مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

3.8 كيف يتم تمثيل المرأة في كتاب العلوم الإجتماعية؟ - نعيمة الراشدي

طباعة PDF
 
مما لا شك فيه أن المناهج التعليمية هي إحدى أهم الوسائل التي تستعملها الدولة للتأثير على المواطنين والمواطنات. ولذلك، تركز العديد من الدراسات على تحليل المناهج التعليمية في سبيل فهم نظرة وأيديولوجية الدولة تجاه قضاياها المختلفة. في هذه الورقة أقوم بتحليل المناهج التعليمية في دولة قطر لتبيان التمييز بين المرأة والرجل في المناهج التعليمية، وانعكاسات هذا المحتوى مجتمعياً. وعليه، اقترح في هذه الورقة أنه عند الحديث عن حقوق المرأة في التعليم، وعلى الرغم من ارتفاع نسبة إدراج الإناث في العملية التعليمية في القرن الواحد والعشرين، علينا أن نذهب إلى ما وراء فرص الالتحاق بالمؤسسات التعليمية للبحث عن جذور التأسيس للاختلاف الاجتماعي بين المرأة والرجل في دول مجلس التعاون[1]

 تعدت نسبة حاملات الشهادات الجامعية 37.2% من النساء مقارنة بـ 29.2% من الرجال في عام 2017 في قطر. وإن كان من المتوقع أن نرى تلك الكفاءات في كافة قطاعات العمل، إلا أن هذه النسب لا تنعكس على سوق العمل القطري، إذ يبلغ عدد القطريات الحاملات للشهادات الجامعية غير النشطات اقتصادياً ما يقارب 15660 امرأة، مقارنة بـ  3980 ذكر غير نشط.[2] كما تصل نسبة الرجال النشطون اقتصادياً في قطر بغض النظر عن المستوى التعليمي ما يقارب 67% من إجمالي الرجال، مقارنة بـ 36% لنظرائهم من النساء. وعلى الرغم من ارتفاع نسبة المشاركة الاقتصادية بين الرجال إجمالاً، إلا أنها تتفاوت من قطاع إلى آخر. كمثال، نرى اكتساح النساء قطاع التعليم في قطر، إذ تشغل النساء القطريات ما يقارب 10059 وظيفة في هذا القطاع، مقارنة بـ 2188 وظيفة تعليمية يشغلها الرجال القطريون. في المقابل، فإن المجال الدبلوماسي يتميز بهيمنة ذكورية نسبية، إذ يشغل تلك المناصب بعدد 128 مقارنة بـ 56 امرأة دبلوماسية قطرية[3]. وعموماً، فعلى الرغم من التفوق العلمي للمرأة القطرية من حيث أعداد الخريجات، إلا أن مساهمتها الاقتصادية خارج القطاع التعليمي تعتبر ضعيفة مقارنة بالرجل. وهو ما يدعونا للنظر إلى أبعاد تمييز أخرى في العملية التعليمية تؤسس لهذا التفاوت بين الجنسين.

 
التعليم في قطر
 
قبل الخوض في تحليل المناهج التعليمية في قطر، من المفيد تقديم نبذة عن تاريخ التعليم النظامي الحديث في قطر، في سبيل فهم السياق العام الذي ولدت فيه المؤسسات التعليمية. فقبيل اكتشاف النفط لم يكن هناك تعليم نظامي رسمي في قطر، وكان التعليم يقتصر على تحصيل أطفال قطر من قبل "الكُتاب" لمهارات القراءة والكتابة اعتماداً على نصوص من القرآن الكريم في المنازل والمساجد. في عام 1954، كانت هناك ثلاث مدارس للبنين مدعومة من قبل الحكومة القطرية، وكان يرتكز التعليم في ذلك الوقت على مناهج تم تبنيها من دول مجاورة من قبل وزارة المعارف[4]. ويرى المؤرخون بإن كُتاب آمنة الجيدة الذي أنشئ في عام 1938 يعتبر بداية لمسيرة تعليم الفتيات في دولة قطر[5]. وقد طور هذا الكتاب بشكل شبه رسمي في عام 1956 من قبل وزارة المعارف حتى بلغ عدد الطالبات آنذاك 50 طالبة، وذلك بعد محاولات وإصرار مستمر من قبلها لإقناع الأهالي بأهمية تعليم الفتيات. ولكن هذه الأعداد تغيرت بشكل جذري في السنة الدراسية1960/59 ، إذ وصل عدد الطالبات 1423 طالبة مدرجة في ما يقارب 11 مدرسة رسمية للفتيات،[6] وذلك بعد إصدار قرار رسمي من قبل الشيخ خليفة بن حمد بتعميم التعليم للجنسين، وفتوى من الشيخ محمد عبدالعزيز المانع، تؤكد أن تعليم النساء لا يتعارض مع الإسلام، وهو تخوف كان سائداً من قبل صناع القرار بالدولة وبعض أطراف المجتمع.[7] ومن خلال عدد الطالبات يمكننا معرفة مدى تأثر المجتمع القطري بالقرارات الرئيسية من قبل الدولة. فبعام 2001، كان هناك ما يقارب 220 مدرسة حكومية في قطر، يشغل الطلاب القطريون ما يقارب 64% من مقاعدها.[8]

