مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.7 الحرية الأكاديمية في جامعات الخليج: "المرأة في الإسلام" في جامعة قطر نموذجاً – هتون الفاسي

طباعة PDF
مقدمة

تعتبر مواد دراسات النوع الاجتماعي[1] ظاهرة جديدة في جامعات الخليج، إذ لا توجد وحدة متخصصة إلا في جامعة الكويت (مركز دراسات وأبحاث المرأة)، وهي جزء من كلية العلوم الاجتماعية. ومع ذلك، بدأت المواد من مختلف الأقسام والجامعات بالظهور في المنطقة اعتماداً على خبرة الكليات ومرونة الجامعات ورغبتها في المغامرة في الدراسات النسائية والنوع الاجتماعي.

جامعة قطر مثال جيد على ذلك، حيث تدرِّس الجامعة المقررات المتعلقة بالنوع في دوائر الإعلام الجماهيري، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والتربية، والقانون. وبالإضافة إلى ذلك، قام قسم الشؤون الدولية متعدد التخصصات بتقديم العديد من المواد المستحدثة منذ إنشائه في عام 2006، مثل النوع الاجتماعي من المنظور الدولي، والمرأة والعنف، والجندر والقانون، والنوع الاجتماعي والتنمية، ومناقشات النوع الاجتماعي في الخليج، والمرأة في الإسلام.

في هذه الورقة سآخذ مثال المادة الأخيرة بالتفصيل لأسباب متعددة، فهي مادة خاصة تم تطويرها بالاعتماد على نظرية النسوية الإسلامية، وهو ما يعني أنها تأخذ على عاتقها تحدي الخطاب النصي والعام المتعلق بالمرأة في الإسلام، مع التركيز بشكل خاص على تطبيق الإسلام في الخليج. ويتم تدريس هذه المادة للنساء والرجال على حد سواء، لكن بشكل منفصل، وباللغتين العربية والإنجليزية. وكل من هذه الخيارات، سواء تعلقت بالجنس أو باللغة، ينضوي على تحديات خاصة به.

إن تجربة النظر في الإسلام من منظور المرأة عبر إعادة قراءة تاريخ المرأة في الإسلام، وإعادة قراءة النص القرآني والتفسير، وإعادة قراءة نصوص الحديث من وجهة نظر نقدية تصب في خانة تمكين المرأة المسلمة في المجتمع المعاصر، كانت مدعاة للاهتمام بقدر ما صاحبتها تحديات متعددة في غرفة الصف، تفاوتت بين الاستياء والمقاومة والاعتراض والشكاوى، من جهة، إلى الحماس والفضول ونفاد الصبر لتغيير العالم إلى الأفضل، من جهة أخرى، في ظل ضعف الاستقلالية الذي تعاني منه الجامعات في الخليج.

إن الأسئلة التي ستتم مناقشتها هنا هي: إلى أي مدى يمكن لهذه المواد أن تنجح في استعادة إنتاج المعرفة في مجال الدراسات الإسلامية والنوع الاجتماعي، خاصة تلك المرتبطة بالمرأة؟ وإلى أي مدى يمكن تغيير وضع المرأة في المنطقة؟ وما هي ديناميات العلاقة بين مواقف إدارة التعليم العالي والحاجة إلى التغيير وإلى قراءة دينية أكثر إنصافاً للإسلام تجاه المرأة؟ وإلى أي درجة يمكننا الحديث عن مساحة من الحرية الأكاديمية لهذا النوع من الدراسات في الخليج؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن إشكالية الحرية الأكاديمية ليست مقتصرة على دراسات المرأة فحسب، بل تنسحب على كافة العلوم الإنسانية التي تمثل تحدياً للسلطات المعتادة، الدينية منها والسياسية والاجتماعية، سيما تلك المواد المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والفنون والتاريخ وغير ذلك. وقد فصّل عبدالهادي العجمي التحدي الذي تواجهه الحرية الأكاديمية في موضوع التاريخ لا سيما الإسلامي[2]، مما يثير شجوناً أخرى تتعلق بتداعيات هذه المصادرات على تكوين الهوية وتعاطي الأفراد معها.  والمقصود بالحرية الأكاديمية في هذا السياق هو حقّ يجب أن يتمتع به عضو هيئة التدريس خلال عمله داخل الجامعة لصون الحق في التعليم وحق البحث والتدريس على حد سواء[3]، حيث الجامعة هي المكان الجامع لحركة معرفية وعلمية خلاقة تتراكم فيها الرؤى والمعارف والمناهج ضمن شروط معينة لإنتاجها وتداولها[4].



خلفية عن تجربة التدريس

إن الحديث عن تجربة التدريس في جامعات الخليج وصلته بالحرية الأكاديمية حديث ذو شجون، لا سيما وأني أعرض هنا لتجربتين في دولتي السعودية وقطر، لكن ربما لا أكون منصفة إن أسقطت حالتي على وضع باقي الجامعات في المنطقة، ولا أكون ظالمة لو عممتها عليهم أيضاً. حيث أن تجربتي تعكس بلا شك شكلاً من أشكال التأزم الذي تعيشه جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية مع الحرية الأكاديمية من جانب، ومع الرغبة في الوصول إلى مصاف الجامعات العالمية والتصنيف العالمي من جانب آخر، وتفكيرهم أنه لما كان من المستحيل ضمان الأولى، فليكن الوصول إلى الثانية بطريقة ما[5].
 
وما سوف أقوم به في هذه الورقة هو تقديم شهادة تاريخية عن تجربة تدريس مادة "المرأة في الإسلام" في جامعة قطر، إحدى جامعات الخليج الحكومية التي تمثل النساء غالبية طالباتها وتُعد المعمل الحقيقي لإنتاج طبقة قطرية متعلمة تعليماً عالٍ لتتمكن من تولي إدارة البلاد وفق خطط التنمية التي تشجع على الإحلال القطري المؤهل، حيث أن غالبية طلبتها من المواطنين من الجنسين. ومنهجيتي تعتمد على التجربة الذاتية مع التوثيق بما يدعمها من أدلة تحكي قصة جامعة تحاول أن تمارس شيئاً من الحرية الأكاديمية في أروقتها وتقاطع ذلك مع طبيعة الموضوع وصلته الشائكة بالمرأة والمجتمع. وتعتبر الشهادة التاريخية المبنية على التجربة الشخصية إحدى أدوات البحث الاجتماعي كالقصص الشخصية، وتحليل المذكرات، والتاريخ الشفهي. وتهدف هذه المنهجية إلى توضيح علاقة الفرد بمجتمعه وإبراز الهياكل الاجتماعية التي تحكم تلك العلاقة[6].

عودة إلى تجربتي، فقد عملت لمدة ستة وعشرين عاماً في جامعة الملك سعود حتى وصلت إلى درجة أستاذة مشاركة. وتخلل هذه الفترة تحضير رسالة الماجستير وأنا معيدة في قسم التاريخ، ثم وأنا محاضرة فمبتعثه للدكتوراه، التي نلتها بعد خمس سنوات. ولثراء تجربة جامعة الملك سعود، فإنني بحاجة لتأجيل حيثياتها إلى شهادة أخرى. أما في هذا البحث، فأود التركيز على التجربة الثانية وهي تجربة التدريس في قطر منذ عام   2009 حتى عام 2018 كأستاذة زائرة ثم كعضوة هيئة التدريس.

كانت فترة العمل في جامعة قطر والممتدة لتسع سنوات غنية جداً بالعمل الأكاديمي، وتحديات البيئة الأكاديمية المختلفة عن البيئة السعودية على الرغم من التشابه الاجتماعي، والتكوين التعددي المتنوع لقسم الشؤون الدولية الذي كان قسماً حديث التأسيس برؤية طموحة من مؤسسته الدكتورة أميرة سنبل.[7] كان هناك تحدي التدريس أولاً في قسم غير قسم التاريخ، ثم في تدريس مواد دراسات النوع، ثم في التدريس باللغة الإنجليزية، ثم في تدريس البنين إلى جانب تدريس البنات ولو في فصول منفصلة، ثم في العمل في أجواء يعمل فيها الجنسان جنباً إلى جنب دون مراقبة كاميرات الشبكات التلفزيونية المغلقة، ودون اجتماعات قسم عن طريق الهاتف المفتوح، وما يتبع ذلك من تقسيمات وفصل وعزل عاصرته في جامعة الملك سعود. كانت هناك تحديات كثيرة وممتعة نتجت عنها تجربة ثرية حتى على مستوى التعددية بين الطلبة الذين كانت جنسياتهم تتعدى العشرين في بعض فصولي.

كانت هناك حرية أكاديمية ملحوظة في السنوات الأولى ومساحة كبيرة معطاة لصياغة مفردات وتوصيف المقرر وقائمة مراجعه. وقد تطورت العملية التدريسية من مادة إلى أخرى وأنا أضيف إلى كل منها وأيضاً أقبل تحدي تدريس مواد لم أدرسها من قبل ولا أعرف الكثير عن بعضها، مثل تاريخ العالم ودراسات الخليج. وكان من المواد التي تتصل بالدراسات النسوية أربع مواد درّست ثلاث منها في أحد الفصول، وهي "العنف ضد المرأة"، و"المرأة في الإسلام"، و"النوع الاجتماعي (الجندر) من المنظور الدولي"، كما درست مادة "مناقشات في النوع الاجتماعي في الخليج خلال عقدين" في أول فصلين لي في الجامعة، وهي مادة موجهة للطالبات الخريجات. وعلى صعيد آخر جربت تدريس مادتين مستقاتين مما درسته في جامعة قطر في جامعة جورجتاون-الدوحة) المنضوية تحت مؤسسة قطر( ضمن برنامج التعليم المستمر للمجتمع وذلك خلال العام 2016، فدرست فصلاً حول المرأة في الإسلام وآخر عن المرأة في الخليج. فربما بذلك يمكنني المقارنة بين التجربة التعليمية في جامعة قطر وأيضاً في مؤسسة قطر. وقد استطعت تطوير تدريس هذه المواد بشكل كبير لاسيما "المرأة في الإسلام"، حتى أصبح بظني العلامة الفارقة لي في جامعة قطر والمادة التي ينسب إليها إحداث عملية تغيير نوعي في وعي الطالبات والطلبة أيضاً. وكنت وما زلت فخورة بالشكل الذي آلت إليه هذه المادة آخر عهدي بها، وكان ذلك في فصل الخريف من عام 2015.
 
وقد جاء تأسيس قسم الشؤون الدولية على يد أميرة سنبل في 2006 ضمن عملية تحديث كانت تمر بها جامعة قطر منذ أن استلمت قيادها الدكتورة شيخة المسند عام 2004، فوقعت اتفاق تفاهم بين جامعتي جورجتاون قطر وجامعة قطر للاستعانة بخدمات البروفسورة أميرة سنبل كي تؤسس برنامجاً/قسماً على نفس نسق مدرسة العلاقات الدولية في جورجتاون، يكون مدخلاً جيداً لإضافة التنوع إلى ما تقدمه جامعة قطر من تخصصات. فكانت مواد هذا البرنامج جديدة غير تقليدية وغير مألوفة للمنطقة، بما تضمنته من تخصصات بينية وباللغة الإنجليزية على أعلى المستويات الأكاديمية، وتم انتقاء أعضاء هيئة التدريس أيضاً وفق معايير جورجتاون الأمريكية. كما قدّم هذا البرنامج الذي تحول إلى قسم عام 2010، فرصةً جديدة للشباب القطريين، الذين كانوا في بداية الاستفادة من حضور الجامعات الأمريكية في قطر حتى ذلك الحين. ففي سنوات قليلة سجل قسم الشؤون الدولية أعلى المعدلات في نسبة المتقدمين في الطلب وفي سرعة العثور على وظيفة وتسارعت المؤسسات الحكومية بالدرجة الأولى إلى توظيفهم. وكانت المواد البينية تدور حول النوع الاجتماعي، والبيئة، والسياسة، وعلم الاجتماع، وتاريخ العالم والاقتصاد والسياسات وغيرها.

