
وخلصت الدراسة ان القوائم الطلابية بجامعة الكويت تقوم بعمل الأنشطة الطلابية التي من شأنها تعزيز الوعي السياسي لديهم، كإقامة مناظرات سياسية بين مختلف التيارات السياسية بنسبة %67.7، وتتواجد ببرامج التواصل لطرح اهدافها ومبادئها بنسبة %83.1، بالاضافة الى أن %75.2 يرون ان القوائم الطلابية تحرص على تعزيز الوحدة الوطنية من خلال نشر «بوسترات».
وبينت ان %57.6 يجدون ان القوائم الطلابية تكتب مقالات دورية تعزز الوعي السياسي، و55.6% اقروا مشاركة القوائم في الحراك السياسي الحاصل.
 
علاقات
 
وبينت نتائج الدراسة العلاقة الايجابية بين الطلبة والقوائم، حيث أكد الطلبة أن القوائم تحرص على التواصل مع الطلبة من خلال جميع وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة %87، فيما ابدى %87.5 من الطلبة بعلاقاتهم الجيدة مع القوائم.
وذكر %81.8 من الطلبة ان القوائم تعمل على المطالبة بحقوقهم المادية وتبدي الاحترام لجميع الطلبة بنسبة.
 
بيئة القوائم
 
وجاءت نتائج الدراسة مؤكدة على البيئة الايجابية للقوائم الطلابية والتي تحث على ابداء الرأي بنسبة %82.1، وترتقي بالحوار والاسلوب في المناقشات بنسبة %81، اضافة الى تقبل النقد والانفتاح على آراء القوائم الاخرى، الا انها كانت تشجع على المشاركة في جميع الاحداث السياسية التي تحدث في البلاد بنسبة اقل، مقارنة بباقي المحاور، وهي %62.2.
 
كفاءة
 
والنتائج الايجابية لمصلحة القوائم في هذه الدراسة عادت وأكدت فاعلية القوائم في ايضاح اهمية دور الطالب كمواطن فاعل في المجتمع بنسبة %85.5 الى جانب حث الطالب على المشاركة في العملية الانتخابية بنسبة تصل الى %89.6، الا انها كانت تحث الطالب على التحليل والتنظير في الامور السياسية على الصعيد المحلي والدولي بنسبة اقل تصل الى %67.8.
 
العينة
 
وبينت عينة الدراسة التي تشكلت من 598 طالبا وطالبة من 6 كليات بجامعة الكويت، وهي الطب، الهندسة، العلوم، التربية، الآداب والشريعة، ان %43.4 من العينة ينتمون الى القائمة الائتلافية، وتليها القائمة المستقلة بنسبة %35.5، فالقائمة الاسلامية بنسبة %8.6، أما قوائم الوسط الديموقراطي والاتحاد الاسلامي والقائمة المدنية، فجاءت نسبهم اقل %4.6، %4، %1 على التوالي.
 
الائتلافية الأولى
 
ووفق الدراسة حازت القائمة الائتلافية على الصدارة، مقارنة ببقية القوائم المشاركة في الاحصائية، لافته إلى ان عراقة تاريخها داخل الحرم الجامعي أعطاها مهارة التعامل وإقامة الأنشطة والفعاليات اكثر من غيرها من القوائم، اضافة الى القائمة المستقلة والتي تعتبر المنافس الأقوى للائتلافية على رئاسة الاتحاد منذ بداية مسيرة القوائم، كما رصدت الدراسة فروقا احصائية لمصلحة القائمة المدنية في الانشطة، مقارنة بالاتحاد الاسلامي الذي حاز على اقل التقديرات بين جميع القوائم.
 
الإناث الأكثر
 
وبينت الدراسة ان هناك فروقا ذات دلالة احصائية ترجح كفة الاناث، مقارنة بالذكور في بعض المحاور، كعلاقة القوائم بطلبة، موضحة ان الفتاة الكويتية منفتحة اجتماعيا، وذات علاقات اجتماعية في محيطها ككل، سواء الاجتماعي والدراسي، وكما أن المرأة تواجه تحديات عدة من المجتمع، كعدم وعيها بشكل كاف بالعملية السياسية، فتحاول أن تبرز نقيض ذلك من خلال مشاركتها وفعاليتها.
وتابعت: اما الذكور وبسبب المسؤوليات العائلية كالزواج ورعاية الوالدين، يجعل الطالب غير مقبل على التفاعل، مع تبادل العلاقات مع غيره من أعضاء القوائم.
 