انعكست هذه الأعداد على مستوى التعليم العالي أيضاً، خاصة قبل افتتاح أول مؤسسة تعليم عالي في الدولة عام 1973، حيث كانت الدولة قبل ذلك ترسل الطلاب لإتمام دراستهم في الخارج. وكانت الدراسة في الخارج تعيق فرص تعليم النساء، فمن 1960 وحتى 1966 لم تسجل حالة واحدة لامرأة تكمل دراستها في الخارج. الا أن هذه الأعداد تزايدت عندما أعلنت الدولة دعمها مادياً لأي عضو من أسرة المرأة الراغبة في إتمام تعليمها كي يسافر معها، والذي كان شرطاً للتعليم في الخارج آنذاك[9]. ولكن عند افتتاح كلية المعلمين، التي أصبحت لاحقاً جامعة قطر، تراجعت الدولة عن دعم النساء للدراسة بالخارج، ولم يعد أمامهم سوى الدراسة في جامعة قطر[10]. وعلى الرغم من السماح للنساء بالدراسة في الخارج في القرن الواحد والعشرين، فإن نسب انخراط النساء في التعليم العالي محلياً أصبحت أعلى من الرجال إجمالاً، وذلك بعكس برنامج البعثات التعليمية في الخارج، والتي حتى اليوم نجد أن نسب الرجال الملتحقين بها أعلى من نسب النساء.[11]

تبين هذه الاحصائيات أن المؤسسة التعليمية الرسمية في قطر كان لها دائماً دور في تمكين أو تهميش النساء، حيث كانت قرارات المسؤولين عن العملية التعليمية، كفرض "مرافقي" النساء للدارسة بالخارج ودعمهم مادياً، أو إصدار فتوى عن تعليم المرأة، لها أثر مهم على نسب مشاركة النساء في المؤسسات التعليمية. وعليه، فإن المناهج التعليمية المعتمدة من قبل الدولة أيضاً لها آثار لا يمكننا إنكارها، ويصبح من المهم تفكيكها لفهم آثارها مجتمعياً.

 
التمييز ضد المرأة في المقررات الدراسية

ما من شك أن غياب المرأة عن مهن معينة هو نتيجة لعدة عوامل، وقد يكون من أهمها الصورة النمطية الثقافية التي تقوم بتشجيع التفاضل بين النساء والرجال لمتابعة مهنتهم في تلك المجالات[12]. وعلى الرغم من تعدد العوامل التي تساهم في تشكيل الوعي في المجتمع كوسائل الاتصال الاجتماعي والتلفاز والصحف، إلا أنه يبقى للمناهج التعليمية دور مهم في تشكيل إدراك و معرفة الفرد في المجتمع[13]. وبالتأكيد فإن قطر ليست فريدة من هذا المنطلق، لا على مستوى دول الخليج ولا العالم العربي أو بقية العالم. فقد لاحظت عدة دراسات أن الكثير من الكتب التعليمية عادة ما تحتوي على التمييز ضد المرأة في الكثير من دول العالم[14].  فمن ناحية تمثيل المرأة في الكتب المدرسية، توصلت دراسات متعددة أجريت في أماكن متفرقة من العالم إلى أحدى نتيجتين: إما الغياب التام للمرأة من الكتب، أو التمثيل المحدود لها مقارنة بالرجل إن لم تغب[15]. وقد ذهبت دراسات أخرى إلى أبعد من ذلك[16]، إذ سعت إلى تحليل صورة المرأة وكيفية تمثيلها في الكتب المدرسية، حيث كشفت عن وجود صورة نمطية للمرأة، متمثلة بأم أو زوجة أو أخت "مثالية"، هدفها رسم صورة للمتلقي بأهمية هذا الدور وضرورة التقيد به وعدم الخروج عن ذلك النطاق.
تناغمت هذه الدراسات مع الكثير من تجاربي الخاصة. فمن خلال مسيرتي التعليمية في مدارس قطر الحكومية، وجدت أن المناهج لم تتطرق لتمثيل المرأة بشكل مرضٍ، خاصة حين أقارنها بالرواية الشفوية التي تتناقلها الكثير من النساء في محيطي. فعندما كنت أقضي وقتاً مع جدتي، لطالما كانت تحدثنا عن عملها الشاق بالرعي يومياً، وأنها اعتادت أن تقوم بجمع الحطب من البادية والذهاب إلى أقرب قرية للمقايضة بالأرز وبعض مقتنيات المنزل أو السمك. ولكني كنت أخبرها بإن مناهجنا قلما تصور النساء وهن يقمن بهذه المهام التي ترويها، فيكون ردها مقتضباً بأن التعليم الحديث من هذا النوع لن ينشئ نساءً ذوات شخصيات قوية. وجدت صدى لذلك في تجربتي وتجارب النساء من حولي في مكان العمل وحتى في الفضاءات الاجتماعية، حيث تبين لي ان النساء في قطر ما زلن بحاجة مستمرة لتأكيد دورهم في مواجهة أفكار نمطية تحد من ذلك. وقد حفزتني هذه التجارب للبحث بشكل أكثر عمقاً حول تبلور ونشر هذه الصورة النمطية وسبل مواجهتها.
 
 
المرأة في مناهج العلوم الاجتماعية القطرية

أسعى في هذه الورقة إلى تحري كيفية تمثيل المرأة القطرية في كتب العلوم الاجتماعية للمراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في المدارس الحكومية بدولة قطر. فقد تم تحليل كتب العلوم الاجتماعية من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الثاني عشر، في الفصل الدراسي الأول من عام 2015-2014. وقد ركزت على الكتب المتبعة في المدارس الحكومية فقط، لكونها تمثل الدولة، إذ أن المناهج القطرية تعتمد على الهيئة التعليمية الرسمية في الدولة لتشكيلها ويتم طباعتها في قطر.

بناء على ذلك، تم مسح 12 كتاب علوم اجتماعية صادر باللغة العربية وتحليل البيانات التي تحتويها هذه الكتب، شاملة الصور والنصوص الدراسية والمراجع الأساسية، بهدف البحث عن كيفية تمثيل المرأة في تلك البيانات، وذلك بالنظر إلى السياق والمصطلحات التي تم الإشارة بها إلى المرأة دون الرجل. بالإضافة الى ذلك، تم مقارنة التكرار العددي لظهور المرأة في مقابل الرجل في الصور والعناوين الأساسية في الدروس والنصوص الأساسية.

يكمن السبب الرئيسي في اختياري لكتب العلوم الاجتماعية أهميتها في عكس نظرة مؤسسات الدولة التعليمية حول المجتمع، حيث تعتبر مناهج العلوم الاجتماعية أحد أهم أدوات هذه المؤسسات في تشكيل الهوية الوطنية لدولة قطر ورؤيتها نحو المرأة والرجل. فوفق المعايير الوطنية للعلوم الاجتماعية في دولة قطر، التي أصدرتها هيئة التعليم في عام 2009، يظهر ضمن معايير العلوم الاجتماعية "تنمية شعور الفرد بدوره الاجتماعي وتساعده على إدراك حقيقة ما يحدث في المجتمع المحلي والدولي على المستوي السياسي والاقتصادي والثقافي، وذلك من خلال العمل على إكساب الطالب المعلومات والمعارف التي تسهم في خلق الاتجاهات والقيم وأساسيات التفكير السليمة بطريقة وظيفية تمكنهم من توجيه سلوكهم وتكوين شخصياتهم كمواطن قطري، عربي ومسلم "[17].

وتتألف كتب العلوم الاجتماعية في دولة قطر من ثلاثة أقسام: الجغرافيا، والتاريخ، والمواطنة. وقد أخذ قسم المواطنة الذي يتم إدراجه للطلاب ابتداء من الروضة إلى المستوى العاشر حيزاً خاصاً من الدراسة، وذلك نظراً لأنه يركز على تبيان وجهة نظر الدولة في العلاقة بين الفرد والدولة من خلال تنمية الحقوق والواجبات التي تترتب على المواطن، وفي المقابل الحماية التي توفرها الدولة. ويتطرق فرع المواطنة إلى عدة أمور اجتماعية من هذا المنظور، بما فيها مكونات الأسرة القطرية، ومفهوم الوطن، والهوية الإسلامية والعربية، وحرية الرأي، والديمقراطية، وعادات وتقاليد المجتمع القطري، ونظام الحكم[18]. وبذلك، يتبوأ قسم المواطنة دوراً فريداً في تبيان وجهة نظر مؤسسات الدولة التعليمية في تشكيل هوية الفرد وتكوين معرفته بحقوقه وواجباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولعل أبرز ما تم التوصل له عبر هذا المسح هو شغل الشخصيات الرجالية حيزاً واسعاً من كتب العلوم الاجتماعية في كافة المراحل الدراسية، فقد هيمن الرجال على المادة التعليمية ابتداءً من مواضيع الدروس ومحتوياتها، إلى الهيمنة على الصور والمصادر المستخدمة في كافة الكتب. وقد تكون الشخصيات ذات الأثر التي تناولتها الكتب هي خير بداية للنقاش. فمن البديهي أن الكتب تناولت العديد من الشخصيات التي ترى أنها لعبت دوراً هاماً في الوسط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي من مختلف أرجاء العالم. وبالعموم، فقد كانت نسبة النساء من بين هذه الشخصيات أقل بكثير من الرجال. وتفاوتت نسبة تمثيل المرأة بين الأقسام، إذ كان الحال أفضل نسبياً في قسم المواطنة بجميع المراحل، حيث استعرضت الكتب شخصيات قطرية مثل آمنه الجيدة وشيخة المسند وموزا المسند ودورهن في التعليم. ولكن ما زالت نسبة النساء المذكورات في المحتوى أقل بكثير من نسبة الرجال، وقد بان ذلك خاصة في قسم التاريخ والجغرافيا من المنهج.  ففي قسم التاريخ الإسلامي على سبيل المثال، تناولت الكتب طرح إنجازات الخلفاء الراشدين وتم تصوير الذكور هنا كشخصيات بطولية، ولكن لم تتناول أياً من الشخصيات النسائية التي لعبت دوراً في بداية الإسلام، كما هو الحال مع زوجات النبي عليه الصلاة والسلام[19]. وعلى الرغم من أن أقسام التاريخ سردت إنجازات الملوك والسلاطين والحكام والشخصيات القيادية والمؤثرة التي وضعت لنفسها بصمة في التاريخ وغيرت مجرى العالم، إلا أن نصيب المرأة من هذا السرد كان هزيلاً. ففي كتاب الصف السادس كمثال، لم يتم ذكر إلا شخصية نسائية واحدة فقط، ألا وهي شجرة الدر.

 

جدول 3.8.1 صور النساء والرجال في الكتب
 

 
وتستمر هذه الحالة عند الاطلاع على الصور كما هو موضح في الجدول أعلاه، الذي يظهر لنا هيمنة ظهور وتصوير الرجل على المرأة، إذ يكتسح الرجل التمثيل في مجموع 460 من 574 صورة (80%)، إما في صورة شخص واحد أو مجموعة شخصين أو أكثر في كافة الكتب. وعلى الوجه الآخر، تظهر المرأة في صور تشملها مع الرجل أكثر من صورها لوحدها، مؤدية دورها كأم أو أخت أو زوجة وسط العائلة، أكثر من تصويرها على أنها فرد مستقل فعّال في المجتمع كما هو الحال مع الرجل. وبذلك فإن نسبة تواجد صور النساء في المنهج بشكل عام ضعيفة جداً، وعند تواجدها فهي ترسخ الصورة النمطية للمرأة في المجتمع والدور "التقليدي" المتوقع منها.
 

جدول 3.8.2 تمثيل النساء في الصور بناءً على الموقع والأنشطة
 

 
يبرز هذا التحيز في الأدوار بين الرجل والمرأة واضحاً عند تحليل مكان تصويرهم بالإضافة إلى نوع النشاط الذي يمارسونه. فيبين الجدول رقم 3.8.2 تدني أو زيادة نسبة تمثيل الذكر مقارنة بالمرأة بناءً على الموقع الذي يتم تصويرهم منه والنشاط. فتكتسح المرأة الصورة التي تمثل تواجدها في المنزل مقارنة بالذكر، فهي تظهر في 70% من الصور المتعلقة بالمنزل. في المقابل، يهيمن الذكور على الصور التي تمثل وجودهم في المدارس أو العمل بنسبة ساحقة، إذ يتم تمثيل الرجال في المدارس كطلاب أو معلمين، بالإضافة إلى تنوع المجالات التي يتم تمثيل الذكر فيها كموظف. فيظهر الطالب الذكر كوزير، ومهندس، وطبيب، وشرطي، ومحامي، وتاجر، ويقوم بالأعمال المكتبية، بالإضافة إلى مشاركته في القطاع البترولي والعديد من الوظائف في العصر الحالي. كما أن الرجال يلقون تمثيلاً عالياً في الوظائف التقليدية قديماً، فيصور الرجل كصائد سمك، وغواص، ونوخذة، وصائغ، وراعي، ومزارع، وكاتب أو مطوع، وفي عدد من الحرف اليدوية. بينما تحتكر غالبية النساء الوظائف التربوية، بالإضافة إلى تمثيلها كصيدلانية وعضو مجلس وزراء، وطبيبة، ومهندسة.

من ناحية المواضيع الدينية كالصلاة والعبادة، فقد سيطر الرجال عليها بنسبة 90% مقارنة بـ 9% للنساء. أما من ناحية الأنشطة، فتظهر النساء في 12.4% منها، أغلبها تطوعية مع المدرسة أو المجتمع، كتنظيف البحر والبر من المخلفات، إلى جانب القيام بالأنشطة العائلية كالتنزه في المناطق العامة. في المقابل، يتبوأ الرجال غالبية الصور التي تبين القيام بأنشطة بنسبة 87.6%. وتتعدد الأنشطة التي يقوم بها الرجال، أكانت الأنشطة التطوعية التي يظهر فيها الطلاب الذكور أو المدرسين أو الرجال، والتي تبينهم وهم يجمعون التبرعات وبناء المدراس والمنازل، والمساعدة في تنظيف شوارع قطر العامة، والتنزه مع العائلة والأصدقاء، وممارسة الأنشطة الرياضية المختلفة في المدرسة أو الأماكن المخصصة. في المقابل، لم يتم تمثيل الفتيات إطلاقاً وهن يمارسن الرياضة[20]، إلا أنه تم تمثيل مواطنات ومواطني قطر على السواء وهم يشاركون في عملية التصويت في انتخابات المجلس البلدي.

   

جدول 3.8.3  توزيع المؤلفين على حسب نوع الجنس
 
 

 
يظهر الجدول الثالث التوزيع حسب الجنس لمؤلفي المراجع التي تم رصدها كمصادر للمعلومات في نهاية كتب العلوم الاجتماعية لكافة المراحل. ويتبين بأنه تم استخدام 3 مراجع لمؤلفات فقط من أصل 124 مرجع معتمد. وبذلك فإن وجهات نظر النساء عموماً غير ممثلة من ناحية المراجع التي استندت عليها الكتب لمعلوماتها وتوجهاتها. وبذلك فليس من المجحف أن نقول إن الكتب تعكس وجهة نظر ذكورية لما يجب ان تحتوي عليه كتب تعليم المواد الاجتماعية، بما فيه صورة النمطية للمرأة التي تتبناها هذه الكتب.
 
 
الصورة النمطية للمرأة

وعند النظر إلى الجداول مجتمعة، تبرز لنا الفجوة بين تمثيل المرأة والرجل، سواء أكان ذلك على مستوى المحتوى أو الصور أو المراجع. ولكن الأهم من ذلك كله هو أن هذه الكتب تدعم صورة نمطية معينة للمرأة وموقعها في مجتمع مرسوم على أنه ذكوري أبوي، وهذا ما سنركز على تبيانه في بقية الورقة. فالمناهج غالباً ما تصور المرأة في موضع الأسرة، إذ تقوم برعاية الأطفال وإعداد الطعام لهم، أو التنزه مع عائلتها، ويقتصر أغلب تمثيلها المهني على وظائف تربوية كالتعليم. وبينما للذكر الأفضلية العددية من ناحية التمثيل، يضاف إلى ذلك أنه نادراً ما يصور وكأنه يقوم بالمهام المنزلية، بل يكون في مكان عمله الذي يشمل مختلف الوظائف، أو في أماكن التنزه والتواصل الاجتماعي مع زملائه.

