مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.1 مقدمة: هوامش التنمية في دول مجلس التعاون

طباعة PDF


ماذا لو أصبح الهامش مركزاً؟ يتناول الإصدار هذه المقاربة بشكل جدي، حيث تجعل أوراقه "الهامش" مركزاً للاهتمام، وذلك إدراكاً من المساهمين للتحديات التي تواجهها فئات الهامش، التي لا يمكن إعطاءها حقها من التحليل بمجرد الحديث عن التنمية بشكل عام. ومما لا شك فيه أن "الهامش" يتضمن الكثير من الفئات الاجتماعية بين طياته في الخليج، ومن ضمنها فئة عديمي الجنسية "البدون"، وفئة ذوي الدخل المحدود، والفئة العمرية الشبابية، إلا أننا نركز في هذا الإصدار على مجموعتين على وجه التحديد: المرأة والعمالة الوافدة.

 وعبر التركيز على هاتين الفئتين، فإن الإصدار يدفع بعدة أطروحات. أولاً، إن ما يجعل تناول قضايا الهامش أمراً مهماً هو كون أوجه الخلل المزمنة أشد وطأة في المجمل على الفئات المهمشة، والتي نادراً ما تكون محط اهتمام السياسات العامة، بل غالباً ما تهمّش هذه الفئات بسبب سياسات الدولة نفسها. كما أن القوانين والأدوات التشريعية هي إحدى أهم الوسائل التي قد تضع فئة معينة في علاقة غير متكافئة مع القوى الأخرى. فإن كانت بعض حقوق المواطنين العاديين محدودة أو مقيدة، فهي في كثير من الأحيان معدومة تماماً عند تلك الفئات.

وهذا ما يبينه العديد من الكتاب في هذا الإصدار. فيرصد لنا بعض تلك الحقوق المقيدة خليل بوهزاع في ورقته المتعلقة بمصادقة دول الخليج على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، فقد سنت دول الخليج مجموعة من القوانين تضع المرأة في كفة غير متوازنة مع الرجل والدولة من الناحية التشريعية، وبذلك فإن هناك تعارض بين بعض سياسات هذه الدول وبين مبادئ المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة التي التي تنص عليها هذه الاتفاقية. أما هناء بوحجي، فتقوم في ورقتها برصد أوضاع العمالة المنزلية في الخليج والقوانين المتعلقة بتنظيم عملها، حيث تبين الورقة أنه بالرغم من التفاوت بين التشريعات في الدول الست، إلا أنها جميعاً ما زالت تضع العمالة المنزلية في موقع غير متكافئ يعرضها للاستغلال من الناحية القانونية والفعلية. وفي كلا الورقتين، يتبين لنا كيف الدول تضع نفسها تحت المجهر دوليا نتيجة تعاملها مع هذه الفئات المهمشة. وتتمكن الدولة من تخطي الانتقادات عن طريق تحفظات تخرق جوهر الاتفاقيات كما بينت ورقة بوهزاع، أو عن طريق سن قوانين خاصة، كما هو الحال مع العمالة المنزلية.

وعن طريق العودة لتاريخ تلك القوانين، يبن لنا عمر الشهابي، أن القوانين التمييزية لم تتطور بمعزل عن الفضاء الدولي أيضا. ففي حال العمالة الوافدة، تزايد الانتقاد الموجه لدول مجلس التعاون دولياً نتيجة استخدام نظام الكفالة وحالة التبعية وعدم التكافؤ التي يوجدها بين الكفيل والمكفول وبين الدولة، إلا أن الغموض ما زال يلف الجذور الحديثة لهذا النظام. لذلك، يتتبع عمر الشهابي تاريخ نشوء نظام الكفالة والقوانين والإجراءات البيروقراطية المرتبطة به. ويجادل في ورقته أنها ولدت في حلتها الحديثة خلال حقبة الاستعمار البريطاني في المنطقة، حيث أرادت السلطات البريطانية إيجاد نظام يسمح بالتحكم بالعمالة الوافدة عبر تفويض المسؤولية القانونية حول إقامتها إلى كفيل، مما غرس بذور العلاقة غير المتكافئة بين الدولة والكفيل والمكفول.