شبكات التواصل
 
وأرجعت الدراسة سبب النسب المرتفعة في استخدام القوائم، لشبكات التواصل الاجتماعي ان كان مستوى الأنشطة او بعلاقتهم مع الطلبة، إلى ارتباط المجتمع الكويتي بشدة بوسائل التواصل الاجتماعي كالواتس أب وتويتر، لاسيما قطاع الشباب بشكل أكبر، والذي يحتل طلبة جامعة الكويت نسبة كبيرة منه.
وأوضحت أن الطالب لا يجد الوقت الكافي لإقامة العلاقات، لانشغاله في التنقل بين القاعات الدراسية وكتابة واجباته وبحوثه، الا انه واثناء تواجده في المنزل يكون باستطاعة الطالب التواصل مع أعضاء القوائم بشكل أسهل من خلال برامج التواصل الاجتماعي المختلفة.
 
فئات عمرية
 
ورصدت الدراسة فروقاً إحصائية تدل على تفاعل الفئة العمرية من 18 الى 20 سنة بنسبة أكبر مع القوائم، مفسرة ذلك بأن هذه الفئة من العمر، والذين يعتبرون الطلبة المستجدين، قد لا يكون لديهم أدنى فكرة عن القوائم وطريقة عملهم وأهدافهم واتجاهاتهم، فيدفعهم الفضول إلى متابعة هذه القوائم والتأثر بها، بالإضافة الى انهم محور اهتمامات القوائم لاستقطابهم للدخول في عضويتها.
وتابعت الدراسة: أما الفئات العمرية الأخرى فقد انشغلت بالمواد الدراسية والوحدات التي ينبغي عليهم إنهاؤها للتخرج، ما يجعل جدولهم مزدحماً وليس لديهم أي وقت إضافي للتفاعل مع أنشطة القوائم وتبادل العلاقات مع أعضائها.
 
التربية تتصدر
 
كشفت بيانات الدراسة، تقدم الكليات الأدبية، وعلى رأسها كلية التربية على بقية الكليات من حيث أنشطة القوائم وعلاقتها بطلبة وبيئة وكفاءة القوائم، حيث فسرت الدراسة ان طلبة الكليات العلمية لا يملكون الوقت الكافي للتفاعل مع القوائم وذلك لوجود أعباء إضافية على الطالب، كالتواجد في المختبرات العلمية والزيارات الميدانية في المستشفيات ومواقع البناء وغيرها من متطلبات مواد الكليات العلمية.
 
النظام التعليمي
 
أوضحت الدراسة أن التنشئة السياسية ترتبط بالبيئة التربوية والنظام التعليمي ارتباط وثيق، بدأً من الاسرة مروراً برياض الأطفال والمدارس وصولاً الى الجامعات، وجميعها عناصر أساسية في تربية جيل واعي سياسياً ومدرك جيدا، مشيرة الى ان الدراسات العالمية اثبتت ان التعليم السياسي للطفل الامريكي يبدأ في السن الثالثة، وعند وصوله الى سن الثانية عشرة يدرك المفاهيم الأدق كالديموقراطية والحكومة والانتخابات.
طلبة الجامعات
أشارت الدراسة إلى أن الطلاب خلال الفترة الجامعية يتعرضون لمجموعة من العوامل المؤثرة التي تسهم في تشكيل وعيهم السياسي، لذلك ان كانت هذه المرحلة ايجابية ومثمرة لهم، سينتج عن ذلك مواطنين صالحين والعكس الصحيح.
 
تفعيل الدور الوطني
 
أوصت الباحثة في أطروحتها دور القوائم الطلابية في تعزيز الوعي السياسي لدى طلبة جامعة الكويت» للباحثة امينة الدوسري الى عدة مقترحات وتوصيات جاءت كالتالي:
1 – التواصل مع الطلبة بشكل أكبر وخارج نطاق الجامعة في الإجازات والعطل.
2 – تواصل القوائم مع أعضاء هيئة التدريس في بحث سبل تفعيل الوعي السياسي من خلال زيادة النقاش والتفاعل مع مستجدات الأحداث السياسية على الصعيدين المحلي والخارجي، وذلك داخل القاعات والمقررات الدراسية
3 – إقامة ورش عمل ومحاضرات في قاعات مدارس الثانوية العامة تتناول تاريخ القوائم ومسمياتها ومبادئها ودورها داخل الحرم الجامعي
4 – تفعيل الدور الوطني للقوائم والعمل على جعلها أداة للحراك الطلابي في المناداة بحقوقة وقضايا والمشاركة في العملية السياسية للبلاد.
5 – تفعيل موقع الكتروني دائم لكل قائمة كحال الموقع الالكتروني لاتحاد الطلبة.
 
المكان الأمثل
 
بينت الدراسة أن الجامعات تعتبر المكان الأمثل لرفع مستوى الكفاءة والمشاركة في الديموقراطية وزيادة الوعي السياسي ليكون الطالب في ما بعد على مستوى عال من الإبداع والمسؤولية والإدراك.
 
تحديد الاتجاهات
 
ذكرت الدراسة أن الاتحادات الطلابية وما يندرج تحتها من قوائم متعددة، والتي تختلف مسمياتها واتجاهاتها السياسية وأهدافها تبعا للتيارات السياسية المختلفة التي تتبعها، تؤثر إما سلبا أو إيجابا في عملية الوعي السياسي للطلبة وتحدد اتجاهاتهم السياسية.




________________


المصدر: جريدة أجيال


 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

الباحث عمر الشهابي: الطائفية لم تكن المفسر الرئيسي للأحداث قبل العام 1900 - سعيد محمد

طباعة PDF
الباحث عمر الشهابي: الطائفية لم تكن المفسر الرئيسي للأحداث قبل العام 1900
 
حدد عاملين غذيا نمو الإثنوطائفية كمحرك



 
سعيد محمد:

من بين العديد من الوثائق والصفحات المصورة، استعرض الباحث عمر هشام الشهابي في محاضرة بعنوان «تاريخ تسييس الطائفة في البحرين» وثيقة من المكتبة البريطانية بخط اليد عنوانها «قرارات المؤتمر الوطني البحراني» موقعة بتاريخ 29 أكتوبر تشرين الأول من العام 1923 وفيها مطالب أعيان ورؤساء عشائر وعلماء وتجار يمثلون أهالي البحرين.
 
مطالب بوسائل مشروعة
 
وجاء في الوثيقة «اننا على ثقة تامة من أن بريطانيا عادلة منصقة لا ترضى بإهانة شعب مسالم، ولا تسلم بما أجراه الميجر ديلي من نقض ما بيننا وبينها من اتفاق ومعاهدة، حيث أنه لا سبيل إلى رجوع الحق إلى نصابه إلا بإعلان مطالبنا والثبات عليها حتى تتحقق»، واحتوت الوثيقة على 6 مطالب منها: استمرار حاكمنا وأميرنا الشيخ عيسى في مباشرة الأمور الداخلية كما كان سابقًا بدون مداخلة القنصل مع المحافظة على ما بيننا وبين بريطانيا من الروابط الودية بغير زيادة أو نقصان، فيما تنوعت المطالب الخمسة الباقية بين اعتماد الأحكام بحسب الشرع الإسلامي، ومجلس شورى ينظر في مصالح البلاد، وتأليف هيئة محكمة من 4 أشخاص للنظر في دعاوى الغوص، ووقف القنصل عند نص الاتفاق الذي بين الحكومة البريطانية وحكومة البحرين، والنقطة السادسة هي انتخاب 12 شخصًا للقيام بهذا الأمر والمطالبة بتحقيقها بكل الوسائل المشروعة.
 
لم يكن التيار الديني موجوداً
 
وضمن فعاليات الموسم الثقافي الثالث والستين لجمعية تاريخ وآثار البحرين، تناول الباحث عمر هشام الشهابي، وهو مدير مركز الخليج لسياسات التنمية في دولة الكويت، ومحاضر في الاقتصاد السياسي في جامعة الخليج بالكويت ومحاضر في كلية أوكسفورد الجامعية، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أكسفورد، وعمل في البنك وصندوق النقد الدوليين وشركة (مكنزي)، تحدث مساء الأربعاء (19 مايو آيار 2017) عن تسييس الطائفة في البحرين قبل العام 1900، منوهًا إلى أن حديثه عن الإثنوطائفية أو الطائفية بشكل عام لأنها تأخذ بعدًا سياسيًا وتصبح هي المحدد الرئيسي للأحداث في البلاد وتفسرها، إلا أنه أشار إلى نقطة مهمة وهي أنه قبل ذلك العام لم يكن هناك التيار الديني الذي يحرك السياسة دينيًا، إنما حدث تطور جذري ارتبط بالحداثة وبناء الدولة.
 