وعلى الرغم من أهمية دور المرأة في المنزل، حيث ليس الهدف هنا التقليل من أهميته، إلا أنه يجب التأكيد أيضاً بأن هناك أدوار أخرى تشارك فيها النساء اليوم في قطر. كما أن العمل المنزلي لا يمكننا اقتصاره على النساء فقط، بل بالإمكان المجادلة أنه من المفترض أن تشارك المناهج التعليمية في توعية المواطنين بأهمية مشاركة جميع أفراد الأسرة فيه. فكما ذكرنا سابقاً، تشير الدراسات بأن المنهج التعليمي يعد عنصراً مهماً في عملية التنشئة الاجتماعية وصقل الهوية، التي تساهم في تشكيل ذهنية الطالب لما هو متوقع من النساء والرجال ومكانتهم في البنية الاجتماعية والتي قد يكون من الصعب تغييرها في مراحل تالية[21]. لذلك فإن هذه المناهج بإمكانها أن تمكن النساء أو أن ترسخ التمييز ضدهم.  ولذلك، يقوم القسم القادم باستعراض نماذج من المحتوى الإشكالي الذي يعزز الصورة النمطية، ويربطها ببعض القضايا المجتمعية المتعقلة بها. وعلى الرغم من تواجد أمثلة عدة في الكتب التي تدعم هذه النظرة في جميع مراحل التعليم، إلا أنها تبرز في دروس المراحل الابتدائية على وجه الخصوص. 
 
رسم بياني 3.8.1: صفات الأب والأم في منهج الصف الأول الابتدائي
 
 
أُخِذ الشكل 3.8.1 من درس حول الصفات الإسلامية الأخلاقية للأم والأب للصف الأول الابتدائي في الصفحة 24. ونرى هنا بأن صفات الأب تتسم بالشجاعة والكرم، بينما الأم تتسم بالصبر والرحمة. وعلى الرغم من أنه من الممكن أن تتوافر كل هذه الصفات في الجنسين دون استثناء، إلا أنه تم تخصيص وربط المرأة بدور اجتماعي معين يعزز الصورة النمطية لها، حيث على الأم أن تتحلى بالصبر والتسامح، فيما يواجه الأب المخاطر ويعطي للآخرين بسخاء. أما من ناحية الصور، فبينما ينشغل الأب بالعلاقات الاجتماعية والولائم مع رجال آخرين في الأماكن العامة، فإن المرأة تركز جهودها منفردة على تجهيز ابنتها للنوم في المنزل.
 
رسم بياني 3.8.2: دور افراد الأسرة في منهج الأول الابتدائي
 
 
يبين الشكل 3.8.2 صورة لأم وطفلها، وأخرى لمجموعة من الطلاب مع أستاذهم. وأخذت هذه الصورة أيضاً من كتاب الصف الأول الابتدائي لمنهج عام 2014 في الصفحة 43، والذي قدم الصورة في سياق درس عن أفراد الأسرة الواحدة ودور كل منهم فيها. وبينما يحث الدرس على التعاون بين أفراد الأسرة الواحدة، إلا أن هناك دور معين لكل فرد. فدور الأب هو أن يعمل وينفق ويوفر احتياجات الأسرة. في المقابل، فإن دور الأم يتركز في المهام المنزلية، فهي تقوم بالرعاية وإعداد الطعام والإشراف على واجبات الأطفال المدرسية. وعلى الرغم من شغل النساء في يومنا الحالي للعديد من الوظائف في كافة القطاعات الحكومية والخاصة ليصل أرقامهن إلى أكثر من سبعة وثلاثين ألف قطرية نشطة اقتصادياً في عام 2017،[22]  إلا أن كتاب العلوم الاجتماعية يرى بأن وظيفتها ترتكز أساساً على إعداد الطعام وتربية الأبناء.
 
رسم بياني 3.8.3: الأم القطرية


رسم بياني 3.8.4: الموظف القطري 
 
 
صورة نمطية مماثلة تتكرر في كتاب الصف الرابع الابتدائي الصفحة 46، وبالتحديد في قسم المواطنة. حيث يشرح الدرس مفهوم المواطن القطري النموذجي، والمهام المترتبة عليه كمواطن. ويعبر عن دور المرأة القطرية كمواطنة كما هو واضح في الشكل 3.8.3 بأنه يترتب عليها تربية الأبناء تربية صالحة ليكونوا أفراداً نافعين للدين والوطن. في المقابل، فالشكل 3.8.4 يبين المواطن القطري في وظيفة ميدانية لزيادة إنتاج وتحقيق رخاء المجتمع.
 
 
الخاتمة
 
بناء على ما تم سرده، يمكننا القول إن المناهج التعليمية في قطر في مجملها تعطي الرجل مكانة متميزة في الفضاء العام. فالرجال يبرزون بشكل فاعل بالنص والصورة، على عكس النساء اللاتي يحتللن نسبة محدودة وفقاً لصورة نمطية معينة. هذه النتائج لا يمكننا قراءتها في معزل عن القضايا التي تواجهها النساء في قطر، بل يمكننا القول إن المناهج متواطئة في استمرار هذه الصورة النمطية التي تخصص للنساء أعمال التربية و"المنزل". فبناء على هذه الصورة، فحين تختار المرأة مهنة كانت هي جزء من الصورة النمطية للرجل، فهي لا تعود تلك المواطنة النموذجية التي تصورها المناهج.

وهذا التمييز في المناهج لم يأت من فراغ، بل جاء ليعكس واقع التمييز ضد المرأة في عدة فضاءات، بما فيها التشريعات وقوانين الدولة. فقانون الأسرة على سبيل المثال واضح في تبيان "حقوق وواجبات" كل من الزوج والزوجة، فتكون "شؤون المنزل" من اختصاصات المرأة، فضلاً عن عنايتها بالزوج وطاعته[23]. ولنا أن نتخيل ماهي الأمور المتوقع من الزوجة "الصبر والطاعة" تجاهها، خاصة في ظل خطاب رسمي يلومها على الكثير من المشاكل الأسرية.[24]

ختاماً، فإن للتعليم قدرة كبيرة على تحديد أفكار وممارسات متلقيه وتفاعلهم مع غيرهم في المجتمع، لذلك فهو أحد الأدوات المهمة التي تستخدمها الدولة للتعبيرعن وتطبيق أيدولوجيتها على مواطنيها. ولذلك، فإن استمرار كتب العلوم الاجتماعية في المدارس القطرية في تبني النظرة التمييزية ضد المرأة مقابل الرجل له تبعات جمة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً. فعندما يتم إرسال الإشارات بشكل متكرر عن المهام الرئيسية والصفات التي يتوجب أن تتوافر في المرأة، كأن تكون هي الصبورة والرحيمة بشكل منفرد وخاص، أو أن تحتكر إعداد الطعام ورعاية الأبناء وألا تفارق ظلال الأسرة، فإننا هنا نقوم بغرس فكرة أن المرأة للمنزل والمنزل للمرأة في ذهن الطلاب. وليس من المقنع أن يعزى ذلك للموروث الديني والمجتمع التقليدي، فكما بينت دراسة سابقة في هذا الإصدار، فقد كانت المرأة تشارك في الفضاء العام والعمل منذ القدم، بينما لم يكن الرجال بمعزل عن مهام المنزل.[25] فعندما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن " ما كان يصنع النبي في بيته ؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله ـ تعني في خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة".[26]  ولذلك، فمن المفترض أن تشارك المرأة في كافة مجالات التنمية على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأن تعكس المواد التي تُدرس في مدارس قطر هذه الروح وتمثلهن حق تمثيل، وذلك من خلال مناهج تقدر مكانة جميع أفراد المجتمع دون تمييز أو تفضيل.
 


 لقراءة الجزء التالي من الاصدار.
لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (PDF).
لعرض قائمة المحتوى للاصدار.  
 


 [1]  وفقاً لتقرير من البنك الدولي حققت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المساواة التامة بين الجنسين في التعليم، حيث ارتفع معدل الإلتحاق خلال عام 2000 إلى2010 من 86٪ إلى 98٪ في المرحلة الإبتدائية، ومن62٪ إلى 70% في التعليم الثانوي، لتسجل بذلك هذه المنطقة اهتماماً ملحوظاً بالتعليم منذ الستينات. وترى المنظمة بإن جودة التعليم المقدم يشكل أحد أهم التحديات.
 
[2] وزارة التخطيط التنموي والإحصاء في دولة قطر، قوة العمل 2017، ص 38. <https://www.mdps.gov.qa/en/statistics/Statistical%20Releases/Social/LaborForce/2017 /Q3/LF-Q3-2017-AE.pdf>.
[3] المصدر السابق.
 [4] محمد منير المرسى، التعليم في دول الخليج العربي، (الرياض: عالم الكتب ،1995م).
[5] Amira Sonbol, (ed.), Gulf Women. (Doha: Bloomsbury Qatar Foundation Publishing, 2012).
[6] Qatar Ministry of Education, Annual Report 2000–2001.
[7] بدرية العمارى، السيدة آمنة محمود الجيدة : رائدة تعليم البنات و العمل النسائي في دولة قطر، (الدوحة: المجلس الوطنى للثقافة و الفنون و التراث، 2004).
[8] Qatar Ministry of Education, Annual Report 2000–2001.
[9] Al-Misnad, Sheikha Abdulla. (1984). The development of modern education in Bahrain, Kuwait and Qatar with special reference to the education of women and their position in modern Gulf society, Durham theses, Durham University. Available at Durham E-Theses Online: http://etheses.dur.ac.uk/10485/
[10]Ibid.
[11]للسنة الأكاديمية 2012-2013، قامت الدولة بابتعاث 750  رجل لإتمام دراساتهم الجامعية والعليا وذلك مقارنة ب238 امرأة فقط.  للمزيد:
[12] Snyder, T.D., Dillow, S.A., & Hoffman, C.M. Digest of Education Statistics, 2008 (Washington,
DC: U.S. Department of Education, National Center of Education Statistics, Institution of Education Science, 2009).
[13] Kellner, D., & Share, J., "Critical media literacy, democracy, and the reconstruction of education", in D. Macedo & S.R. Steinberg (Eds.), Media literacy: A reader (New York: Peter Lang Publishing, 2007).
[14] Sánchez Hernández, N., Martos-Garcia, D., & López Navajas, A., "Las mujeres en los materiales curriculares: el caso de dos libros de texto de educación física. / Women in curriculum materials: the case of two physical education textbooks". Retos: Nuevas Perspectivas De Educación Física, Deporte Y Recreación, 2017, 32, 140-145.
[15] كمثال أنظر:
Bernard-Powers, J., "Gender in the social studies curriculum", in E. W. Ross (Ed.),
The social studies curriculum: Purposes, problems, and possibilities (Albany: State University of New York Press, 2001).
[16] كمثال أنظر:
Mardi Schmeichel, “Women made it a home”: Representations of Women in Social Studies", Pedagogies: An International Journal, 2014, 9:3, 233-249, DOI:http://dx.doi.org/10.1080/1554480X.2014.921622.
UNESCO, Gender analysis of school curriculum and textbooks, (Islamabad: UNESCO, 2004).
 
 
[17] هيئة التعليم، المعايير الوطنية للعلوم الإجتماعية بدولة قطر، 2009، <http://www.edu.gov.qa/Ar/SECInstitutes/EducationInstitute/CS/SocialScince/CS/CS_K-12.pdf>
[18] مصدر سابق.
[19] سعيد أيوب، زوجات النبي (ص) قراءة في تراجم أمهات المؤمنين في حركة الدعوة، (بيروت: دار الهادي ، 1997).
[20] لجنة رياضة المرأة القطرية، <http://www.qwsc.org.qa/en/index.html>.
[21] Sandra Lipsitz Bem, "Gender schema theory and its implications for child development:  Raising gender aschematic children in a gender-schematic society" Signs, 2014, 8:598-616.
[22] انظر المقدمة.
[23] كمثال فحسب بنود مادة 58 من قانون رقم (22) لسنة 2006 قانون الأسرة:
حقوق الزوج على زوجته هي:1- العناية به وطاعته بالمعروف.2- المحافظة على نفسها وماله.3- الإشراف على البيت وتنظيم شؤونه.4- رعاية أولاده منها وإرضاعهم إلا إذا كان هناك مانع شرعي:
قانون رقم (22) لسنة 2006 قانون الأسرة، موقع الميزان،
. < http://www.almeezan.qa/LawArticles.aspx?LawTreeSectionID=8740&lawId=2558&language=ar >
[24] كمثال، يتم لوم المرأة على ارتفاع نسب الطلاق. لمزيد من الامثلة انظر:
 اسراء المفتاح، "المرأة في ظل سياسات التنمية: حالة قطر"، الثابت والمتحول: الخليج بعد الانتفاضات العربية (الكويت، مركز الخليج لسياسات التنمية، 2016)، <http://www.gulfpolicies.com/index.php?option=com_content&view=article&id=2331:53-&catid=258:2016-05-16-09-50-52&Itemid=57>.
[25] المصدر السابق
[26]  اخرجه: الترمذي "2489"، احمد " 24427".