ثانياً، يبين هذا الإصدار أنه على الرغم من موقعه والعوائق التي تواجهه، فإن الهامش كان دائماً مصدراً للحراك والمطالبات المتواصلة في المجتمع، ولم يكن غائباً عن الساحة السياسية كما تحاول بعض الروايات المهيمنة أن تصوره. إذ أن المنتمين لهذه الفئات ليسوا مجرد ضحايا سلبيين، وهو ما تظهره نورة الدعيجي من خلال رصد تطور الحركة النسوية في السعودية ودورها الفاعل في دفع الدولة لتبني بعض الإصلاحات في قضايا المرأة، حتى أصبح التأثير المتبادل بين الدولة والحركة النسوية وأثر محاولات الاحتواء والتضييق على الحركة هو محور الحدث عام 2018. وفي حالة البحرين، تقدم منى فضل عباس استعراضاً تاريخياً لدور الحراك النسوي في الدفع بقانون الأحوال الشخصية. مثل هذا الطرح يبين أن دلالة استخدام تعبير "الهامش" هنا يعود إلى موقع الفئات المعنية من السلطة وعلاقتها مع رواية تلك الأخيرة، وليس توصيفاً معيارياً لقدرة هذه الفئات ودورها في التأثير على السلطة، حيث قد يكون الهامش مصدراً فعلياً للتغيير والإصلاح.

ثالثاً، يؤكد هذا الإصدار على السردية المتداولة بشكل واسع والتي تفيد بأن البنية التعليمية تلعب دوراً محورياً في رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع والهامش، إلا أنه يقارب هذه الاطروحة من زوايا جديدة. ففي ورقتها، تركز هتون الفاسي على تبيان تأثير البنية المؤسسية على العلاقة بين التعليم العالي والمرأة، من خلال سرد تجربتها الشخصية في تدريس مقرر يتناول قضايا المرأة في جامعة قطر. ويظهر من خلال التجربة جانب من واقع الحرية الأكاديمية في مؤسسات التعليم، وإخفاق المؤسسة في حماية هذه المساحة من الحرية خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق المرأة، الأمر الذي يبرز التناقض بين دفع الحكومات بسردية تمكين المرأة، بينما تضيق المؤسسات العامة على مناقشة شؤونها. وأخيراً، تركز ورقة نعيمة الراشدي على العلاقة بين الصورة النمطية للمرأة ومحتوى التعليم، عبر تحليل محتوى كتب المواد الاجتماعية في مقررات قطر التعليمية، مبينة الجدلية المتظافرة والمترابطة بين الصورة التي تقدم فيها المرأة في هذه المناهج، والصورة النمطية العامة للمرأة في بعض دوائر المجتمع.

لا يغيب على أحد ان قضايا الهامش قد بدأت تستحوذ على مساحة متنامية من السجال السياسي في دول المجلس، أكان ذلك عبر الحراك النسوي، أو ضغوط المنظمات الدولية حول أحوال العمالة الوافدة في المنطقة، أو التحركات المتعلقة بقضايا البدون، أو الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع في احتجاجات ضخمة. وقد أصبح من الضروري التعاطي بشكل معمق مع قضايا الهامش ليس فقط لفهمها منفردة، بل لتعميق فهمنا للحالة العامة في دول المجلس أيضاً. فقضايا فئات الهامش هي جزء أساسي من الحالة السياسية العامة في المنطقة، وإن كانت تحمل تجلياتها الخاصة. ولذلك نأمل من خلال هذه الأوراق أن نلقي الضوء على قضايا الخليج وأوجه خلله المزمنة من منظور جديد ينطلق من الهامش، بهدف الوصول إلى فهم أفضل للهامش والحالة العامة معاً.
 
 

 
 لقراءة الجزء التالي من الاصدار.
لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (PDF).
لعرض قائمة المحتوى للاصدار.