ويوضح أكثر بالقول «عندما قرأت بعض الكتب التي ألفت في تلك الفترة مثل «قلائد النحرين في تاريخ البحرين» لناصر الخيري و»عقد اللآل في تاريخ أوال» لمحمد علي التاجر، و»ملوك العرب» لأمين الريحاني و»التحفة النبهانية» وهي كتب تناولت أحداثًا قبل العام 1900، بدا واضحًا أن السرد السياسي يركز على قصص الحكام والغزوات والقبائل وخلافاتها، ومناورات بين امبراطوريات وبعض العوائل الحاكمة والاقتتال الداخلي، وقد تجد بعض التلميحات للطائفية والإثنية لكنها ليست هي المفسر الرئيسي لتلك الأحداث.
 
المحرق والمنامة آنذاك
 
وحدد عاملين رئيسيين غذيا نمو الإثنوطائفية كمحرك أساسي للوضع السياسي في البحرين؛ الأول هو التركيبة الاقتصادية الاجتماعية في البحرين والتي طرأت في القرن التاسع عشر والتغيرات التي شهدتها، والثاني هو العلاقة مع الاستعمار البريطاني. فمثلما نعرف حدثت تغيرات كثيرة في ذلك القرن الذي أسماه إيريك هوبزباوم (عصر رأس المال) في كتابه الذي حمل ذات العنوان، وعرض فيه تحولات الحياة الأوروبية بين عامي 1789 و1848، حيث حصل فيه نمو اقتصادي كبير كالثورة الصناعية التي دخلت أوجها في هذا العصر، وكان لها تأثيراتها في الخليج حيث كانت الطبقة الثرية الجديدة تريد لبس اللؤلؤ وبهذا شهدنا قفزة اقتصادية كبيرة، وكان المركز الرئيسي لتجارة اللؤلؤ في الخليج هي البحرين، وكان لذلك انعكاسات كبيرة على البلد، ثم أن هناك تطورات تكنولوجية غيرت الوضع من ستينيات القرن (التاسع عشر)، حيث بدأت البواخر البريطانية تصل إلى البحرين والخليج العربي وأصبحت البحرين البحرين جزءًا من تجارة المحيط الهندي والإمبراطورية البريطانية، وانعكس ذلك على نمو البحرين وتحديدًا على مدينتي المحرق والمنامة، وتحولت المحرق إلى عاصمة اللؤلؤ في الخليج والعالم لأن سفن اللؤلؤ ترسو بها، فيما أصبحت المنامة العاصمة التجارية وترسو فيها البواخر البريطانية، وبالعودة إلى العام 1860 فقد كان تعداد سكان المنامة حوالي 8 آلاف نسمة قفز إلى حوالي 25 ألف في العام 1904، وشهدت حركة تجارة نشطة وتطورا مدنيا، لكن كان هناك بيروقراطية بسيطة كالاعتماد على الشيخ وأمير السوق والفداوية ولم تكن هناك ضرائب كبيرة.
 
دور اجتماعي وسياسي
 
إلا أن المحاضر الشهابي يشير إلى أنه ما بعد العام 1900 أصبح كل شيء يفسر تحت الاثنية والطائفة، ومع أن الطائفية والإثنية كان لها الدور الاجتماعي والسياسي، وكانت هناك صور للتفرقة والمعاملة الدونية، لكن أقول أننا لا نستطيع قراءة ما قبل ذلك العام من باب الإثنوطائفية التي جاءت كمحرك رئيسي للسياسة بعد هذه الفترة، وهذا الجانب أشار إليه الباحث نادر كاظم في كتابه (استعمالات الذاكرة) بقوله ان الاستنتاج الذي نخلص إليه من هذه الشواهد التاريخية (قبل القرن العشرين) أنه لم يكن هناك مطابقة تاريخية بين الطائفة والموقف السياسي في البحرين)، موضحًا الشهابي «بل أنا أزيد وأقول ان قراءة المشهد أساسًا عبر الإثنية والطائفة لا يفي كثيرًا في فهم تلك المرحلة، فلم تكن الطائفة هي الطريقة التي يتم فيها التحشيد السياسي».



 

______________


المصدر: جريدة الوسط

 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

الصفحة 1 من 66