مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

2.7 المستجدات السياسية في سلطنة عمان – هاجر السعدي

طباعة PDF
 
تصدر المحور الاقتصادي المشهد على الساحة المحلية العمانية، ففي حين لم يطرأ أي تغير جذري على البنية السياسية الداخلية، واصلت عمان في عام 2017 سياسات التقشف وخفض الإنفاق التي لجأت إليها لمواجهة الانخفاض في أسعار النفط، وهو ما انعكس على بنية المجتمع وأبرز المستجدات في حراكه، بما فيها أزمة الباحثين عن عمل. فبالرغم من أن السلطنة قد أعلنت خطة اقتصادية لانتهاج التنويع الاقتصادي في 2016، فإنه من غير الواضح ما إذا كانت ستختلف عن رؤية 1996-2020، التي لم تحقق التنويع المطلوب رغم تشديدها عليه[1]. أما على المستوى الخارجي، فقد تصدرت ازمة الخليج وانعكاساتها المشهد العماني، حيث نأت السلطنة عن الدخول في تصادم مباشر مع أي من طرفي النزاع، على الرغم من ظهور بعض بوادر التواتر مع جارتها الإمارات العربية المتحدة.
 

المستجدات في الهياكل والقوانين التشريعية

 في حين لم تطرأ على القوانين والتشريعات في سلطنة عمان تعديلات كثيرة في عام 2017، جاءت تلك القوانين المحدودة التي تعرضت للتغيير لتعلن الصرامة الجزائية أمام مطالبات التغيير وبعض الممارسات التي تخالف "الدين" في نظر المشرع. فلقد صدر قانون الجزاء العماني الجديد في تاريخ 11 يناير 2018 على هيئة مرسوم سلطاني رقم (7/2018). وأشعل هذا القانون ردود فعل واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبرت الكثير من التعليقات عن الدهشة والاستغراب من شدة وقسوة العقوبات التي تصل في بعض الحالات إلى حد الإعدام.

 لقد جاء هذا القانون – قانون الجزاء العماني وقانون الإجراءات الجزائية – التي نص عليها المرسوم السلطاني السامي بتعديلات تمثلت في استبدال نصوص المواد أرقام (135، 137، 172، 182). ومن أبرز نصوص هذا القانون النص التالي: "‏يعاقب بالإعدام كل من اعتدى قصداً على حياة سُلطان البلاد، واعتدى بالقوة على السلطات التي يتولاها سلطان البلاد وكل من حاول بالقوة قلب نظام الحكم في البلاد أو تغيير شكل الحكومة وكل من اعتدى في إقليم الدولة على حياة رئيس دولة أجنبية". كما يخصص القانون عقوبات بالسجن للانتماء "للجماعات المتطرفة والمنظمات الإرهابية" وللتطاول "على الذات الإلهية أو أحد الأنبياء، أو يسيء إلى القرآن الكريم أو الدين الإسلامي أو الأديان السماوية الأخرى". وقد شمل القانون أيضاً عقوبات على التحريض ونشر الاشاعات الكاذبة التي تمس بـ"هيبة الدولة" أو "مكانتها الاقتصادية والمالية[2]".

 إلى جانب ذلك ذكرت عقوبة التجمهر الذي يستهدف الإخلال بالنظام، المتمثلة في السجن ودفع غرامات مالية؛ ولم يتم التطرق إلى التجمهر السلمي. ومن الجدير بالذكر هنا قصة عماد الفارسي الذي وقف أمام سفارة أمريكا في مسقط بتاريخ 7 ديسمبر2017 تنديداً بقرار ترمب بـ"الاعتراف" بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني. وعلى خلفية ذلك جرى توقيفه والتحقيق معه، ولكن أفرج عنه بعد أن وقع تعهداً بعدم التظاهر مجدداً[3].


الجو العام في الفضاء الإلكتروني

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي من تويتر وفيسبوك على وجه الخصوص وسناب شات وإنستجرام على وجه العموم منصات للتعبير في المجتمعات العربية، ولكن بعد تضرر السلطات والسياسات العربية منها سيما أثناء الانتفاضات العربية، قامت بعض الحكومات بوضع قوانين تحد من الحرية المطلقة للمغردين ومستخدمي الفيسبوك. وعمان لم تكن في معزل عن هذا التغيير، حيث تعرّض عدد من المغردين والكتّاب والمثقفين للحبس. فاستناداً لتلك القوانين الصادرة، كقانون جرائم تقنية المعلومات، شهدت السلطنة موجة اعتقالات ومحاكمات لصحفيين وناشطين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، صدرت أحكام قاسية على الدبلوماسي السابق حسن البشام على خلفية كتابات له على موقع الفيسبوك. وكانت التهم الموجهة إليه "إهانة الذات الإلهية وإعابة ذات السلطان قابوس"[4]، وأيضاً تهمة "استخدام الشبكة المعلوماتية فيما من شأنه المساس بالقيم الدينية"[5]. وتحت اتهامات مماثلة حُكِم على الكاتب حمود الشكيلي ومنصور المحرزي. وكانت هناك اعتقالات على ذمة التحقيق دون توجيه تهم للموقوفين طالت الناشط أحمد البحري، وخالد الرمضاني، وخالد الراشدي[6]. ومؤخراً بتاريخ 2 أبريل 2018، أيدت محكمة استئناف مسقط سجن الكاتب والناقد السينمائي عبدالله حبيب بالسجن بتهمة ازدراء الأديان والتجديف في الذات الإلهية ونشر الكراهية[7].

وكان بعض التضييق الحاصل تضييقاً مجتمعياً أكثر من كونه تضييقاً قانونياً. فقد قام أحد الكتّاب - سعود الزدجالي - يوم 8 يناير 2018 بالنشر في مواقع التواصل الاجتماعي عن إصداره الجديد الجاهز للطبع تحت عنوان: "تبرير السياسة بالدين عند نور الدين السالمي 1866- 1914م"[8]. واجه هذا المنشور ردة فعل غاضبة ومثيرة للاهتمام لدلالتها على قوة ونفوذ التيار الديني في المجتمع العماني. ما يثير العجب أمام هذا الحدث هو أن ردة فعل هذه الشريحة من المجتمع لم تستهدف أفكار الكتاب الذي لم ينشر بعد، بل تركزت ردة الفعل الغاضبة والهجومية على تصميم الغلاف الذي يصوّر رجلاً مسناً ملتحٍ نحيل يحمل في معصمه ورقة ملفوفة. قامت شريحة من المجتمع باتهام الكاتب بأن الصورة تشبه أحد الشخصيات الدينية الكبيرة في المجتمع العماني؛ وعليه يعد هذا انتهاكاً وتجاوزاً للحدود. وردة الفعل هذه دفعت الكاتب للإعلان عن تأخير نشر الكتاب[9].

وعلى المستوى المؤسسي والرقابي، قام أحد الكتّاب - زكريا المحرمي - بالتغريد في تويتر عن إعلان صدور كتابه المعنون "سوسيولوجيا اللحية". وبعد مضي فترة وجيزة قام بالتغريد حول اعتذاره عن عدم رغبته في نشر الكتاب، مذيلاً ذلك بتصريح حول السبب: "يؤسفني أن لأبلغكم أنني قررت عدم نشر كتابي #سوسيولوجيا_اللحية الذي ظل في أروقة إحدى المؤسسات ستة أشهر قبل إرجاعه إلى الرقابة كسيحاً فاضطررت لسحبه قبل صدور قرار بالمنع من النشر"[10]. كما سبق هذه التغريدة – بتاريخ 5 يناير 2017 – تغريدة أخرى يشرح فيها الكاتب التعقيدات البيروقراطية الماثلة أمام النشر والإنتاج الفكري في السلطنة، حيث ذكر أن "المشكلة ليست في وزارة الإعلام بل في آلية عمل الرقابة التي تفرض على الوزارة إحالة المؤلفات إلى مؤسسات أخرى غير مؤهلة للتعامل مع الفكر والإبداع مما يسبب التعطيل ومنع الكتب وقتل الإبداع"[11]. وعلى هذا النحو شكلت ظاهرة منع و سحب الكتب في معرض مسقط للكتاب الدولي الأخير في نسخته 23 ظاهرة غير مسبوقة، وكان أكثر المتضررين طبقاً لتقرير المركز العماني لحقوق الإنسان هو الكاتب سعيد الهاشمي، الذي رغم توفر كتبه في بداية المعرض فوجئ بسحب إدارة المعرض لاحقاً لكافة إصداراته دون توضيح أسباب السحب والمنع[12]. وكل ما ذكر أعلاه يشير إلى واقع تقييد بعض الكتابات في السلطنة، في ظل القيود القانونية والسياسية والدينية التي تحول دون ذلك. جدير بالذكر هنا تصنيف منظمة فريدوم هاوس الأميركية في تقرير الديموقراطية لعام 2018 لسلطنة عمان ضمن فئة "غير حرة"[13]، حيث حققت 23 درجة من 100.

 
المستجدات الاقتصادية

جاءت الأزمة الاقتصادية كنتيجة لتراجع أسعار النفط في السوق العالمية وإخفاق الحكومة في تنويع موارد الدخل. وعلى هذا، وجدت السلطنة نفسها أمام تحد اقتصادي عسير، ما دفعها إلى اتخاذ قرارات وتطبيق قوانين تخفف من الإنفاق الحكومي. ومن أبرز القرارات التي اتخذتها الحكومة وأثارت جدلاً واسعاً في أوساط الرأي العام العماني خلال شهر أبريل من عام 2016، سحب قرارات الترقيات من الموظفين الحاصلين على ترقية من دفعتي عام 2011 و2012، مع إعفاء المستفيدين من هذه الترقيات من إرجاع ما صرف لهم. ولقد جاء هذا القرار بأوامر من السلطات العليا وكان مفاجأة للرأي العام، حيث يبقى من غير المعلوم لماذا جاء هذا القرار، ولماذا بالأخص يتم السحب من أقدمية 2011 و2012. وقد قوبل القرار بردة فعل شعبية واسعة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ استخدمت هاشتاقات مثل "#نداء_للسلطان_ترقياتنا_مستحقة"[14] الذي عبر خلاله المهتمين والمتضررين من هذا القرار عن غضبهم، ما جعله يتصدر "الترند" العماني لأكثر من مرة خلال الأشهر اللاحقة لهذا القرار، كما دار السجال والنقاش حول القرار عبر المنتديات وفي المجالس العامة والمساجد، وفي أروقة الوزارات[15]، وتحت قبة مجلس الشورى[16]، وفي الإعلام الرسمي[17]، دون أن يفضي إلى نتيجة. وناشد بعض الكتّاب السلطات باستثناء الموظفين الذين بلغوا سن التقاعد في الترقية، كي يتمكنوا من الاستفادة منها في معاش التقاعد ومستحقات ما بعد الخدمة، ولم يكن هناك أثر لكل هذه الجهود، ومازال حتى كتابة هذه الورقة هاشتاق النداء للسلطان متداولاً بشكل واسع على تويتر[18].

ومن التبعات الاقتصادية التي شهدتها السلطنة نتيجة انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية هو تفعيل قانون جديد حول ضريبة الدخل على الشركات، بحيث أصبحت السلطنة أولى دول مجلس التعاون التي تطبق ضريبة الدخل على كل الشركات الربحية على أراضيها في عام 2017 وبنسبة 15%، بعد أن كانت الضريبة بنسبة 12% على فئة معينة من الشركات فقط[19]. وبذلك أصبحت السلطنة محط أنظار بقية دول الخليج لتتبع آثار هذا القرار ومدى نجاحه.

كما عمدت الحكومة (في وقت سابق في 2016) إلى تحرير أسعار الوقود لتتذبذب من شهر إلى آخر[20]، إذ تعلن وزارة النفط والغاز أسعار المنتجات النفطية في السلطنة لكل شهر بناء على أسعار النفط العالمية. ولقد غرّد وكيل وزارة النفط والغاز العمانية، المهندس سالم العوفي، في صفحته على تويتر معلقاً على ارتفاع أسعار النفط: "الفرق بين تسعيرة أمس وتسعيرة اليوم لسيارة 80 لتر هو ريال واحد (قيمة الشاورما) ما اعتقد يستحق كل هذا الزحام". وعلى الرغم من إزالة الوكيل للتغريدة إلا أنها سرعان ما انتشرت، وشُنّ هجوم وانتقاد مجتمعي حاد على هذه التغريدة في وسائل الإعلام الرسمية من قبل الصحفيين والكتّاب وكذلك على منصة تويتر[21].

وقد برز شبح البطالة كمشكلة حقيقية في المجتمع، سيما بين الخريجين الجامعيين. ولقد كشفت الأرقام وفقاً لتقرير الكتاب الإحصائي السنوي، بلوغ إجمالي عدد الباحثين عن عمل بنهاية عام 2016 في الفئة العمرية 25-29 نسبة 43.9%، وأن 76.5% منهم تقل أعمارهم عن 30 سنة. كما كشف التقرير أن 36.7% من إجمالي العمانيين الباحثين عن عمل خلال عام 2016 يحملون مؤهلاً جامعياً، بينما 31.1% يحملون مؤهل دبلوم التعليم العام وما يعادله، في حين وصل إجمالي المشتغلين في وظائف الإدارة العامة والأعمال في القطاع الخاص في عام 2016 من الوافدين إلى نسبة 76%[22]. ونجد النسب في ارتفاع مستمر، حيث كشفت النشرة الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في يناير 2018 أن "48% من الباحثين عن عمل هم في الفئة العمرية 25- 29 بنهاية سبتمبر 2017، وأن 40% من الباحثين عن عمل هم من حملة الشهادة الجامعية بنهاية سبتمبر 2017"[23].

ولقد تحولت قضية الباحثين عن عمل إلى قضية وطنية مجتمعية انعكست في أوساط المجتمع الواقعي والساحة الافتراضية. وبرزت جهود كبيرة ومحاولات متعددة من الضغط المجتمعي للفت انتباه أصحاب القرار لهذه القضية الوطنية على الساحة الافتراضية، حيث انتشر عدد من الهاشتاقات، على سبيل المثال هاشتاق "#عمانيون_ بلا _وظائف"[24]، الذي تصدر الترند العماني مرات عديدة خلال الأشهر الماضية، ولقد تم من خلاله الكشف والتعرف على آثار هذه القضية على الصعيد الشخصي والأسري والتنموي للفرد الباحث عن عمل. فعلى سبيل المثال، تبين وجود باحثين عن عمل بعد 10 سنوات من إنهائهم التعليم الجامعي. كذلك تم إصدار هاشتاق "# إرحل البكري"[25] – إشارة الى وزير القوى العاملة في سلطنة عمان – الذي عرّى المآسي النفسية والاجتماعية التي يواجهها الشباب الباحث عن عمل، لا سيما شعورهم أن الشهادة التعليمية لا جدوى منها.

ولكن الحكومة حاولت تدارك الوضع بقرار المجلس الوزاري الذي نصّ على توظيف 25 ألف باحث عن عمل[26]. وبذلك فإن الحكومة واجهت هذه الأزمة بنفس أسلوب تعاملها مع أحداث 2011، حين قامت برفع الرواتب التي تم تقليصها فيما سبق، وحاولت امتصاص شحنة المجتمع السلبية من خلال صدور عدة قرارات تركز على رفع الجانب المادي، نذكر منها على سبيل المثال رفع المخصصات المالية الشهرية لطلبة الكليات والمعاهد والمراكز الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي ووزارة القوى العاملة. كما أمر بإنشاء هيئة مستقلة لحماية المستهلك، وكذلك أمر بتوفير 50 ألف فرصة عمل للعاطلين مع منح مبلغ 150 ريال عماني شهرياً لكل باحث عن عمل من المسجلين لدى وزارة القوى العاملة إلى حين حصوله على عمل[27].

وتجدر الإشارة إلى أن القرار الوزاري تعرض لردات فعل واسعة من فئات المجتمع المختلفة. فنجد زاهر المحروقي[28] في مقال له يحلل القرار كالتالي: "عاد بيانُ مجلس الوزراء عن توفير فرص عمل لخمسةٍ وعشرين ألف باحث عن العمل، مسألةَ التوظيف إلى الواجهة من جديد، بعد أن كانت حديث الناس في المجالس العامة والخاصة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لدرجةِ تحديد يوم الخامس عشر من أكتوبر 2017، يومًا للمطالبة بالوظائف؛ إذ جاء البيان وكأنه استباقٌ لذلك اليوم الموعود"[29]. وبعد فترة من صدور القرار الوزاري رأى البعض عدم قدرة الدولة على احتضان الرقم الذي أعلنه مجلس الوزراء للتشغيل، فظهرت أخبار متنوعة بأن عملية تشغيل الـ25 ألف باحث عن عمل تجري من خلال منصات وسيطة تدعى "مجيد" و"تشغيل"، وأن أغلب الوظائف سوف تكون في القطاع الخاص[30]، وهو ما لم ينجح في تهدئة شريحة من الشباب الذين يرون عدم تمتع وظيفة القطاع الخاص بالأمان الوظيفي إضافة إلى ساعات العمل الطويلة والرواتب المنخفضة. وتم التعبير عن ذلك من خلال ظهور هاشتاق جديد تحت اسم "أزمة منصات التوظيف"[31]، ما دفع وزارة القوى العاملة إلى عقد لقاء مع عدد من الصحفيين في الإعلام الرسمي للتعريف بجهود الوزارة فيما يخص توظيف الـ25 ألف باحث عن عمل. وعقّب الوزير من خلال هذا اللقاء على أغلب ما جرى تداوله في الرأي العام، حيث ذكر "أنّ الخط الساخن بالوزارة يتلقى أسبوعياً ما يقارب 2000 اتصال يتم الرد عليها من قبل فريق متخصص على مدار الساعة. وأكد أنّ الوزارة لا يمكنها أن تفرض على القطاع الخاص أو تشترط عليه دفع رواتب معينة وعالية الكلفة لمن يتم توظيفهم، وإنما وضع السوق وقدرات المؤسسات هو الذي يفرض ذلك"[32].

 وبالرغم من محاولات السلطة تهدئة وامتصاص الغضب عبر وسائل الإعلام الرسمية، إلا أن الاتفاق على التجمهر السلمي قد تم على منصة الهاشتاق وتم تحديد 15 يناير 2018 موعدًا لذلك[33]. وقد تجمهر الباحثون عن عمل في ذلك اليوم سلميًا أمام مقر وزارة القوى العاملة في مسقط. ومن الشعارات المرفوعة أثناء التجمهر على سبيل المثال: "نطالب براتب للباحثين عمل"، و"رايتنا بيضاء"، و"توظيف مباشر". ولو أمعنا النظر في هذه الشعارات، نجد أن الكثير منها جاء ليؤكد فكرة أن التظاهر سلمي، وذلك لرفع الحرج القانوني والشبهة من هذا الفعل. ولقد نظمت بعدها بتاريخ 22 يناير ثم 29 يناير 2018 عدة تجمهرات سلمية للعاطلين عن العمل في عدد من المدن العمانية (مسقط، وصلالة، وصور) للاحتجاج والمطالبة بالتوظيف. وفي ظل التجمهر الأخير في صلالة، تم اعتقال المحتجين الذين تجمعوا أمام مديرية القوى العاملة هناك وفقاً لتقرير المركز العماني لحقوق الإنسان[34]. ولم يتوقف الباحثون عن عمل عن طرح فكرة التجمهر، حيث تم تحديد تاريخ آخر للتجمهر في صباح 5 فبراير 2018 أمام قصر بيت البركة[35]، على نية تسليم مطالبهم مباشرة للسلطان قابوس، ثم ارتأت المجموعة مراجعة الموعد نتيجة اطلاعها على خبر زيارة رئيس مصر عبدالفتاح السيسي للسلطنة.

 
حقوق النساء العمانيات المتزوجات من أجانب

يعتبر قانون الأحوال الشخصية من القوانين التي تنظم الزواج ومسألة التجنيس في سلطنة عمان. بيد أن بنود هذا القانون لم تحظ بالكثير من التعديلات رغم ما يحيط بها تساؤلات حول التمايز الجندري. ولم يرصد التاريخ العماني إلى الآن تنظيماً مدنياً متكامل الأركان يعمل من أجل مصالح هذه الفئة، بل شهد المجتمع محاولات منذ عام 2000 على هيئة مطالب من بعض النساء تسعى إلى تعديل هذا القانون. حيث تشير هذه المحاولات إلى وجود تمايز جندري في مسألة الزواج من أجنبي، تمكن الزوج العماني من التمتع بالحق الاقتصادي والصحي والتعليمي له ولأبنائه حين يتزوج من أجنبية – يتضح ذلك في البنود الخاصة بزواج الرجل العماني من أجنبية – في حين لا يخوّل الجواز العماني للمرأة العمانية أن تمنح أبناءها نفس المميزات[36]. ولم يطرأ أي تغيير على أي من هذه البنود، باستثناء قانون صدر في نوفمبر 2017 يعطي ابن المرأة العمانية المتزوجة من أجنبي الحق في التعليم العالي وإمكان العلاج للوافد وأبنائه في الخارج[37]. ولقد أشادت اللجنة العالمية المختصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) بهذه الخطوة التي تسهم في تمكين المرأة العمانية،[38] ولكن يبقى حق الجنسية لأبناء العمانيات بعيد المنال حتى كتابة هذه السطور.

 
العلاقات الدولية للسلطنة

استطاعت سلطنة عمان تنمية صورة "الوسيط المحايد" فيما يخص سياستها الخارجية مع الكثير من الدول العربية والأخرى في المنطقة، سواء أكان ذلك وقت النزاعات والخلافات أو عند إبرام الاتفاقيات وتشكيل الاتحادات الإقليمية. وقد أتت مستجدات عام 2017 في نفس هذا الاتجاه، إلا أن بعض بوادر التوتر قد برزت على المستوى المجتمعي في العلاقة مع بعض الدول، وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة.

فعلى جانب واحد، أمضت السلطنة هذا العام في تبني خطوات تعزز علاقاتها مع الدول العربية، فقامت بالتصديق على الاتفاقية بين حكومة سلطنة عمان وحكومة المملكة الأردنية الهاشمية حول الإعفاء المتبادل من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة والخدمة[39]. كما شهدت السنة الماضية زيارة رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عمان، سعيد بن صالح الكيومي، لسوريا تمهيداً لمشاركة وفد من غرفة التجارة في معرض دمشق الدولي التجاري. وكانت الجرائد قد وضحت أن الهدف من تلك الزيارة، وبتواجد القائم بالأعمال لدى سفارة السلطنة، هو تباحث "أوجه التعاون التجاري وخاصة في مجال النفط"[40]. وهذا الزيارات قد تكون نادرة بين دول مجلس التعاون، ولكنها ليست مستغربة في ظل سياسة السلطنة الخارجية التي بقت على حياد خلال الحرب السورية.

إضافة إلى ذلك، نجد السلطنة متمسكة بهذه الشخصية السياسية أمام ازمة الخليج الواقعة بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، وقطر من جهة أخرى. ولقد اتضح موقف السلطنة من هذه الازمة الخليجية عبر نشاطاتها الدبلوماسية للتوسط في الخلاف، ما تم عبر زيارات وزير الشؤون الخارجية يوسف بن علوي لأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، الذي يقود هذه الوساطة. وتكررت زيارة يوسف بن علوي عدة مرات منذ اندلاع الأزمة الخليجية في 5 يونيو 2017[41].

وبالتزامن مع الأزمة في الخليج، أبدت ردود فعل عمانية مجتمعية احتجاجها على ما تعتبره تحريفاً تمارسه مؤسسات معينة في الإمارات للتاريخ والموروث العماني من وجهة نظرهم. فلقد قام متحف اللوفر في أبو ظبي بنشر خريطة لمنطقة الخليج ضمت محافظة مسندم في خريطة الإمارات، على اعتبار إنها جزء من دولة الإمارات وليس عمان. أدى ذلك إلى ردة فعل غاضبة واستياء شعبي من قبل الكثير من العمانيين، حيث قام ناشطون عمانيون في مواقع التواصل الاجتماعي بتدشين هاشتاق "#مسندم-في-خارطة- سلطنة-عمان". وفي حين يأتي ذلك في سياق توتر في العلاقات بين الدولتين بعد كشف السلطنة لخلية التجسس في عام 2011، إلا أن السلطنة لم تعبر عن أي ردة فعل رسمية بقدر ما كانت فقط ردود فعل مجتمعية[42].

وأخيراً، فعلى صعيد السياسات الخارجية، قام وزير الشؤون الخارجية يوسف بن علوي بخطوة نادراً ما أقدم عليها قادة عرب وهي زيارة القدس في منتصف فبراير 2018. وصرح الوزير أثناء الزيارة: "لا يمكن تحقيق الاستقرار إلا بقيام دولة فلسطينية بكامل أركانها"، مضيفاً أنه يشجع العرب في كل مكان على القدوم إلى فلسطين "لأن من رأى ليس كمن سمع"[43]. وتسببت زيارة وزير الشؤون الخارجية يوسف بن علوي إلى فلسطين المحتلة وخاصة القدس والمسجد الأقصى في جدل على وسائل التواصل الاجتماعي. فكان قد أعرب بن علوي بأن زيارته تعتبر وقفة مع الشعب الفلسطيني ودعا خلال الزيارة إلى "تلبية دعوة الرئيس محمود عباس لزيارة فلسطين والقدس المحتلة" خاصة بعد قرار ترمب الأخير بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس[44]. ولكن اعتبر الكثير هذه الزيارة التي حصلت في ظل سيادة الاحتلال على القدس وجهاً من أوجه التطبيع، إذ لا يمكن لشخص زيارة القدس دون موافقة وتنسيق مع دولة الاحتلال[45].

 
الخاتمة

في العام 2017 الذي اشتعلت فيه ازمة الخليج، واصلت السياسة الخارجية لسلطنة عمان الحفاظ على صورة "الحياد". وعلى الرغم من بعض الخاصيات التي انفردت بها السلطنة، إلا أنها تشابهت مع العديد من دول الخليج الأخرى في هيمنة العامل الاقتصادي وتبعاته على المشهد المحلي، إذ ينذر تزايد أعداد الباحثين عن العمل، والاستمرار المتوقع في تزايد الرسوم والضرائب في محاولة لمواجهة العجز المالي العام، بأن التحديات في هذا الصعيد ستستمر وتتصاعد. وإذا أضفنا إلى ذلك تنامي القيود على المسار الثقافي والاجتماعي والسياسي من تقييد حرية التعبير والنشر إلى الاعتقالات السياسية، فإن المشهد العام يبدو مشحوناً وإن كان بدرجات أقل مما شهدته السلطنة في عام 2011، بحيث يظل تفاقم أوجه الخلل المزمنة الاقتصادية والسياسية التحديين الأكبر اللذين يلقيان بثقلهما على مجريات الأحداث في السلطنة.

 
 لقراءة الجزء التالي من الاصدار.
لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (PDF).
لعرض قائمة المحتوى للاصدار.  


[1] آن الكندي وسعيد الصقري، "رؤية عمان 2020 بين الواقع والمأمول - سعيد الصقري وآن الكندي،" مركز الخليج لسياسات التنمية < https://goo.gl/b2YAz4 >.
[2] محمد قنات، "قانون الجزاء العماني الجديد يغلظ العقوبات لردع المخالفين.. و15 سنة سجنا للمنتمين لجماعات متطرفة ومنظمات إرهابية،" الرؤية الإلكترونية، 14 يناير 2018 < https://goo.gl/iMte9T >.
[3] التقرير السنوي للحالة الحقوقية في عمان (عمان: المركز العماني لحقوق الإنسان، 2017) < https://ochroman.org/annual2017/ >.
[4] التقرير العالمي 2017: عمان ( هيومن رايتس ووتش، 2017)، < https://goo.gl/op1vxU >.
[5] التقرير السنوي للحالة الحقوقية في عمان 2017 (عمان: المركز العماني لحقوق الإنسان، 2017)، < https://goo.gl/XHv5uW >.
[6] نفس المرجع.
[7] "تأييد الحكم بسجن الكاتب عبدالله حبيب،" المركز العماني لحقوق الإنسان، 2 ابريل 2018، < https://ochroman.org/ahabib/ >.
[8] حساب سعود الزدجالي، الفيسبوك، < https://goo.gl/uhM2Jc >.
[9] حساب احمد المعيني، الفيسبوك، < https://goo.gl/f2sqDb >.
[10] حساب زكريا المحرمي، تويتر، < https://goo.gl/oaq8nV >.
[11] حساب زكريا المحرمي، تويتر، < https://goo.gl/JgXfxC >.
[12] "سحب ومنع في معرض مسقط الدولي للكتاب – 2018،" المركز العماني لحقوق الإنسان، 22 فبراير 2018، < https://goo.gl/Qwr9Q6 >.
[13] Democracy in Crisis (USA: Freedom House, 2018), < https://goo.gl/fPRNWw >.
[14] هاشتاغ #نداء_للسلطان_ترقياتنا_مستحقة31، تويتر، < https://goo.gl/XV59NY >.
[15] "توضيح بشأن وقف ترقيات موظفي الخدمه المدنيه،" منتدى سبلة عمان، 5 مايو 2016، < https://goo.gl/ueLYAt > و شبيب البوسعيدي، "هل ستعود الترقيات من جديد؟" أثير، 25 يناير 2017، < https://goo.gl/Q3njiM >.
[16] "رئيس اقتصادية الشورى لـ #أثير: إصرار من المجلس على الترقيات واستجابة ضمنية من الوزير،" أثير، 20 نوفمبر 2017، < https://goo.gl/3hpxwX >.
[17] طالب المقبالي، "ترقيات 2010،" الرؤية الإلكترونية، 02 مايو 2017، < https://goo.gl/Y1M2yv >.
[18] المرجع السابق
[19] “Oman: Major changes to corporate income tax and withholding taxes,” PWC, 27 Feb 2017, < https://goo.gl/FyqhSs >.
[20] "غداً... سلطنة عُمان ترفع أسعار البنزين،" ار تي العربية، 30 سبتمبر 2017، < https://goo.gl/9Ti146 >.
[21] "عُمان: مغردون يشنون حملة على وكيل وزارة النفط،" إيلاف، 2 ابريل 2016، < https://goo.gl/wTF2Rr >.
[22] الكتاب الإحصائي الإصدار 45 (عمان: المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، 2017).
[23] النشرة الإحصائية الشهرية المجلد 29 (عمان: المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، 2018).
[24] هاشتاغ #عمانيون_بلا_وظايف22، تويتر، < https://goo.gl/dgrHFo >.
[25] وزير القوى العاملة في سلطنة عمان: معالي عبدالله بن ناصر البكري.
[26] " مجلس الوزراء : 25 ألف فرصة عمل في المؤسسات العامة والخاصة،" الوطن، 5 اكتوبر 2017، <https://goo.gl/oPzPac >.
[27] " الاحتجاجات العمانية 2011،" ويكيبيديا، < https://goo.gl/dBEzDB >.
[28] زاهر بن حارث المحروقي: كاتب وإعلامي عماني. له مؤلفات من بينها سارق المنشار، < https://goo.gl/WhPP91 >.
[29] زاهر المحروقي، "مشكلة التوظيف بين العلاج والمسكنات،" جريدة الرؤية، 9 اكتوبر 2017، < https://goo.gl/rQU1Dh >.
[30] "القطاع الحكومي سيوفر 4 آلاف وظيفة من أصل 25 ألف فرصة عمل،" جريدة الشبيبة الإلكترونية، 6 يناير 2018، < https://goo.gl/mwc65s >.
[31] هاشتاغ #أزمة_منصات_والتوظيف، تويتر، < https://goo.gl/pbWj5E >.
[32] البكري: لا يمكن الاشتراط المسبق على القطاع الخاص لدفع رواتب مرتفعة،" جريدة الرؤية، 20 يناير 2018، < https://goo.gl/oBpKuy >.
[33] "اتجمع الباحثين عمل،" تويتر، < https://goo.gl/zsiora >.
[34] "عاطلون عن عمل يتجمعون للاحتجاج في عدة مدن عمانية،" المركز العماني لحقوق الإنسان، 29 يناير 2018، < https://goo.gl/pUfbWi >.
[35] قصر بيت البركة: أحد قصور السلطان قابوس الذي يقع في ولاية السيب/ مسقط.
[36] قانون أحكام تنظيم زواج العمانيين من أجانب (عمان: البوابة الرسمية للخدمات الحكومية عماننا)، < https://goo.gl/gfPAqg >.
[37]وزير التنمية الإجتماعية: إعفاء من شرط الجنسية للتعليم، والإيفاد للعلاج بالخارج لأبناء العمانيات المتزوجات من أجانب،" أثير، 4 نوفمبر 2017، < https://goo.gl/RUDivH >.
[38] السلطنة تستعرض تقريرها في مجال دعم وتمكين المرأة وإشادة أممية بالجهود،" أثير، 4 نوفمبر 2017، < https://goo.gl/SMcHU4 >.
[39] "مرسوم سلطاني رقم ٢٠ / ٢٠١٧ بالتصديق على اتفاقية بين حكومة سلطنة عمان وحكومة المملكة الأردنية الهاشمية حول الإعفاء المتبادل من التأشيرة لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية والخاصة والخدمة،" مدونة قانون، 10 مايو 2017، < https://goo.gl/Fjan4h >.
[40] "السلطنة تبحث فرص التعاون التجاري مع سوريا،" الوطن، 9 اغسطس 2017، < https://goo.gl/ky3MhZ >.
[41] "أمير الكويت يبحث الأزمة الخليجية مع بن علوي،" الجزيرة، 31 يوليو 2017، < https://goo.gl/wRSA75 >.
[42] "التاريخ بين وهم الإمارات وإختفاء الإعلام العماني،" أثير، 30 يناير 2016، < https://goo.gl/o8FeU7 >.
[43] "في خطوة نادرة..بن علوي يزور الأقصى: من سمع ليس كمن رأى،" الميادين، 15 فبراير 2018، < https://goo.gl/EbM9FY >.
[44] "وزير الخارجية العُماني يزور المسجد الأقصى،" عرب 48، 15 فبراير 2018، < https://goo.gl/PYDYaT >.
[45] نفس المصدر.