وقد تم ذلك في عهد جديد دخلت فيه جامعة قطر عن طريق التحديث الذي ذكرناه مع تبني المعايير الأمريكية للإدارة والتعليم، ومنهجية العلوم الليبرالية في الآداب، وإعادة هيكلة الكليات، والسعي للحصول على الاعتماد الأكاديمي للجامعة وكل كلياتها وأقسامها ورفع سقف معايير التوظيف لخريجي الجامعات الدولية ذات التصنيف العالي فحسب، والتقليل من خريجي الجامعات العربية.



التحولات

لكن، وبحلول عام 2012 حدث شيء مهم، ففي عطلة منتصف العام أعلن المجلس الأعلى للتعليم تعريب الجامعة وخاصة أقسام العلوم الإنسانية في كلية الآداب والعلوم، بالإضافة إلى تسهيل الالتحاق على القطريين بالجامعة مع تخفيض متوسط نسبة القبول لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلاب، ثم ألغيت آلية المقابلة الشخصية من عملية القبول في قسم الشؤون الدولية. ووفقاً لقرار المجلس الأعلى للتعليم الذي صدر في ربيع العام 2012، تم اعتماد اللغة العربية كلغة تعليم في جامعة قطر، ونتيجة لذلك ألغي شرط الدخول في برنامج تأسيسي للغة الإنجليزية كأحد متطلبات قبول الطلبة، وأصبحت الدراسة باللغة العربية هي الحاكمة لتخصصات القانون، والشؤون الدولية، والإعلام، والإدارة والاقتصاد[8].

كما أُلغيت المرحلة التأسيسية التي كانت تستغرق عامين يتم خلالهما تحصيل مهارات اللغة الإنجليزية والرياضيات والإنترنت، وفجأة شهدت الجامعة تدفق 4000 طالب للتسجيل في دفعة واحدة (وفق ما تم إبلاغنا به في مجلس القسم) وارتفع عدد الطلبة في الصف الواحد من 12 إلى 24 ثم إلى 45 إلى أن أصبح العدد الأدنى هو 60 في وقت كتابة هذه السطور، ما استلزم وضع استراتيجية جديدة لمواجهة التوسع في التعريب وتوظيف أعضاء هيئة تدريس ناطقين باللغتين. يرافق ذلك قيام الدولة بالمزيد من أعمال البناء في الجامعة وخارجها، لا سيما في قطاعات السكن والتعليم والرعاية الصحية، ورافقها أيضاً البحث عن طرق تصريف وتسريح أعضاء هيئة التدريس الناطقين بالإنجليزية فقط أو غير القادرين على التدريس بالعربية. وكان التعريب خطوة مهمة ولكنها جرت بطريقة غير منظمة وفجائية، أدت إلى هز الكثير من المكتسبات العلمية التي لم تكن جامعة قطر قد تمكنت منها بعد وأعادت الجامعة في كثير من الأحيان إلى نقطة البداية. وفي حين كانت هناك مطالب بتحويل التخصصات إلى مسارات لغوية متقاطعة كي لا يفقد الطلبة ميزة التعامل باللغة الإنجليزية، كانت هناك مواقف متصلبة في رأيها وقد تحولت القضية بالنسبة إليها إلى قضية إيديولوجية ينبغي الدفاع عنها، كما رافق ذلك تدخل سياسي كبير في قرارات الجامعة التي لم تبدُ مستقلة برأيها أو بشخصيتها. وقد أثّر تضخم الجامعة مع مرور الوقت على المستوى التعليمي وعلى القدرة على إيصال المعلومة أو التأكد من إتقان الطلبة لكل المهارات اللازمة لا سيما النقدية منها والبحثية، ما نتج عنه فقدان طلبة الشؤون الدولية ميزتهم التوظيفية والعلمية والتخصصية شيئاً فشيئاً.



المرأة في الإسلام

كنت أشعر من خلال تدريس مادة المرأة في الإسلام، بدءاً من خريف عام 2010، أنني أساهم في بناء العالم وليس فقط في بناء شخصيات أبنائنا وبناتنا. فقد استلمت هذه المادة دون أي منهج أو اصطلاحات معتمدة أو قراءات مقترحة، بل مجرد توصيف قصير. أعطيت لي الحرية لتعديل التوصيف وشكلت المنهج كما وجدته مناسباً. وانطلاقا من خلفية النسوية الإسلامية، التي كانت قد أُعلنِت للتو من خلال حركة مساواة في شباط/فبراير 2009[9]، والتي كنت مطلعة عليها منذ كانت مشروعاً في عام 2003، ونظراً لأني أحمل الإيمان بالرسالة ولدي تربية دينية جيدة سواء أسرية أو مدرسية وجامعية ساعدت في تشكيل خلفية لتدريس هذه المادة، التي كانت تنطلق من خلال عيون الاجتهاد، ومن خلال النهج النقدي نحو كيفية ممارسة الدين والترويج له وتدريسه في الخليج، اغتنمت الفرصة وتوليت المهمة.
 
أصبحت مادة المرأة في الإسلام خلال سبع سنوات عبارة عن إعادة قراءة لمعظم ما يتعلق بالمرأة والإسلام، تاريخاً ونصاً وقانوناً، فضلاً عن الحراك الإسلامي سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي. أضف إلى ذلك موضوع النسوية بكافة أشكالها، لا سيما النسوية الإسلامية الصاعدة والتي كنت أتواصل معها مباشرة وبإنتاجها المعرفي الذي ما لبث أن تمت ترجمته إلى العربية. تم تدريس هذه المادة حتى خريف 2015، علّمت خلالها مئات الطلاب من الجنسين على مر السنين، أفكاراً كانت الأكثر تقدمية حول الإسلام والمرأة، تدفع بالنساء إلى المزيد والمزيد من التعرف على دورهن في دينهن وتقوية اعتزازهن به وبانتمائهن إليه من خلال رؤيتهن للعالم ولأنفسهن ولقيمتهن في الإسلام، الدين الذي بُعث للجنسين.
 
واجهت الكثير من التحديات عند صياغة هذه المادة، ولا أنكر أن المنهج قد تطور شيئاً فشيئاً، بل كانت المادة في كل سنة وعند تدريس كل فصل تحتاج إلى إعادة نظر في التفاصيل وتطوير المقاربات وإضافة كتب ودراسات جديدة وتعديل العروض ووسائل التقييم. لا شك أن السنة الأولى كانت الأصعب، لكن الأصعب منها كان تدريس فصل للبنين عن المرأة في الإسلام، فصل لم يتجاوز عدد المسجلين فيه في البداية خمسة طلاب، تضاءلوا مع نهاية الفصل إلى ثلاثة، كلهم من جنسيات إسلامية وليس بينهم خليجي واحد. وعلى الرغم من ذلك استمر الفصل إلى آخره وما زلت أعتز بطلبة ذلك الفصل، وأبقى على تواصل مع بعضهم. وهذا لا يعني أن تدريس البنات كان سهلاً، فقد كان يحمل هو الآخر الكثير من التحديات، لكن الممتع فيه كان التنوع الإسلامي. فقد كانت هناك طالبات من بلاد آسيوية وأفريقية وأوروبية، ما أضاف الكثير من الحراك في النقاش والتدريس. ولعل أكبر صعوبة في التنوع الدولي هو في تسجيل بعض الطلبة من غير المسلمين في المقرر، مما كان يتطلب جهداً أكبر لشرح كثير من المفاهيم المعروفة ثقافياً. فقد سجل في المقرر طلاب من اليابان ومن كوريا ومن الولايات المتحدة الأمريكية، لا سيما من طلبة التبادل الثقافي الذين يدرسون في جامعة قطر لمدة عام. أما اللغة الإنجليزية فقد مثلت فرصة في الاستعانة بالكتابات الغزيرة في مجال دراسات المرأة في الإسلام التي كتبت بها. لكن تحدي اللغة كان يأتي عندما أعطيت للطلبة مهمة "تفسير آية قرآنية"، فهنا كان الاعتماد، وفق المهمة، على كتب التفسير وكتب اللغة العربية التراثية، والاعتماد في حال الطلبة غير المتحدثين بالعربية هو اللجوء إلى العدد المحدود من الكتب المترجمة والتي لا تتعدى الطبري وابن كثير على سبيل المثال. وفي المقابل، عندما تحول التدريس إلى اللغة العربية، كان التحدي في العثور على كتب حول النسوية الإسلامية على نفس مستوى الكتابات الإنجليزية وإنما بالعربية. وإن كان هذا الأمر صعباً في البداية، إلا أنه منحني فرصة للمزيد من الاكتشاف والإعداد للكتابة في هذا المجال لملء فراغ المكتبة العربية، إن وُجِد.

تقوم المادة على توصيف يعيد قراءة تاريخ المرأة ومكانتها في الإسلام من خلال مراجعة النص التاريخي والديني الذي يلعب الدور الرئيس في تحديد مكانة المرأة اليوم عبر خمسة محاور: موقع المرأة في الفكر الإسلامي، والفقه، والتاريخ، والنسوية الإسلامية والحركية والواقع المعيشي. وذلك للتأكيد على بناء المجتمع المسلم القائم على عمارة الأرض بالمشاركة والمساواة والعدل والإحسان. ويعتبر إعادة القراءة مفهوم ينطلق من النظرية التفكيكية لجاك دريدا، التي ترى في أن القراءة لا تخضع للنص وقيوده وإنما تخرج إلى فضاءات المفارقات والتناقضات وتطرح تساؤلات حول العلاقة بين النص واللغة والفكر والأخلاق. فعندما ننظر في علاقة المرأة بالتاريخ نجد أن هناك الكثير من المسكوت عنه مما يستدعي التساؤل والتفسير. وفي حال النص القرآني فإن التعاطي يكون مع التفسير البشري الذي ينقل النص الإلهي إلى مرتبة بشرية يمكن مناقشتها ومساءلة تفسيرها. وبالمثل نجد الحديث النبوي الذي يتطلب النظر فيه فهم كيفية جمعه وقوانينه وأصوله حتى نتمكن من فهم الأحاديث التي تتناول المرأة وأحكامها. ومن ثم ننتقل إلى بعض القضايا الفقهية وكيف تناولها الفقهاء باجتهادهم البشري عبر القرون الإسلامية الألف تقريباً، ومنها نصل إلى المدارس النسوية التي تأخذ على عاتقها مهمة البحث في هذا المجال، وننظر كيف يتم تداخل القضايا الفقهية المعاصرة مع الواقع المعيشي للنساء في العالم الإسلامي وبالتحديد في الخليج. وينطلق المقرر من إقرار مفهوم المساواة في الخلق والحساب من نفس واحدة وفق آيات القرآن الكريم، ثم ننطلق إلى مناقشة ما بين يوم الخلق ويوم الحساب من الحياة الدنيا وما فيها من قضايا تتجاذبها قضايا أخرى تدخل العلاقة في عالم التمييز ضد النساء، فنحاول فهمه وتقصي حقيقته[10].

 
أزمة الحرية الأكاديمية

لكن شيئاً فشيئاً، ولا سيما مع بدء التعريب ودخول مجموعة من الطلبة مختلفة عن سابقاتها، طلبة قادمين مباشرة من المرحلة الثانوية دون خلفية فكرية حول ماهية الجامعة والفصل الجامعي وما فيه من حرية أكاديمية تقوم على الفكر النقدي، ومنهم من اعتاد على التقليد والحفظ لا التفكير المستقل، وذلك مع إلغاء سنتي الإعداد والتحضير للطلبة، أدى كل ذلك إلى أن يصل الطلاب من البنين إلى مادة مثل المرأة في الإسلام وهم غير مستعدين نفسياً لدراسة المواضيع المعنية بالنساء بأي شكل غير تقليدي، أي كما درسوه في المدرسة أو خارج التعليم الرسمي[11]، ومن ذلك الاعتماد على مقولات من قبيل "الإسلام كرّم المرأة وكل شيء على ما يرام". أو أنهم طلبة ليس لديهم استعداد للاستماع أو التعلم، أو أن منهم من يعتقد أنه مستغنٍ عن العلم وأنه هنا لمجرد الحصول على درجة لتساعده وظيفياً، أو أنه ببساطة يعتقد أنه يعرف كل ما يمكن معرفته حول المرأة وأن أي شيء بخلاف ما يعرفه يعتبر تغريباً ودعوة لإبعاد المرأة عن دينها. كل هذه العوامل وربما غيرها تجمعت في فصل صغير جداً للبنين لم يتعد عددهم سبعة، وكان غالبيتهم ضعيف المستوى، وواحد فقط كان يكتب على دفتر بينما البقية يأتون بغير أقلام وواحد بلوح رقمي يبحث فيه عن كل كلمة أتفوه بها ليقاطع ويجادل بمناسبة وغير مناسبة. وبشكل ما كان هناك عدد متحفز من هؤلاء الطلاب لتقبل أي كلمة تخص المقرر بشكل لم يكن طبيعياً أو مقبولاً. وقد تم وضع حدود بعد مرور بعض الوقت، ولكن أكثرهم انتقاداً واستهتاراً قام بحذف المقرر بعد أن كان يأتي دون أي استعداد أو قراءة لأي كلمة من القراءات المقررة عليهم، ثم قدم شكوى ضعيفة المحتوى، لكنها تُظهر حجم التحامل الذي كان يجري في النفوس والفصل دون أي استفادة من المقرر أو محتواه. وقد تم الرد على الشكوى عبر القنوات الرسمية عن طريق عميدة كلية الآداب ثم أغلقت القضية.

 

لكن الطالب استمر في حملته بشتى الوسائل ولا سيما باستنفار أفراد في كلية الشريعة واستعدائهم على المقرر، وهؤلاء كانوا مستعدين للتحالف مع الطالب، نظراً لأن مجموعة في كلية الشريعة كانت ترى دوماً أن هذا المقرر يجب أن تُدرسه كليتها وليس قسم الشؤون الدولية، مما يُظهر حالة الاستملاك التي يعاني منها البعض في مجال العلوم الشرعية عندما يتعلق الأمر بالمرأة. ومن ثم تناقل إلى الأسماع في ربيع 2015 وعن طريق طالبات يدرسن المقرر أن هناك عريضة تُجمع لها التوقيعات من قبل مجموعة في كلية الشريعة ضد شخصي وضد المادة في تلك الكلية، مع بعض الجمل التي تصف مدرّستها بأنها خارجة عن الدين، مما يجعل الطالبات والطلبة يسرعن بالتوقيع دون نقاش.

وعلى الرغم من أن من طالباتي من تصدى لهن وواجههن بالسؤال إن كن قد أخذن أي مادة معي، إلا أن هذا لم يكن كافياً لصدّ مئات التوقيعات التي جُمعت حماسة لـ "نصرة الدين". وقد قام أحد أساتذة كلية الشريعة باستدعاء إحدى طالباتي بعد محاضرتي إلى مكتبه لسؤالها عما أدرسه لهن بشكل تجسسي، مما كان يشكل بالطبع انتهاكاً آخر يُمارس بشكل علني في الجامعة. ولسوء الحظ فإني لم أقدم فيه شكوى على الرغم من ذكر القصة للعميدة آنذاك، وذلك للقائي بهذا الأستاذ في إحدى اللجان واعتقادي بأن الأمور تمت تصفيتها نقاشاً، ولكني كنت واهمة. وانتقل الأمر بعد ذلك إلى شكوى لنائب مدير الجامعة للشؤون الأكاديمية، الذي استدعاني ليحكي لي الملاحظات ويسألني عن موقفي. وقد كانت الملاحظات التي عرضها على أبسط ما يُقال عنها أنها مردود عليها من غير أن يستدعيني ويسألني عن أي شيء. فأحدها كان عن تشبهي بالرجال في لبس الزي الحجازي الذي أرتديه، وثانيها أني أهاجم السيدة عائشة. واستدعت النقطة الثانية، رغم ذهولي، أن ألقي على الأستاذ محاضرة في المحتوى الذي أقدمه وفي استحالة هذا الأمر. وعلمت فيما بعد منه أن من تقدم بالشكوى أشخاص لم يأخذوا معي أي مقرر ولكنهم "سمعوا"، وبالتالي وجد نائب مدير الجامعة أن استدعائي "مناسب". بل إنه لمّح إلى أنني قد لا أستمر في تدريس المقرر فأنا لا أملكه وأنه سوف يُراجع. فراجعته استنادا إلى قيم الحرية الأكاديمية والتفكير النقدي الذي تعيده وتكرره الجامعة في كل رؤية وأهداف ومطالب ومخرجات، لكننا لم نصل إلى نتيجة.

وهذه المقابلة تشهد على الدرجة التي كانت تتدخل فيها إدارة الجامعة على أعلى المستويات في المقررات الدراسية وشؤون الأساتذة دون المرور حتى على رئيس القسم، مما يثير التساؤل عن الاستقلالية والحرية الأكاديمية في الجامعة.
 
وتلا ذلك تشكيل لجنة لمراجعة المقرر، مكونة في غالبها من كلية الشريعة وأستاذ واحد من قسم الشؤون الدولية، دون أن أبلغ بشكل رسمي أو غير رسمي عما يجري. وفي خريف عام 2015 وقبل بدء العام الأكاديمي بأسبوعين، تم إبلاغي عبر رئيس القسم أني لن أدرس الفصول الثلاثة لمادة المرأة في الإسلام المقررة لي آنذاك، وإنما مادة أخرى اسمها القانون والنوع الاجتماعي والتي لم يسبق لي تدريسها. فرفضت بشدة وأخذت المفاوضات وقتاً طويلاً أضاع الوقت حتى تبدأ الدراسة وأنا مصرة على أني إن لم أدرس هذا المقرر فلن أدرس شيئاً آخر. ثم تم التنازل على أن أقبل بتدريس شعبة واحدة فقط، والذي كان خياراً غير منطقياً، وكانت آخر العروض أن أدرس الشعب الثلاث لكن على شرط أن يكون ذلك تحت مراقبة تسجيل فيديو للمحاضرات. فبعد تفكير مطول في الانتهاكات التي تقوم بها جامعة قطر بهذا التصرف غير المعقول لعضوة هيئة تدريس واحدة من قسم كامل، بما يعرضها لفقدان أي اعتماد أكاديمي معتبر دون اكتراث، فقط لتوقف مادة تخص المرأة في الإسلام. ثم وجدت أن الأولوية لدي هي في إيصال هذه المادة ومحتواها إلى أكبر عدد ممكن من الطلبة والطالبات كمهمة وجودية ومبدئية، ورأيت أن التسجيل المراقب سوف يبقى لي كمستند لهذا التجاوز وأيضاً لكي أضعه ربما في يوم ما على اليوتيوب كشاهد على هذه التجربة المريرة.

ولم أدر بأن موافقتي سوف تكون مؤلمة، ففي كل درس ألقيه وأنا أشبك الميكروفون للتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام كنت أشعر بغصة وإهانة وظلم واقع عليّ. لكني استمريت وكانت الكاميرا مشغلة على شعبة واحدة وهي شعبة البنين فقط. وكنت حريصة بالمقابل على تسجيل كل المحاضرات أيضاً تسجيلا ًصوتياً للاحتياط فيما إن كانت هناك حاجة للتثبت من أي شيء أو إن كان هناك أي اتهام بأي شكل. والغريب في الأمر أن ذلك الفصل تقاطع مع مرحلة مراجعة التجديد لعقدي مع الجامعة، التجديد الذي كنت متأكدة أنه لن يكون، وحضر أحد فصولي رئيس القسم وعدد من الزملاء والزميلات الذين سجلوا إعجابهم بالمادة بعد انتهاء الفصل. النتيجة كانت أنه تم تجديد العقد لمدة ثلاث سنوات إضافية وسط دهشتي من تأكيد رئيس القسم أن كل أوراقي فوق المتوقع وممتازة وليس هناك أي حجة لعدم التجديد.

انتهى هذا الأمر، لكنه كان الفصل الأخير الذي أدرس فيه مادة المرأة في الإسلام. فعندما وصل خريف 2016 وجدت أن المادة تم تسليمها بكامل شعبها إلى زميل ذكر ليس له شأن بدراسات المرأة، بل إنه لا يؤمن حتى بعمل المرأة، ليدرسها وفق المنهج الجديد الذي ظهرت ملامحه الآن. كان المنهج عبارة عن مراجعة من تلك اللجنة التي أعطت رأيها في مفردات المقرر الذي وضعتُه، وطعنوا فيها بشكل واسع، ثم وضعوا بديلاً ينقضه تماماً، فيما يمكن أن يطلق عليه بعملية احتلال للمقرر بمباركة إدارة الجامعة وبشكل إملائي لإعادة المرأة إلى موقعها في البيت. بل إن بقية المواد الخاصة بالمرأة كانت تتجه شيئاً فشيئاً إلى التلاشي. وهذا ما جرى بعد أن لم يتم التجديد للزميلة الدكتورة إصلاح/حسنية جاد، التي كانت تشاركني في تدريس المادة بالإضافة إلى مواد النوع الاجتماعي، كما أن المنصب الذي فرغ بذهابها لم يتم تعويضه بمسمى يتناسب مع التخصص المطلوب. ولم يعد بالإمكان الاعتراض على هذه القرارات التي أصبحت تأتي من مكتب نائب مدير الجامعة للشؤون الأكاديمية متخطياً بها رئيس القسم والعميد حتى يصل إلى اتخاذ قرار يتصل بمادة من مواد أحد أقسام كلية الآداب والعلوم. وبوصولنا إلى خريف 2017 تم إيقاف أي مواد تدريسية لي خلال ذلك العام وتحويلي إلى مركز دراسات الخليج لتولي مهام إدارية لم تدخل حيّز التنفيذ.



