مركز الخليج لسياسات التنمية

  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

الاقتصاد السعودي بين ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدخل - عبدالعزيز الدخيل

طباعة PDF

تسعى الدول إلى إدارة الاقتصاد الوطني من أجل تحقيق معدل أعلى من الرفاهية للمواطن ومن أجل ذلك تسعى لتحقيق الأهداف الرئيسية التالية:

1 - زيادة النمو الاقتصادي.
2 - كبح التضخم المالي (ارتفاع الأسعار).
3 - الحد من البطالة.
4 - العدالة في توزيع الدخل.

ولتحقيق هذه الأهداف الاقتصادية هناك أدوات اقتصادية تستخدمها الدولة لتوجيه وإدارة حركة الاقتصاد ونموه، هذه الأدوات تندرج تحت سياستين الأولى: السياسية المالية Fiscal policy التي تشمل أدوات أهمها الإنفاق الحكومي، الضرائب، الرسوم، الإعانات.. إلخ، والثانية: هي السياسة النقدية Monetary policy وتشمل سعر الفائدة، سعر الصرف، عمليات السوق المفتوحة (بيع وشراء السندات الحكومية)، عرض النقود.. إلخ.

بالنسبة لاقتصاد المملكة العربية السعودية، السياسة المالية وأدواتها من الإنفاق الحكومي والرسوم والإعانات والضرائب أهم بكثير من السياسة النقدية في توجيه وإدارة حركة الاقتصاد لأسباب أهمها حجم ودور الإنفاق الحكومي ممثلاً في ميزانية الدولة في التأثير على حركة الاقتصاد.

قبل إقرار ضريبة القيمة المضافة VAT عام 2018 بمعدل 5 % على جميع السلع والخدمات مع بعض الاستثناءات، كانت السياسة المالية محصورة بشكل أساسي على الإنفاق الحكومي ولم يكن للأداة الضريبية أهمية كبيرة في منظومة السياسة المالية السعودية.

في هذه المقالة سأناقش الدور المهم للضرائب كأحد أهم أدوات السياسة المالية في دول العالم وأنواعها الرئيسية بشكل عام وطبيعة وتأثير كل نوع منها في وضع الاقتصاد الوطني.

الضرائب أداة من أدوات السياسة المالية Fiscal Policy لإدارة وتوجيه الاقتصاد الوطني خصوصاً في الدول التي يكون فيها دور القطاع الخاص أهم وأكبر من دور القطاع الحكومي سواء من حيث الإنفاق الاستهلاكي أو الاستثماري. وللضرائب مهمة أخرى وهي جمع الأموال من الأفراد والشركات لتغذية إيرادات الدولة وتمويل الإنفاق الحكومي. في العقود الأربعة من تاريخ المملكة (1902-1940) التي سبقت اكتشاف البترول كانت للضرائب والزكاة والرسوم الجمركية أهمية كبيرة في تكوين إيرادات الدولة لكنه عند اكتشاف البترول وتعاظم إيراداته خصوصاً بعد عام 1973 أصبحت الإيرادات البترولية بشكل شبه كامل المورد الرئيسي لإيرادات الدولة. هناك أنواع كثيرة من الضرائب أهمها نوعان: الأول ضرائب الدخل وتفرض على ما يحققه الفرد من دخل سنوي وعلى ما تحققه الشركات والمؤسسات من دخل صافي (الربح). والثانية وتسمى ضرائب الاستهلاك وتفرض على ما يستهلك من السلع والخدمات مثل ضريبة القيمة المضافة وغيرها. لكل نوع من هذه الضرائب أثره على الاستهلاك وعلى الاستثمار فهاتان الوظيفتان الاستهلاك والاستثمار هما الوقود الأساسي الذي يغذي حركة الاقتصاد ويؤثر في حركته ونموه.

في عام 2018 عندما قامت الدولة بفرض ضريبة القيمة المضافة VAT بمعدل 5 % تغير وضع أدوات السياسة المالية في المملكة بشكل كبير، حيث أصبحت الضريبة على استهلاك السلع والخدمات تأخذ من المشتري مقدار 5 % من قيمة السلعة أو الخدمة المشتراة لمصلحة خزينة الدولة. هذه الضريبة ليست من ضرائب الدخل التي تفرض على دخل الفرد أو أرباح الشركات ولكنها من الضرائب على ما يستهلكه الفرد والمؤسسات من سلع وخدمات.

الضرائب كالمشرط الحاد في يد الطبيب الجراح وهو يعالج مريضاً في غرفة العمليات. إن أخطاء في استخدام مشرطه (السياسة المالية أو النقدية) بسبب خطأ في الأشعة والتحاليل المتعلقة بحالة المريض (الاقتصاد)، كان الله في عون المريض ويصبح الداء في الدواء. إن دقة ووضوح ومصداقية البيانات والأرقام الإحصائية التى تشرح وتبين حال الاقتصاد ومعها كفاءة وأمانة من يقومون على قراءة وتحليل هذه البيانات من خبراء ومسؤولين وعرضها بصدق وتجرد على صاحب القرار لهي حجر الزاوية في اختيار السياسة النقدية والمالية والضريبية التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني للنهوض من الانكماش والركود والحد من البطالة.

