مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

1. المقدمة: هامش التنمية في الخليج

طباعة PDF

 
بينما ينشغل المعنيون بالشأن التنموي بمناقشة السياسات والآليات ومتابعة المؤشرات المتفاوتة، تغيب الأسئلة الجوهرية حول غايات التنمية المرتجاة. والسؤال بسيط في ظاهره: لمن هذه "التنمية"؟ فخطاب التنمية، برغم وضوح الغايات الذي يجاهر به، مثقل بالانحيازات والمسلمات التي نادراً ما تتم مساءلتها. إحدى هذه المسلمات افتراض أن التنمية، كما تظهر في المؤشرات الاقتصادية أو المشاريع الكبرى، هي تنمية "للجميع" دون الحاجة للنظر إلى اللامساواة أو تضارب المصالح المحتمل، وبمعنى آخر: دون التساؤل لصالح من تصب هذه الحزمة من السياسات أو تلك؟

في هذا الإصدار السادس من سلسلة الخليج بين الثابت والمتحول نعيد طرح سؤال "لِمن؟" في حديث التنمية وذلك بالنظر إلى هوامش هذه التنمية في الخليج، أي بالتركيز على قضايا الفئات الاجتماعية التي عادة ما تهمشها البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المهيمنة. وبالتحديد فقد اخترنا في هذا الإصدار التركيز على فئتين عادة ما تكونان في "الهامش": المرأة والعمالة الوافدة. وعليه، يتناول نخبة من باحثات وباحثي الخليج أوجه الخلل المزمنة التي جرت العادة على أن تكون محور هذا الإصدار[1]، والقوانين والمؤسسات التي تتصل بسياسات التنمية، من منظور هاتين الفئتين الاجتماعيتين في دول مجلس التعاون. هذا بالإضافة إلى إبراز الحراك السياسي والاجتماعي الذي تتصدره هاتين الفئتين، بحيث يصبح الهامش هو المركز في هذا العمل.

وبالإضافة إلى الهامش كموضوعه الرئيس، يقدم الكتاب، أسوة بالإصدارات السابقة من سلسلة الثابت والمتحول، استعراضاً تحليلياً لأهم التغيرات في دول الخليج العربي خلال عام 2017. ومع استمرار هيمنة السلطة المطلقة كثابت في المشهد السياسي الداخلي، شهد العام 2017 متغيراً غير مسبوق في العلاقات بين دول الخليج العربي، فكان تفجر الأزمة بين قطر من جهة وبين السعودية والإمارات والبحرين بالإضافة إلى مصر من جهة أخرى هو الحدث الأبرز الذي لم يخلف أثراً عميقاً في التحالفات والعلاقات الخارجية للدول فحسب، بل ألقى بظلاله على التطورات الداخلية في كل من هذه الدول. ولذلك، فإن أزمة الخليج وتداعيتها تتصدر قسم المستجدات السياسية في هذا العمل.

إن هذا الإصدار هو محاولة لتقديم إسهام فكري ملتزم بالمنهجية البحثية، يسعى لفهم القضايا المزمنة التي تواجه دول الخليج العربي، والمتمثلة في الخلل السياسي، والخلل الاقتصادي، والخلل السكاني، والخلل الأمني. إنّ حِرْصَنا على تقديم قراءة منهجية لواقعنا لا يدعي الحياد التام، إنما يأمل أن يفتح الباب لرؤى متنوعة يجمع بينها التطلع لمستقبل أفضل لأبناء الخليج على قاعدة الوحدة والديمقراطية والتنمية. وإن ما يقدمه هذا الإصدار هو جهد جماعي استند على باحثين ومتخصصين من دول الخليج، وهو ما دأبت عليه هذه السلسلة من الإصدارات انطلاقاً من مبدأ "أهل مكّة أدرى بشعابها"، وأنّ أهل المنطقة هم المعنيّون - في نهاية المطاف – بتبعات ما يحصل لها، حيث تجمعهم وحدة الأرض والمصير. ولا يفوتنا أن نتقدم بالشكر لكل من ساهم في هذا الجهد، خصوصاً في ظل الوضع السياسي الحالي الذي بدأت تضيق فيه مساحة الكلمة بوتيرة متزايدة، تُحَمّل كل من يكتب بشكل مستقل مخاطر متصاعدة، حيث آثر البعض ان يساهم في هذا الإصدار إيماناً بأهمية العمل من دون ابراز اسمهم. ونأمل أن يكون لهذا الجهد قيمة مضافة لمكتبة الدراسات المعنية بواقعنا في الخليج، وأن يجد فيه القارئ الكريم الفائدة المرجوة.
 
المحررون
إسراء المفتاح
خليل بوهزاع
 
 
 

[1] نعرف أوجه الخلل المزمنة في دول مجلس التعاون في الخلل السياسي، والخلل الاقتصادي، والخلل السكاني، والخلل الأمني. للمزيد انظر:
عمر الشهابي (محرر)، الخليج بين الثابت والمتحول (بيروت: منتدى المعارف ومركز الخليج لسياسات التنمية، 2013).