تقاطع الجامعة والمجتمع/وسائل التواصل الاجتماعي

في نفس هذه الفترة، فقد تقاطعت الجامعة والمجتمع من خلال قضية مثيرة للجدل والتحليل كنت طرفاً فيها، وذلك حين بادرت رئيسة نادي المناظرات، وهي إحدى طالباتي السابقات، بأن عرضت على ترتيب مناظرة حول المرأة في الإسلام مع أحد أعضاء هيئة التدريس في كلية الشريعة هو الدكتور نايف بن نهار، عميد الدراسات العليا في الكلية. وبعد التفكير في الأمر وافقت على أن نضع المحاور ويتم التفاهم مع الدكتور، لكني ترددت طويلاً وأنا أزن الأمر الذي لم يكن يبدو أنه في صالح جلسة حيادية، فحولنا مسمى المناظرة إلى جلسة نقاشية، ودخل النادي في مناقشات مطولة مع الجامعة حتى يحصلوا على الموافقة ولذلك كان من الحرج أن أرفض بعد كل هذا.
 
في هذه الأثناء وقع حدث آخر وهو نشر طالبتين من طالبات الجامعة إحداهن رئيسة نادي المناظرات، وهي من قسم الشؤون الدولية، والأخرى من كلية القانون، لمقال عن المرأة القطرية بعنوان: هل تعاني المرأة القطرية من مشاكل حقوقية؟[12] تتحدث الطالبتان في المقال عن الجوانب التي ما زالت تمنع المرأة القطرية من الحصول على مساواتها المستحقة بموجب الدستور، سواء في الجانب القانوني أو السياسي أو الاجتماعي، وهي قضايا معروفة وتُدرس في الجامعة بشكل أو بآخر وبحوثها منشورة. ولكن لسبب ما شُنت حملة في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" على الفتاتين تتهمانهما بالخروج عن الصف والتجني على المرأة القطرية وأشياء أخرى، فلجأن إلي يسألن ما إن كنت قد اطلعت على ما يجري في "تويتر" ولم أكن. فما كان مني إلا أن دخلت ذلك اليوم من نوفمبر على الموقع الاجتماعي وشاهدت ما يجري وكتبت تغريدة أحييهما فيها وأعبر عن اعتزازي بهن وكتابتهن دراسة ملتزمة بالمنهجية الأكاديمية الموثقة، وإذا بالهجوم يحتدم مرة ثانية ويأخذ له وجهة مختلفة وهي اتهامي بأني وراء هذا المقال ووراء دفع الطالبات لكتابته إن لم أكن أنا من كتبته. وانبرى كل من له اسم ومن ليس له اسم إلى المشاركة في وسم تحول من مهاجمة الفتيات القطريات إلى المطالبة بطردي من جامعة قطر، في وسم شديد الإسفاف شارك فيه قطاع من الشارع بعلم وبدون علم بشكل مؤسف جداً. وتداخل الأمر مع موضوع المناظرة التي كان الترتيب لها قد سبق قضية "تويتر" بشهر تقريباً، وما إن أرسلتُ إعلاناً لطلابي وطالباتي فإذا بخبر يصلني منهم بأن رئيس الجامعة قد أعلن على "تويتر"[13] عن تأجيل عقد المناظرة/الجلسة النقاشية إلى أجل غير مسمى. وقد كان هذا حدثاً مستغرباً أثار الكثير من علامات الاستفهام حول مهنية التصرف والقرار الذي أتى من أعلى منصب في الجامعة لمناظرة طلابية وعلى منصة تواصل اجتماعي عامة، ولم يكن هناك مقابلها أي إعلان على موقع الجامعة أو على برودكاست الجامعة أو بريدها الإلكتروني، ولم يتم التواصل مع أي من الأطراف رسمياً.

واقترن بقضية المناظرة والهجوم على المرأة في الإسلام قضية سعودية داخلية تكشف حالة الفوضى التويترية وتناقل المعلومات والأحكام المسبقة. فعند مقابلة لي مع رئيس الجامعة، وجدته يسألني عن "الإسورة" فلم أفهم ماذا يعني بذلك نظراً لأني لم أكن أتابع النقاشات في تويتر ذلك الأسبوع ولم أعرف ما القصص الجديدة التي لُفقت علي. ففهمت أن هناك حملة أخرى ضدي تتهمني بأني أوزع على الطالبات أساور تحرّض البنات على أولياء أمورهن. ليتضح أن تويتر يتناقل تغريدة لإحدى الزميلات ومحاضرة في كلية التربية، التي تشكرني على إهدائها إسورة تمثل حملة تشارك فيها آلاف النساء في السعودية تطالب بأن تُرفع الولاية عن المرأة العاقلة الراشدة وأن تُعطى كامل أهليتها التي منحها لها الإسلام، وهي حملة لها سياقها الخاص ضمن قوانين تعاني منها النساء في السعودية لا في قطر، وأن هذه أسورة رمزية وشأن سعودي داخلي وقد استجاب الملك سلمان لها بقرار أعلن عنه في 5/5/2017 وما زالت النساء تطالبن بإتمام الاستجابة للمطالب. فبهت رئيس الجامعة عندما سمع تفاصيل القصة وأن المغردة ليست طالبة وإنما أستاذة في الجامعة، لكنه لم يفعل شيئاً ولم يوجه بأي إجراء لتوضيح الملابسات على الرغم من أن كلتينا عضوات في هيئة تدريس الجامعة التي يديرها والهجوم القائم علينا آنذاك هو هجوم يتناول جامعة قطر بالتحديد.

بعد أن أدركتُ أن الجامعة تريد شراء الوقت فقط، قبلت عدداً من المقابلات الصحفية مثل صحيفة دوحة نيوز Doha News الإلكترونية وصحيفة مكة والعرب نيوز والناشونال والفنار نيوز الذي نشر مقابلة مطولة باللغتين[14]. أما المقابلة التي أجرتها معي الراية فلم تُنشر حتى كتابة هذه السطور. والمؤسف أن دوحة نيوز تم حجبها بعد نشرها لمقالة لي بالإضافة لتحقيقات أخرى قاموا بها، في انتهاك واضح وصريح لحرية الصحافة.

وكنت حريصة على عدم استفزاز الجامعة من جانب وعدم تضرر أحد لوقوفه معي، من جانب آخر، فلم أقبل مناظرات دعيتُ لها في جامعة جورجتاون آنذاك وغيرها من الكليات. وأوقفت جمع بعض الطالبات توقيعات لدعمي وأجلت الحديث مع عدد من الجهات الحقوقية الأكاديمية التي عبرت عن رغبتها في مراسلة جامعة قطر والمطالبة باحترام الحرية الأكاديمية وإنصافي، طالبة منهم التمهل حتى أعرف موقف الجامعة بالتحديد. وحاولت جهة محلية أخرى أن تكتب خطاباً موجهاً لرئيس الجامعة أو لرئيس مجلس إدارة أمنائها موقعاً من لجنة خاصة كانت تشكلت في جامعة حمد لوضع برنامجي ماجستير يخصان المرأة والدراسات الإنسانية الرقمية، وقد كنت ضمن لجنة تشكيل البرنامجين. فتبنت رئيسة اللجنة وعميدة كلية الدراسات الاجتماعية والإنسانية، الدكتورة أمل المالكي، مشكورةً أمر الوقوف في صفي والتعبير عن رفض اللجنة لما أتعرض له من هجوم غير مبرر من بالبعض في المجتمع في ظل صمت جامعة قطر وتضييقها عليّ وانتهاكها للحرية الأكاديمية. وتمت صياغة الخطاب وسط استجابة من الأعضاء الذين يمثلون كل المؤسسات الأكاديمية القطرية بالإضافة إلى بعض الجامعات الأوروبية والأمريكية، لكن هذا الخطاب لم يرَ النور، نظراً لتخوف الأعضاء من التوقيع. وقد كانوا يفضلون أن تكون عريضة مفتوحة على الإنترنت لإتاحة جمع التواقيع من الخارج أيضاً، لكن هذا الطريق كان محفوفاً بالمخاطر كذلك، نظراً لأنه يمكن أن يستعدي الجامعة عليّ وهي التي لم توجه لي أي أمر رسمي سواء فيما يخص عملي أو تدريسي. وجامعة قطر كانت تراود نفسها باتجاه منعي من التدريس أو تدريس البنين دون البنات، حتى فُصل الأمر بعد الاجتماع مع العميد وقررت الجامعة أن أدرّس الجنسين كما المعتاد، وكان ذلك في ربيع 2017. وقد أكملت العام بتدريس مادة دراسات الخليج للبنين والبنات.



جامعة حمد بن خليفة
 
وعلى مستوى إشكالية الحرية الأكاديمية والتداخل في استقلالية الجامعات في قطر، ننتقل من جامعة قطر إلى مؤسسة قطر وجامعاتها، ولي مع جامعة حمد بن خليفة الموقف التالي الذي يحمل دلالات كثيرة. فقد كان من المقرر مع دخول شهر مارس أن تُعقد جلسة تدشين لبرنامج المرأة، أتحدث فيها مع خمس من الزميلات عضوات اللجنة حول الموضوع، فإذا بجهات عليا في جامعة حمد بن خليفة تطلب مني الاعتذار عن المشاركة على الرغم من أنه تم الإعلان عنها. فتفاقمت الأمور باعتذار الدكتورة أميرة سنبل، المتحدثة الرئيسية، ورفضها لعقد هذا اللقاء، الذي يقوم على استبعاد إحدى عضوات هذا اللقاء الأكاديمي البحت والذي لا يُقبل فيه بالتدخل الإداري وتقويض النزاهة العلمية والحرية الأكاديمية لأي من أعضائه. فكان في طلب الاعتذار هذا وما يترتب عليه من تدخل في الشأن الأكاديمي البحت صدمة على كافة المستويات، أظهرت للعيان أن مؤسسة قطر لم تكن أكثر استقلاليةً عن الضغط الاجتماعي من جامعة قطر، وأن التقاليد الأكاديمية التي تعرفها جامعات العالم والمبنية على الاستقلالية العلمية واحترام الحرية الأكاديمية وحرية التعبير تفتقد إليها أيضاً مؤسسات قطر الأكاديمية الأخرى سواء كانت الجامعة حكومية أو خاصة، خاصةً فيما يتعلق بقضايا المرأة.

وكان لهذه القضية فصل آخر في شهر مارس أيضاً من عام 2017 عندما وافقتُ على دعوة ناديين طلابيين من نوادي جامعة جورجتاون، وهما نادي الهلال الطلابي وجمعية تنمية المجتمع، لاستضافتي من أجل إلقاء محاضرة حول "الولاية على المرأة في الخليج". فوجدت أنه من المناسب الآن أن أقبل هذه الدعوة وقد انتظرتُ رد فعل جامعة قطر طويلاً دون جدوى. وقد قَصَرتُ المحاضرة على الحديث عن "الولاية على المرأة في المملكة العربية السعودية"، باعتبارها السياق الذي يمكنني الحديث من خلاله بحرية، باعتباره يمس حق من حقوقي وكوني تناولته وما زلت أتناوله باستمرار في الصحافة السعودية. أرفقت محاضرتي بعرض للشرائح الإلكترونية على "الباوربوينت" أوضحت فيه الفصل بين أمر الولاية في القرآن والإسلام وبين الولاية في الفقه وفي الأنظمة السعودية التي تتطلب التغيير. وكيف أن ما يجري على الأرض اليوم لا صلة له بالإسلام، بل هو تشويه لديننا وظلم للمرأة المسلمة. وبعد ذلك تلقيت الأسئلة بكل رحابة صدر على الرغم من تهجم مجموعة من الحاضرات اللاتي حضرن قبل بدء المحاضرة بفترة طويلة وقمن بالتشويش، إلا أني تحملت سوء مداخلاتهن، وانتهت فترة الأسئلة والأجوبة بتصفيق طويل من قبل الجمهور الذي كان اشتمل على طلاب وأعضاء هيئة التدريس من جامعة جورجتاون وجامعة قطر. وتم تصوير المحاضرة بالكامل ورفعها على اليوتيوب.

كانت ردة الفعل إيجابية في اليوم الأول، لكن ما لبث تويتر بعد ذلك أن انقلب مرة أخرى، حيث قام البعض بنشر صور من المحاضرة وإرفاقها بعبارات خارجة عن السياق مما لم أقل. وتم تداول الصور بشكل منظم ومشوّه للأفكار على وسائل التواصل الاجتماعي. لم يكن هذا الأمر مهماً قدر ما كنت بانتظار أن تنشر جورجتاون المحاضرة على الشبكة العنكبوتية، لكنها تأخرت لمدة شهر كامل، اضطررت بعدها إلى نشر المحاضرة على قناتي الشخصية على اليوتيوب بعد أن أرسلتها لي الطالبات مشكورات[15]. ولم تنشر الجامعة المحاضرة حتى اليوم، مما يثير الكثير من الشكوك.

الغريب في الأمر كان ردة فعل جامعة قطر، التي قامت فور احتدام الجولة الثانية من الهجوم التويتري بتنسيق اجتماع يجمعني بعميد الكلية ووكيل الجامعة الجديد للشؤون الأكاديمية. وكان الغرض من اللقاء إبلاغي وجهاً لوجه عن رغبة الجامعة في إنهاء علاقتها بي، دون مبرر أو تفسير يذكر سوى أن هذا هو موقف الجامعة وأن للمسؤولين حق التصرف بناء عليه وفق مصلحة الجامعة. وتلا ذلك اجتماع مع قسم الموارد البشرية ليقترحوا الاستقالة عليّ. وتخلل هذه الفترة الكثير من التداعيات سواء داخل الجامعة أو خارجها، ومنها ما وصل إلى أبنائي في مدرستهم، لكن الجامعة لم توثق أي شيء كتابياً. فرفضتُ الاستقالة وطلبت تعويضاً كبيراً (بعد استشارة أكثر من محام) عن الضرر المهني الأكاديمي وضرر السمعة والضرر النفسي الذي أصابني وأصاب أسرتي جراء نأي الجامعة بنفسها عن حمايتي وعدم التزامها بميثاق النزاهة الجامعي الذي أصدرته في ديسمبر من عام 2016، فضلاً عن اللغط والهجوم الذي تعرضت له. لكن الجامعة لم تستجب لمطالباتي، كما لم يتم اتخاذ أي قرار بشأني سوى عدم نزول مقررات للتدريس في خريف 2017.



أزمة جديدة

انعقد اجتماعي مع رئيس الجامعة في يونيو 2017 (بعد انتهاء الفصل الدراسي) بالتزامن مع بداية أزمة أخرى، وهي أزمة العلاقات القطرية الخليجية، خاصة مع السعودية، والتي على إثرها تم قطع العلاقات وسحب السفراء وإغلاق الحدود وطلب عودة الرعايا.

لكن الاجتماع مع رئيس الجامعة أخذ بعداً آخر، فقد اعتذر عما جرى معي وعن طلب إنهاء العلاقة، وأضاف أنه كان مجرد سوء فهم من قبل وكيل الجامعة الذي كان قد استبدل في تلك الأثناء بوكيل أكاديمي جديد. وقال بأن المقصود كان الإيقاف المؤقت عن التدريس لتجنب أي مواجهات جديدة مع الطلبة، على أن يتم تحويلي إلى قسم بحوث آخر، إما دراسات الخليج أو الدراسات الاجتماعية والإنسانية. وبناء عليه لم أدقق كثيراً في أمر التدريس أو الانتقال، نظراً لأني وجدت أن الاعتذار في حد ذاته يحل جزءاً كبيراً من الأزمة التي كانت قائمة ويعني تراجع الجامعة عن قراراتها غير المهنية. وإن كان النقل المزمع يشكل هو الآخر إشكالية أخرى، إلا أني لم أكن في صدد مناقشته في ذلك الحين، سيما وأن الوضع السعودي القطري كان يلقي بظلاله على الموقف. وقد أكدتُ لرئيس الجامعة أني لا أعتقد أن الأزمة ستطول.
 
خلال الصيف وصلنا تعميم من إدارة الجوازات السعودية بالسماح للمواطنين السعوديين العاملين بدولة قطر ولديهم إقامة هناك أو بطاقة عمل بالمرور عبر منافذ المملكة، ومثلهم طلبة الجامعة القطريين والسعوديين، فلهم حرية التنقل عبر الحدود. لكن فترة الخريف مضت من غير تدريس واستمرت الأزمة القطرية السعودية. وعلى مستوى جامعة قطر، فقد كان الوضع غير مريح حيث تخلله موقف تهجمي على شخصي في قلب الحرم الجامعي وفي مسرح مكتبة الجامعة وأمام ملأ من الطالبات وضيوف الجامعة من الروائيين العرب، قامت به دكتورة من قسم اللغة العربية على الميكروفون ولم تتخذ الجامعة أي إجراء بمحاسبتها أو إيقافها على الرغم من إبلاغي لرئيس الجامعة بالأمر على الفور.

انتهى الأمر في نوفمبر بقرار نقلي إلى مركز دراسات الخليج، الأمر الذي لم يتم نظراً لأنه ألحق باجتماع وكيل الجامعة للشؤون المالية والإدارية ليطلب مني مرة أخرى إنهاء العقد بالتراضي. ودخلنا في مفاوضات طويلة تحاول الجامعة من خلالها الخروج من العقد بأقل الخسائر وبالضغط علي عبر الوعود بتحويل الموضوع إلى الشؤون القانونية أو المحاكم القطرية إن لم أستجب. وعلى الرغم من استعراض أمر انتهاكات الحرية الأكاديمية التي قامت بها الجامعة على مدى العامين الماضيين لإحدى عضوات هيئة التدريس المنسوبات إلى جامعة قطر، وعلى الرغم من التذكير بميثاق النزاهة الجامعي المنتهك ولفت الانتباه إلى ما قامت به إحدى عضوات هيئة تدريس الجامعة في الحرم الجامعي من تهجم على شخصي دون أي محاسبة أو إجراء عقابي أو وقائي من قبل الجامعة. كما لم يشفع لي سجلي المشرف في الجامعة، الذي سمح لي بتدريس المئات من الطلبة والطالبات المتميزين وتطوير مهاراتهم وقدراتهم، ولا التقييم العالي لأدائي من قبل رؤساء قسمي، فلم يؤدي أي من ذلك إلى أن تنهي الجامعة تعاملها معي بمهنية حقيقية.

وقد أدت الأزمة السياسية القطرية-الخليجية إلى أن تنجو الجامعة من المحاسبة المباشرة، كما أضعفت الأزمة الفرص في الحصول على محاكمة عادلة في حال ارتأيت مقاضاة الجامعة، فقررتُ أن أغلق الملف وأقبل بما عرِض علي، على أن أرفع قضية بعد ذلك وفق ما تسمح به الظروف، لكن القضية لم تنته وعادت الجامعة إلى المفاوضة لتخرج بأقل الخسائر وما زال الأمر معلقاً حتى كتابة هذه السطور.



تحليل التجربة

إن القصة التي فصلت روايتها أعلاه إنما كانت بغرض تقديم شهادة حول التعليم العالي في إحدى دول الخليج، وكيف تتقاطع المؤسسات الرسمية الحكومية مع المؤسسات الأكاديمية العلمية في تداخل للسلطات، سواء في مؤسسات الدولة الواقعة خارج المؤسسة الأكاديمية التي تتدخل في سياسات الجامعة وتملي عليها من الأوامر الشيء الكثير، أو في تداخل مستويات الجامعة الإدارية ببعضها البعض، فترى رئاسة الجامعة لنفسها الحق في اتصالها وتدخلها في شؤون الأقسام أو أعضاء هيئة التدريس مباشرة، دون المرور بالتراتبية الإدارية، إي بالعمادة أو برئيس القسم. فينتفي بذلك وجود استقلالية علمية أو أكاديمية شاملة لدى الأقسام أو العمادات أو الأساتذة، ويردّ سلباً على أي تطلعات إلى الاعتماد الأكاديمي من مؤسسات الاعتماد المرموقة، فالجامعة تمارس انتهاكاً للحرية الأكاديمية بشكل مؤسسي ممنهج. وحق الأستاذ/ة الجامعي/ة يضيع بسهولة لمجرد شكوى ذات صبغة دينية تم ربطها بالعادات والتقاليد. يؤكد ذلك سعد الصويان، أستاذ الأنثروبولوجيا السعودي في جامعة الملك سعود، حين يقول أن "التعليم الجامعي تعتريه مشاكل تتجاوز المقررات والنشر إلى مضايقات أخرى منها أنه يمكن لطالب "تقديم شكوى ضدك بناء على دوافع دينية" تليها رسائل وإنذارات وإشعارات[16]. ولم يسلم من هذا النوع من الاتهامات عدد من أساتذة الجامعات في السعودية، أورد على سبيل المثال الكاتبة والأكاديمية في جامعة الملك سعود، الدكتورة فوزية أبو خالد التي منعت من التدريس لمدة عشر سنوات منذ نهاية الثمانينات[17]، والكاتب الأكاديمي محمد علي المحمود الذي أوقفته جامعة القصيم عن التدريس عام 2007 وأحالته إلى عمل إداري نظراً لآرائه التي تطالب بعقلنة الخطاب الديني، ويتناول في هذا الخصوص وضع المرأة كذلك[18]. وغيره ممن أشار إليهم باقر النجار في دراسته حول الديمقراطية العصية في الخليج، ومن ذلك تعرض العديد من التيارات الفكرية الأدبية الحديثة لمضايقات المؤسسة الدينية السلفية التي تعمد أحياناً إلى الضغط على مؤسسة الدولة لتسريح المحسوبين على تلك التيارات من أعمالهم في الجامعات السعودية[19]. وفي البحرين أوقفت الدكتورة منيرة فخرو من التدريس عام 1994 عقب التوقيع على وثيقة الدستور ورفض سحبها[20]، وقامت الإمارات بشيء شبيه لأحد أعضاء هيئة تدريس جامعة الشارقة الحكومية[21]، وجامعة نيويورك أبوظبي الأمريكية، للاختلاف السياسي معهم[22]. ومصادرة الحرية الأكاديمية تأخذ أشكالاً مختلفة وأسباباً شتى تشترك في كونها تنبع من خوف جهات سلطوية ما من تبعات الناتج الأكاديمي والمعرفي على سلطتها أو مكانتها، أو توجس سياسي أو ديني طائفي وغير ذلك.

ويبدو أن الهشاشة هي مشكلة الكثير من الجامعات الخليجية ومنها جامعة قطر، وذلك عندما يتعلق الأمر باستقلاليتها أو اتخاذها للقرارات الريادية التي تنم عن مبادرة وتغيير اجتماعي حقيقي. كما تمثل هذه الحالة بشكل أوسع صورة من صور صراع الدولة غير مكتملة الحداثة[23] على ثلاثة أوجه: أولها صراعها مع المجتمع العميق، والمجتمع العميق قد يحمل معنى إيجابياً للتعبير عن وعي ونضج المجتمع، لكنه أيضاً قد يحمل معنى عمق طبقاته وتعقيد تقاليده التي يمكنها أن تمتص أي محاولة للتغيير الاجتماعي أو التطور، "فيمكن للمجتمع في لحظات ارتداده أن يستعيد من تلك الطبقات أشكال الوعي الزائفة والمعيقة للتقدم كونها منتسبة لفترات زمنية ولت وفقدت مشروعيتها التاريخية"[24]. وهو صراع يتطلب مقومات قيادية وفكرية يمكنها أن تصمد أمامه. فنجد أن القوى المحافظة الاجتماعية والدينية تبدو وكأنها الأقوى في مقاومة التغيير لاسيما إن كانت مدعومة سياسياً، من خلال منابرها التي توافق الدولة على توظيفها عندما تجد في ذلك مصلحة لها، ومن خلال موروثها الذي يمكّنها من أن تعيد تلوينه وإنتاجه بلا كلل أو ملل طالما كانت القوة السياسية ترى ضرورة بقائه. إن موروث القوى المحافظة مرتبط برغبة الدولة في بقائه ولكن الأخيرة تقرر أيضاً متى ينتهي دوره، أي أنه ليس حتمي البقاء ولا قادر على البقاء بذاته وإنما بدعم الدولة له.[25]

والوجه الثاني هو صراع هذه الدولة (غير مكتملة الحداثة) مع الجانب الآخر من المجتمع العميق، وهو ذلك الذي يريد أن يكون له رأي ودور في إدارة الدولة وسياستها لكنه يجد نفسه محاصراً سياسياً وربما قانونياً بكل آليات الدولة. ومن خلال تاريخ التجربة في السعودية فإن الدولة في غير مكان في الخليج، تمارس بعض الأدوار التي أصبحت معروفة مثل محاولة إقناع النساء بأن المجتمع هو الذي يحول دون حصولهن على هذا الحق أو ذاك، بينما يتضح بعد اختبار كل المحاولات والاحتمالات أن المجتمع ليس لديه أي مانع بل إنه أكثر تقدمية من الدولة ولكن الأخيرة هي من تقف وتمنع وتقرر ثم تسمح أو ترفض. وقد اكتشفت النساء مبكراً هذه الآليات وتصدين لها، لكن من بيده القرار السياسي كان الأقوى في فرض الرواية الأخيرة. وهذا يعني أن الدولة هي من يملك كافة المفاصل، الاجتماعية والدينية والسياسية. وثالثها صراع هذه الدولة مع مفاهيم الدولة الحديثة التي تمثل لها تهديداً كالحرية والديمقراطية والاستقلالية. وتمثل الجامعات النموذج الصريح لهذا التهديد، ولأجل ذلك عمدت الدول على ربط أهداف الجامعات بأهداف السلطة والمحافظة على مصالحها، وفقاً لتحليل عبدالهادي العجمي، الذي يرى أن الدولة عندما تقوم بهذا الربط فإنها تسمح بتمرير ما قد يكون له طابع الحرية الأكاديمية إنما يجري السيطرة عليه بمجرد أن يعلو صوته، فتعمد الدولة عند ذاك إلى أحد خيارين، المنع والتضييق وتشريع القوانين الرقابية والضوابط الإدارية لشرعنة الرقابة وتقنين كل ما يتعارض مع أهداف السلطة وتوجهاتها، أو:

الاحتواء[26]. ويستطرد العجمي في رسم صورة من يخرج عن هاذين الخيارين وكيف تصبح محاولة التعبير الحر هي محاولة لضرب نسيج اللحمة الوطنية وغيرها من التهم المقولبة التي تهدد الأكاديمي في احتمالات ترقيته ورزقه ومستقبله وتحيله على جهات أمنية يصعب التجاذب معها[27].

 وإذا أردنا أن ننتقل إلى مستوى آخر من التحليل والبحث يتجاوز العلاقة بالشأن النسوي، فإننا سنجد أن رؤية قطر 2030 وغيرها من الخطط الاستراتيجية لتمكين المرأة، والتي شهدت وصول النساء إلى مراكز قيادية نوعية، كرئاسة الجامعة الوطنية الحكومية الوحيدة لمدة 12 سنة ممثلة في الدكتورة شيخة المسند، وتولي عمادة كلية الآداب والعلوم لعدد من الولايات من قبل قيادات نسائية ما بين سهام قرضاوي وإيمان مصطفوي ومثلها كلية التربية مع حصة صادق. ولكن اللافت كان في كلية الشريعة التي تولت عمادتها امرأة لمدة تسع سنوات ممثلة في الدكتورة عائشة المناعي (عضوة مجلس الشورى القطري الآن)، كسرت خلالها قطر كثيراً من المحرمات وفتحت الباب على مصراعيه لقيادة المرأة والدراسة والتخصص دون أي حواجز أو موانع. وتم التخفيف على مسألة الفصل الكامل بين الجنسين في الجامعة بفتح الأبواب الفاصلة بين قسمي الجامعة وترك المسألة للثقة في الطلبة ابتداء من العام الدراسي 2006-2007، وتقاطعت هذه الفترة مع بروز الشيخة موزا المسند كمؤيدة ومناصرة لتعليم مختلف وحضور نسائي مختلف والبدء في مبادرة "صلتك" وغيرها من المبادرات التعليمية التي تستهدف الشباب. وشهدت تلك الفترة أيضاً نجاح تأسيس قسم الشؤون الدولية برئاسة الدكتورة أميرة سنبل بشكله المختلف ذي الرؤية التمكينية معرفياً ومهنياً، وبما احتواه في خطته الدراسية من مواد جديدة في موضوعها وتركيزها، مثل مواد النوع الاجتماعي التي كان مقرر "المرأة في الإسلام" من بينها.

ويرى باقر النجار "أن الباحث في منطقة الخليج العربي لا يستطيع أن ينكر حقيقة أن موقف الأنظمة السياسية فيما يتعلق بالمرأة ومشاركتها في إدارة الدولة قد أصابه قدر كبير من التحول خلال العقد ونيف الماضيين، وأنها باتت متقدمة من هذه الناحية على الكثير من القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية كما في الحالتين الكويتية والقطرية، إلا أنها في موقفها من المرأة تبقى متأثرة بالسياق الثقافي السائد كما بالقوى والجماعات ذات القوة والنفوذ في المجتمع"[28]. ويلاحظ هنا أن المجتمع القطري على الرغم من محافظة جزء كبير منه، فإنه قد بدأ مبكراً في عملية إشراك المرأة في عملية إدارة الدولة بقرار من النظام السياسي، وهو ما وصف بـ "النسوية الحكومية".

لكن دعم النسوية الحكومية ليس كافياً لإحداث النقلة التغييرية للمجتمع، فنرى في هذه القضية كيف تتداخل في موضوع المرأة قضية الأبوية التي تمارسها المؤسسات الأكاديمية، بعد أن يتغير من في السلطة أيضاً. ففي حين استطاع النظام الأبوي أن يتقبل الحضور النسائي لفترة معينة، عندما كان مدعوما ًمن نسوية الدولة الحكومية، نجد أنه تهاوى بمجرد انتهاء ولاية من في السلطة أو مجرد أن تغيرت أولوياته بحيث لم يعد دعم المرأة على رأس القائمة، وبذلك ترتد المكونات المحافظة إلى الواجهة في رسم العلاقات وتحديد مواقع القوى، أو تعود الدولة بدورها لممارسة أدوارها التقليدية في استخدام المجتمع ومكوناته للسيطرة عليه موهمة أفراده بأن ذلك المجتمع هو الرافض للتغير ولتمكين المرأة. فعلى سبيل المثال نرى في حال جامعة قطر كيف زحفت الأبوية على جامعة وطنية تمثل النساء فيها نسبة تفوق 77% من الطالبات، في حين أن نسبة عضوات هيئة التدريس ما زالت دون الحد المناسب مقارنة بنسبة الطالبات[29]. ثم تم تغيير رئيسة الجامعة (بعد حوالي 12 عاماً من الخدمة) إلى رئيس في صيف 2015 وذلك بعد تغييرات جذرية في أعلى هرم الدولة. وبعدها بعام تم استبدال كل من عميدتي الآداب والتربية برجال، فتم بذلك تغييب النساء عن كل العمادات وقيادات الجامعة. وآخر المظاهر الارتدادية كان إغلاق الباب الذي يفصل البنات عن البنين بسلسلة حديدية وبوضع حارسة في غرفة رديفة له بلوحة تحذر من الدخول لغير المصرح لهم ولهن، فضلاً عن سد العديد من الممرات والبوابات الصغيرة التي كانت تفتح بين الجهتين تدريجياً ابتداء من خريف 2015. كما بدأت التعميمات تنتشر حول الزي اللائق وغير اللائق، والتدخل في المواد وكيفية تدريسها وفي استكثار عدد المقررات الخاصة بالمرأة والاعتراض عليها، ثم الانتقال إلى مادة المرأة في الإسلام واستهدافها بشكل خاص بتشكيل لجنة من كلية الشريعة لمراجعة المفردات والتوصيف وتقترح مفردات جديدة ليقوم بعد ذلك أستاذ رجل بتدريسها.

ويرجح أن قيادة هذه المؤسسات الأكاديمية تعتمد في اتخاذ بعض قراراتها على بعض المؤسسات التقليدية غير الرسمية مثل المجالس أو الدواوين التي يمكن أن تدخل في زمرة التضامنيات التقليدية، وهي التي يجتمع فيها بعض المسؤولين من خلفيات ثقافية واجتماعية وقبلية مختلفة ويمارسون تبادل المعلومة واتخاذ القرار بعيداً عن القنوات الرسمية ومحاضر الجامعات والمنهجية العلمية المتوقعة من تقاليد المؤسسات الأكاديمية. وموضوع الركون إلى مؤسسة المجلس تدور بشكل كبير في الخلفيات الاجتماعية وتحاول تحديث دورها بشكل ما، وقد أُنجِزَت بشأنها بعض الدراسات الأولية[30]، لكن من الصعوبة بمكان ضبط ما يجري في هذه المجالس أو تقديره، فهي من جهة مكان مغلق على فئة معينة وربما طبقة معينة تقع غالباً في البيوت أو ملاحقها، ومن جهة أخرى يصعب وصف أنشطتها بالشفافة، مع مراعاة أن الأمر نسبي بين مجلس وآخر. لكن بصورة عامة فإن هذه المجالس شكلت كما يبدو وحدات لتجميع أفكار ورؤى معينة منها ما يعتبر مولداً للرأي العام ومنها ما يولد أحكاماً مسبقة تجاه أوضاع المجتمع ومؤسساته المختلفة والتي تتصل في تغذيتها بالمعلومة والرأي بشكل كبير بقنوات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها "تويتر" فضلاً عن "الواتساب" للتنظيم المغلق، القنوات التي باتت تعتبر مؤخراً مصدراً رئيسياً للمعلومة وتكوين الرأي في المجتمعات الخليجية بشكل عام وقطر بشكل خاص. ويرى باقر النجار أن "الكثير من التوجهات المحلية، فيما يتعلق بالتعليم أو غيره، ونتيجة لطبيعة المجتمع ومرحلته الانتقالية، من المرحلة التقليدية إلى الحداثة والعصرية، قد يتشكل من مقالة صحافية أو سماع خبر أو خطبة لإمام مسجد، أو قول مغرض أو حديث وشاة أو رأي أو تجربة في أحد الأقطار الشقيقة أو الصديقة"[31].

وترى بعض الدارسات أن الدولة في الخليج تحاول أن تحصر خيال النساء بين دورين، الغربي و التقليدي[32]، ويُعد الأول مرفوضاً اجتماعياً حتى وإن كان ممارساً بحكم التغير الثقافي القائم في الخليج. إلا أن الدور التقليدي هو ما تروج له الدولة في صورة حديثة، وإن جزءاً من الصورة التي تعمم حول المرأة هي صورة "أمهات الوطن" اللاتي يتحملن عبء المحافظة على التقاليد من خلال هيكل الأسرة، التي بدورها تساهم في بناء الهوية الخليجية[33]. في حين أن ما تحاول مواد النوع الاجتماعي، لا سيما "المرأة في الإسلام"، أن تقدمه هو دور ثالث غائب عن المخيلة وربما غير مرحب به، ألا وهو التمكين الديني الذي يدفع المرأة للعمل والازدهار والمشاركة في عالم اليوم، عبر إشراكها في إنتاج القراءة الدينية والمعرفة الخاصة بها.
 
لكن يبقى السؤال هل استطاع تدريس مواد النوع الاجتماعي والمرأة ودورها وموقعها من الإسلام في استعادة إنتاج المعرفة في مجال الدراسات الإسلامية؟

كما رأينا فقد اتضح أن موضوع إنتاج المعرفة الدينية كان وما زال من المواضيع الحساسة والتي غالباً ما تُصرف المرأة عن الدخول إليها، وقد كتب فيها خالد أبوالفضل موسعاً في كتابه التحدث باسم الله: القانون الإسلامي والسلطة والمرأة[34] وفيه يكشف الغطاء عن الصراع والتهميش الممنهج الذي تعاني منه المرأة في فضاء السلطة الدينية والمشاركة في الاجتهاد والإنتاج المعرفي، وكيف أن هذا التهميش مقصود لذاته في استمراريةٍ نمطيةٍ لمنهج الأبوية في إنتاج الفقه الإسلامي. وفي الوقت نفسه يكشف الكتاب إلى أي درجة يقوم الفقه الإسلامي على التعددية والانفتاح على الثقافات عبر التاريخ والمرونة في التحرك في فضاء المكان والزمان مما يحاول كثير من الفقهاء اليوم إخفاءه. وتفصّل زيبا مير حسيني في هذه النقطة التي تُبعَد فيها النساء اجتماعياً عن إنتاج المعرفة في الإسلام، وتُسكت عن طريق استدعاء النصوص الفقهية البشرية الأبوية لإحباط مساعي الحصول على العدل الدنيوي، والتي تُعتبر نقطة التحدي في تمكين النساء في الإسلام[35]. وترى واندا كراوزى في دراستها حول تمكين المرأة السياسي في الخليج وخاصة في أربع دول (الإمارات، الكويت، عمان، قطر) بأن المجتمع يعمد إلى تكثيف التوجيه الدعوي للنساء نحو مواضيع بعينها تدور في إطار الاهتمام بالبيت وبالزينة والبعد عن السياسة والجدال فيها، وترى أن النظام السياسي يعمل على بناء وعي بين النساء قائماً على تثبيت مفهوم "طبيعة المرأة" الذي لا يسمح لها بالعمل كنظرائها من الذكور، وذلك من خلال الندوات والمحاضرات الدينية وحتى الأكاديمية التي توجه الحديث والنشاط نحو قضايا خالية من أي محتوى قانوني أو سياسي مثير للجدل، وتخلص إلى أن المحتوى المقدم للنساء سواء في دورات التجميل أو المحاضرات الدينية التي يسيطر عليها الخطاب الأبوي، تعمل على تثبيت دور معين للمرأة لا تتجاوزه، مبنيّ على إقناعها بدونيتها على الرغم من الاعتقاد، وهماً، بأنها مُمكنة سياسياً أو اقتصادياً[36].
 
إن ما سبق يوضح لنا الصراع الكبير الدائر حول المرأة سواء في الفضاء العام أو داخل المؤسسات الأكاديمية، ومن هو الأحق بالحديث نيابة عنها وأي أقسام الجامعة هي الأَولى بتناول قضية النساء في الإسلام، في تداعٍ واضح لحالة من الوصاية الدينية التي توجد لنفسها المبررات الكافية لممارسة هذا الدور عندما يتصل الأمر بالمرأة، والذي يطلق عليه علي مبروك النسق المهيمن كسلطة تقف وراء كل ضروب الرقابة والوصاية الدينية والسياسية والأكاديمية والمجتمعية[37]. كما أظهر هذا الصراع، وعلى الرغم من التأثير الكبير الذي نجحت مادة المرأة في الإسلام في إحداثه بين الشابات والشباب من الدارسين لهذه المادة، أن ضبط القياس صعب في ظل الظروف السياسية والاجتماعية والأكاديمية الحالية والتي لم تجعل هناك مساحات ممكنة للتعبير والتواصل الحواري الناضج بين الطلبة وبين أكاديميي الجامعة خارج فصول الدراسة.
 
وفي ظل حالة التهديد بالتطرف التي تعيشها المنطقة ومركزية قضية المرأة منها، فإنه من الواضح أن ثمة حاجة ماسة لتناول قضايا المرأة بشكل أكثر تسامحاً وتفهماً، بعيداً عن التعصب المتشنج والذي أعني به التعصب للتقاليد دون وعي أو انتباه لجذورها أو حقيقتها. وهذه الحاجة لا يكفي لها أن تأتي من القمة إلى القاع، بل بحاجة أن تمتد على مستوى المدارس بعيداً عن التناقض في إرسال الرسائل بين المدارس المختلفة والجامعات المختلفة الحكومية أو العالمية.

ومما سبق نرى أن إدارة التعليم سواء العام أو العالي بحاجة إلى إعادة النظر في مقرراتها وفي موقفها من القراءة الدينية الأكثر تسامحاً تجاه المرأة وتمثيلاً لصوتها الموازي لصوت أخيها الرجل وفق أفضل الاجتهادات الشرعية والعصرية. ومن دونها سوف تبقى الحال تراوح مكانها، وسيجد التطرف البيئة الخصبة للسيطرة على النساء من خلال إقناعهن بحالة الدونية التي يؤمن بها الكثير من المتطرفين ويحاولون تعميمها بكافة الوسائل وعلى رأسها وهم "الخصوصية الثقافية" التي تبرر وجود حالة متخيلة من الاختلاف الثابت والمتميز عن كل ثقافات العالم التي تُعد من وجهة نظرها ذات مستوى ومرتبة متدنية عنها. ولعلنا لن نداري إشكالية الحرية الأكاديمية في التعاطي مع مواضيع القراءة الدينية المتسامحة الخاصة بالمرأة في الجامعات القطرية والتي تفتقد إليها وتخشاها، لكن بالمقابل ولا شك أن الجيل الجديد من الشابات القطريات لم يعدن أولئك النساء اللاتي من الممكن الأخذ بقيادهن على غير هدى، فالطفرة التعليمية المتقدمة من ناحية الحجم والنوعية قد أوصلت إلى الفتاة القطرية علماً ومواقف ومعرفة ليس بالسهل تجريدها منها في المستقبل، وقد استلمن زمام أنفسهن بأنفسهن ليعلمن ما الصالح الذي عليهن انتهاجه وبنائه وما الطالح الذي عليهن محاربته حقاً.
 
فما هو الثابت وما هو المتحول فيما سبق، سؤال صعب الإجابة عليه، لكن ما يمكن قوله هو أن هناك مفاهيم ثابتة أو ما يُعتقد أنها ثابتة ولذلك يتشبث بها المجتمع، وينكر أنها طارئة على المجتمع أو أنها متصلة بكثير من مظاهر الحداثة والتقنية التي فرضت أشكالاً جديدة من المفاهيم التي شاع الوهم بثباتها وعدم القدرة على تغييرها، في حين أنها مستمرة في التحول والتغير واتخاذ أشكال جديدة من المفاهيم المستمدة من القديم وتحويلها إلى ما يمكن قبوله حديثاً.



الخاتمة

إن تجربة تدريس مادة متقدمة حول المرأة في الإسلام في الجامعة القطرية الحكومية، أظهرت أن جامعات الخليج، أو على الأقل عدد منها، لا تستطيع أن تفرق بين دورها القيادي الريادي لنقل المجتمع إلى مرحلة حضارية جديدة ينفض فيها عن نفسه المفاهيم المغلوطة والعادات المتنافية مع الدين ومع الحقوق الإنسانية وبين تبعيته للمجتمع بكل موروثاته، أو تبعيته السياسية التي تتعارض مع الاستقلالية الأكاديمية التي تميز الجامعة عن أي مؤسسة حكومية أخرى. ونجد أن النسق السياسي يفرض نفسه أيضاً على الساحة كلاعب أساسي في قيادة المجتمع والاستفادة من هذه الموروثات وفق الحاجة، لاعباً على وتر الولاء والرضا، مما يؤدي إلى حدوث تضارب كبير بين الرؤية المثالية التقدمية لدور الجامعة وبين التطبيق الذي ما زال يراوح مكانه. فعلى الرغم من أن هناك مادة واضحة في أولويات البحث العلمي التي تبنتها جامعة قطر عام 2014، إلا أنها غير قادرة عملياً على الفصل بين الخلفية الاجتماعية والتقاليد المحلية والموروث الفكري من جهة، وبين المناهج الجديدة التي تنادي بها وعلى رأسها الحرية الأكاديمية والفكر النقدي، ناهيك عن القدرة على الوقوف أمام تدخل الدولة وقتما شاءت.

ورأينا كيف كان للتعريب في بعض الأقسام دور في كشف حالة من الصراع بين المجتمع والجامعة من جانب، وهشاشة في بناء الجامعة المؤسسي أمام تحالف الدولة مع المجتمع، أو استخدامها له حسب احتياجها، من جانب آخر. فحين يتم إسقاط القرار من أعلى، على الرغم من وجاهته، فإنه سيفتقد إلى احترام آليات الجامعة واستقلاليتها ومجالسها أو بالتنسيق معها، مما يشير إلى الخلل الذي يعتري مواقع اتخاذ القرار. كما يبدو أنه مع التعريب دخلت موجات جديدة من القوى التي أخذت تفرض نفسها على الساحة وعلى مواقع حساسة في الهيكل الإداري، تتبنى خطابات شعبوية تعتمد على ربط عملية التعريب بالانتصار على التغريب أو قوى أخرى وهمية يتخيل جزء من المجتمع وجودها. كما تداخلت المواقف السياسية الفكرية مع السياسات التي أخذت الجامعة في اتباعها مما سمح للاتجاهات المحافظة، خاصة في قضايا المرأة، بالزحف شيئاً فشيئاً على مكونات الجامعة، مسيّسة إياها حتى بدأت المظاهر والشكل في فرض نفسه على المضمون. ووجدنا أن الرؤية تغيب من أمام ناظري المشرّع التربوي في ظل الحرص على ممارسة الأدوار السلطوية المعتادة من رقابة ومصادرة وتقييد وإلجام للفكر والتعبير.

وفيما يتعلق بتمكين النساء الديني فإن القضية أكثر تعقيداً، حيث نجد أن القوى الاجتماعية تتحالف مع السياسية ومع الدينية ومع الأبوية وتنتهي بأن تحافظ على موقع ثابت لا يتزحزح للنساء داخل البيوت أو المؤسسات الحكومية في إطار أسقف زجاجية مدروسة ومتفق عليها دون حاجة للتعبير الصريح عنها، مع إدراك أن هناك قوى اجتماعية أخرى أكثر وعياً ورفضاً أو مقاومةً لكن قدرتها على الصمود تتفاوت وفق ما تمارسه الدولة من آليات السيطرة التي أشرنا إليها.

لكن لا بد من القول بأن هذه المحاولات متلونة الأشكال والمُجهضة لمقاومة النساء، لا يمكنها أن تصمد أمام نساء قادمات، مفتوحة أمامهن فضاءات المعرفة والعلم والاحتكاك بالعالم الحقيقي والافتراضي، وقد اكتسبن بذرة التفكير لأنفسهن التي لن يتنازلن عنها بأي شكل. وأن مستقبل مجتمعات الخليج منوط أساساً بتوسيع مساحة التعبير ورفع سقف الحرية الأكاديمية وتهيئة البيئة والبنية التحتية لكي يزدهر التفكير والإنتاج المعرفي العلمي ويتمكن الإنسان بجنسيه في بناء وطنه، بعيداً عن التسييس والتديين، فمصلحة دول الخليج تكمن في رؤية استراتيجية تتنازل فيها عن بعض سلطاتها لتضمن استمراريتها في دول حديثة غير مصطنعة، يبني فيها الإنسان مجتمعه بكل طاقته وهو وهي مطمئنان آمنان، وحُرّان.


 لقراءة الجزء التالي من الاصدار.
لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (PDF).
لعرض قائمة المحتوى للاصدار.  


 
 

[1] وأقصد بالنوع الاجتماعي تحديد الأدوار الاجتماعية والثقافية للجنسين بناء على نوعه وليس على اختياره أو جدارته.
[2] عبدالهادي ناصر العجمي، قضايا التعليم وتحدياته في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، الحريات الأكاديمية ومجتمع التعليم والتفاعل داخل المؤسسات التعليمية: التعليم في الخليج بين الحرية والمحظورات، الدراسات التاريخية أنموذجاً، ص 83-110، ص85.
[3] أحمد عزت (الباحث الرئيس)، الحرية الأكاديمية واستقلال الجامعات المصرية بين سياسة القمع... وغياب الرؤية (القاهرة: مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 2011)، < http://afteegypt.org/wp-content/uploads/2011/03/1301494061_rebort_001-2010.pdf >.
[4] الأديان وحرية التعبير: إشكالية الحرية في مجتمعات مختلفة (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2007)، علي مبروك، "الوصاية الدينية على الحريات الأكاديمية نصر أبو زيد نموذجاً،" ص 171-186، ص 173.
[5] وهنا لربما يمكن القول بحدوث التفاف ما يتم حول بعض التفسيرات والآليات التي نتج عنها تحرك التصنيف العالمي ليسمح لبعض الجامعات السعودية والخليجية أن تدخل التصنيفات الدولية.
[6] Maynes, M. J., Pierce, J. L., & Laslett, B., Telling stories: The use of personal narratives in the social sciences and history (USA: Cornell University Press, 2012).
[7] الدكتورة أميرة سنبل استقطبتني ودعتني للعمل في القسم منذ عملت معها على كتاب Gulf Women" الممول من قبل مكتب الشيخة موزه عام 2007.
Sonbol, Amira, Gulf Women (New York: Bloomsbury Academic, 2012).
[8] "آلية تنفيذ قرار المجلس الأعلى للتعليم،" بيان من جامعة قطر في الفيسبوك، 31 يناير 2012، < https://goo.gl/Xe5agv >.
هناء الترك، "تفاصيل اجتماعات قيادات الجامعة لتنفيذ قرار إلغاء التأسيسي،" جريدة الراية، 26 يناير 2012.
"لغة التعليم بجامعة قطر هي اللغة العربية،" وزارة التعليم والتعليم العالي، < http://www.sec.gov.qa/Ar/Media/News/Pages/NewsDetails.aspx?NewsID=8154 >.
[9] موقع مساواة الرسمي، < http://arabic.musawah.org/about-musawah >.
[10] رفعت حسن وأمينة ودود، نريد المساواة والعدل في الأسرة المسلمة (ماليزيا: اخوات في الاسلام، 2011)، "الأبوية في الإسلام،" ص 94-120، < www.musawah.org/wanted-equality-and-justice-muslim-family-arabic >.
[11] مثلاً في حلقات المساجد أو مدارس تحفيظ القرآن.
[12] "هل تعاني المرأة القطرية من مشاكل حقوقية؟" موقع نون العربية، 23 اكتوبر 2016، < http://thearabnoon.com/2016/10/23/qatari-womens-rights/ >.
[13] "توضيح بخصوص مناظرة "المرأة في الإسلام"،" حساب د. حسن الدرهم في تويتر، ، 2 نوفمبر 2016، < https://twitter.com/QU_President/status/793728563379892224 >.
[14] أورسولا ليندسي، "المرأة والإسلام: مادة تدريسية تثير المشكلات،" الفنار للإعلام، 10 مارس 2017، < https://goo.gl/UVAYL5 >.
النسخة الإنجليزية < https://www.al-fanarmedia.org/2017/03/women-islam-topic-troubles >.
وأحدث ما نشر حول الموضوع:
Huda Alsahi, The Challenges of Teaching Women’s and Gender Studies in the Gulf Region (UK: Oxford Gulf & Arabian Peninsula Studies Forum, Spring 2018), 2-4, < https://www.oxgaps.org/files/analysis_-_alsahi.pdf >
 
[15] فيديو، "محاضرة د. هتون أجواد الفاسي، نظام #الولاية على المرأة في الخليج في جامعة جورجتاون الدوحة،" موقع يوتيوب، 1 مارس 2017، < https://www.youtube.com/watch?v=op5ywXggfhY&t=8s >.
[16] نعيمان عثمان، القبليَة عجز الأكاديمي ومراوغة المثقف (بيروت: دار جداول للنشر والتوزيع، ط2، 2012)، ص 82.
[17] Arebi, Women and Words in Saudi Arabia (New York: Colombia University Press, 1994), 263-64.
And
 Hatoon al-Fassi, “Saudi Women and Islamic Discourse, Selected Examples of Saudi Feminisms,” Hawwa Journal, (2016) 14:10.
[18] فراج اسماعيل، "الكاتب السعودي المحمود يؤكد عزله من التدريس "حماية للطلاب" متهما "التيار السلفي" بترصده وتكفيره،" العربية نت، 4 نوفمبر 2007، < https://www.alarabiya.net/articles/2007/11/04/41229.html >.
و
أحمد العياد، "الأكاديمي السعودي في حوار مثير مع إيلاف (1/2) محمد المحمود: مجتمعنا ينفر من التطرف لكنه يتسامح مع المتطرفين،" إيلاف، 5 يوليو 2016، < http://elaphjournal.com/Web/News/2016/7/1096868.html >.
[19] باقر سلمان النجار، الديمقراطية العصية في الخليج العربي (بيروت: دار الساقي، 2008)، ص 119.
[20] شهادة د. منيرة فخرو في ورشة في جامعة الكويت حول المرأة الأكاديمية في دول الخليج العربية، 2-3 مايو 2017، " Women Academics In the Arab Gulf States،" بدعم من كارينغي كوربوريشن والجمعية الأمريكية للعلوم السياسية.
[21] أحمد قنديل، "أجهزة الأمن الإماراتية تعتقل المدون أحمد منصور،" إيلاف، 12 ابريل 2011، < http://elaph.com/Web/news/2011/4/645569.html >.
و
"الإمارات العربية المتحدة: معلومات إضافية: محاكمة سجين رأي: أحمد منصور،" منظمة العفو الدولية، 13 ابريل 2018، < https://www.amnesty.org/download/Documents/MDE2582142018ARABIC.pdf >.
[22] سارة لينش، "الحرية الأكاديمية في الإمارات تتضاءل،" الفنار للإعلام، 3 مارس 2013، < https://goo.gl/KHHPwM >.
[23] وأعني بذلك استخدام دول حديثة عهد بالدولة الحديثة لأدوات ومؤسسات الحداثة دون أن تكون مشاركة في تأسيسها وتكوينها ولكنها تستفيد منها في ممارسة الأدوار التقليدية في السيطرة على المجتمع وتشكيله كما تريد بصبغة حديثة تحمل كثيراً من الوهم.
[24] د. حسن مدن، "المجتمع العميق،" صحيفة الخليج، 13 يناير 2015، < http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/f7e27907-515d-4327-914e-6bb6a705f7a7#sthash.9nvjDK49.dpuf >.
[25] عبدالهادي ناصر العجمي، قضايا التعليم وتحدياته في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
[26] عبدالهادي ناصر العجمي، قضايا التعليم وتحدياته في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ص 96.
[27] عبدالهادي ناصر العجمي، قضايا التعليم وتحدياته في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ص 88-96.
[28] باقر سلمان النجار، الديمقراطية العصية في الخليج العربي (بيروت: دار الساقي، 2008)، ص 187-88.
[29] النسبة في ٢٠١٤ كانت كالتالي ٢٧.٧٪ والمواطنات من تلك النسبة ٩.٨٪ فقط. المصدر < http://www.qu.edu.qa/education/accreditation/2014/standard4/online_exhibit/fact_book_2013-2014.pdf
>.
[30] روضة خليفه الدوسري، ثقافة المشاركة المدنية لدى الشباب القطري :حالة المجالس (قطر: رسالة ماجستير لكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفه، 2012).
و
مها مسعود العامري، المجلس كآلية لإيصال الصوت في قطر (قطر: جامعة قطر-قسم الشؤون الدولية، 2017).
[31] باقر سلمان النجار، صراع التعليم والمجتمع في الخليج العربي (بيروت: دار الساقي، 2003)، ص 27.
[32] Krause, 24
[33] Krause, 29
[34] El Fadl, K. A., Speaking in God's name: Islamic law, authority and women (London: Oneworld Publications, 2001).
[35] زيبا ميرحسيني، نحو تحقيق المساواة بين الجنسين: قوانين الأسرة المسلمة والشريعة (كوالالمبور: موقع مساواة، 2009)، في مطلوب: المساواة والعدل داخل الأسرة المسلمة، ص37، < http://arabic.musawah.org/sites/default/files/03%20Mir-Hosseini.pdf >.
[36] Wanda Krause, Gender and Participation in the Arab Gulf (Kuwait: The center for the study of Global Governance, Sept 2009), Number 4, P 23, 33.
[37] وهذا في سياق تناوله وتفكيكه للمصادرة الأكاديمية التي تعرض لها نصر حامد أبوزيد في الجامعة حتى فصل منها وخرج من وطنه بأكمله،
الأديان وحرية التعبير: إشكالية الحرية في مجتمعات مختلفة (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2007)، علي مبروك، "الوصاية الدينية على الحريات الأكاديمية نصر أبو زيد نموذجاً،" ص 171-186.