عندما يكون الاقتصاد في مرحلة انكماش بسبب انخفاض الإنفاق الحكومي وانخفاض الإيرادات البترولية أو غيرها كما كان عليه حال الاقتصاد السعودي في عامي 2016 و2017 عندما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي GDP إلى 1.7 % عام 2016 وإلى 9.- بالسالب عام 2017 (تقرير صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد السعودي ص 41)، فإن فرض ضريبة على الاستهلاك VAT ورفع أسعار الوقود والمياه والكهرباء بشكل عام على جميع شرائح المجتمع، ليس هو الاختيار الأمثل من وجهة نظري لسياسة مالية من المفروض أن تحفز الاقتصاد وترفعه من مرحلة الانكماش إلى النمو.

يبدو لي أن الهاجس الأكبر أمام المسؤولين وكذلك في وزارة المالية والتخطيط في وقتها هو كيف يتم زيادة إيرادات الدولة من غير البترول وبشكل سريع. الجواب سيكون من خلال الضرائب لكن السؤول الأهم والأصعب هو أي نوع من الضرائب، ضريبة على الدخل أو ضريبة على الاستهلاك.

إن كان الأمر يتعلق بسهولة تحصيل الضرائب في وقت سريع فلا شك أن فرض ضريبة على ما يستهلكه المواطن والمقيم من سلع وخدمات هو الأيسر والأسهل أما إذا كان الأمر يتعلق بالبحث عن أفضل ضريبة ملائمة لحال المريض (الاقتصاد)، فالجواب كما أرى هي ضريبة الدخل بنسبة لا تضعف رغبة المستثمر في الاستثمار ولا تضعف القدرة الشرائية للطبقة الوسطى ومحدودة الدخل في شراء السلع والخدمات. الاهتمام في الحالة التي كان عليها الاقتصاد السعودي في 2016 و2017 من المفروض أن ينصب على الحد من حالة الانكماش الاقتصادي وزيادة دخل الطبقة الوسطي والحد من حجم البطالة بين الخريجين والباحثين عن العمل، والإسراع في صرف مستحقات المقاولين والشركات المتأخرة لدى وزارة المالية والوزارات الأخرى.

صحيح أن ضريبة القيمة المضافة هي الأسهل والأسرع لجمع المال من المواطنين والمقيمين لصالح إيرادات الدولة، لكن في المقابل لها نتائج سلبية مباشرة ومكررة على حجم استهلاك السلع والخدمات وبالتالي خفض حجم الطلب العام الذي يعتبر المحرك الأساس لعجلة الإنتاج والتوظيف والاستثمار، كما أن أثرها في أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة أقوى بكثير من أثرها على أصحاب الدخول العالية.

الضريبة المناسبة في مثل هذه الحالة كما أسلفت هي ضريبة الدخل التي يقع عبئها الأكبر على أصحاب الدخل العالي من الأفراد وعلى الأرباح العالية للشركات، كما أن ضريبة الدخل تدريجية، عالية لأصحاب الدخل العالي جداً ومتوسطة لأصحاب الدخل المتوسط ويعفى منها أصحاب الدخل المنخفض. وكذلك الحال بالنسبة للشركات والمؤسسات، تكون عالية للشركات ذات الربح العالي ومنخفضة للشركات ذات الدخل المتوسط وتعفى منها الشركات الصغيرة..

لكن ضريبة الدخل تتطلب من كل فرد مهما كان موقعه الاجتماعي أو السياسي الإفصاح عن دخله السنوي الذي على أساسه تحدد الشريحة الضريبية التى تنطبق عليه. وقد يقول قائل إن هذا أمر صعب تحقيقه في مجتمعنا، وأقول إن هناك أشياء كثيرة ظننا أنها صعبة الحدوث في مجتمعنا، لكن عندما فرضت الحاجة والظروف ما هو مطلوب وجاء القرار به حدث ما كنا نراه صعب الحدوث. العبرة هنا بالحاجة والضرورة المرتبطة بمصلحة الأمة ومستقبلها وبالقرار المؤيد لذلك، وإني لأظن معتقداً أن المصلحة الوطنية والاقتصادية تتطلب نظاماً ضريبياً للدخل كما هي الحال في بقية الأمم لإدارة الاقتصاد وتمويل النفقات الحكومية وتحقيق شيء من العدالة والمسؤولية الاجتماعية بين طبقات الدخل المختلفة في المجتمع.

هندسة السياسة المالية لإدارة الاقتصاد الوطني تتطلب إحصائية مفصلة ودقيقة وموثقة من خلالها يعرف المسؤولون عن صياغة السياسات المالية والنقدية حال الاقتصاد وحال المواطنين الذين يعيشون على إنتاجه ويأتي دخلهم من وظائفه، لذا فكل ما كانت رؤية المسؤولين تهدف إلى رفع مستوى دخل المواطن ورفاهيته على الأمد المتوسط والطويل كان اختيارهم لأدوات السياسة المالية والنقدية أصوب وأقرب إلى رفع مستوى التنمية والنماء الاقتصادي ومعه رفع مستوى دخل المواطن ورفاهيته.

_____________________

المصدر: مجلة اليمامة


 
الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها