احمد الديين

 

ورقة قدمت إلى اللقاء السنوي الثالث والثلاثون لمنتدى التنمية: "السياسات العامة والحاجة للإصلاح في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، الدوحة 1 – 2 مارس 2012.

تعاني الكويت جملة من الاختلالات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي اختلالات لا يمكن تجاهلها، ولابد من البحث عن سبل جادة ومخارج واقعية لمعالجتها وإصلاحها.

ويتركّز الاختلال السياسي في احتدام التعارض بين عقلية المشيخة وانفرادها بالسلطة من جهة وبين مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة ومتطلبات التطور الديمقراطي للمجتمع الكويتي من جهة أخرى.

فيما يتركز الاختلال الاقتصادي في البنية الاقتصادية الريعية ذات المورد الأحادي، وتأدية الاقتصاد الكويتي وظيفة متخلفة في إطار التقسيم الدولي للعمل تتمثّل في تصدير النفط الخام؛ بالإضافة إلى النهج الاقتصادي للقوى الاجتماعية المتنفذة وما أدى إليه هذا النهج من اختلال توازن البنية الاقتصادية لصالح القطاعات غير المنتجة والتطور الأحادي الجانب، وإعاقة نمو وتطور القوى المنتجة المادية والبشرية.

أما الاختلال الاجتماعي فيبرز من جهة في تنامي الهويات الصغرى والاستقطابات الفئوية والمناطقية والقبلية والطائفية على حساب الهوية الوطنية الكبرى، ويبرز من جهة أخرى في اختلال نسبة التركيبة السكانية بين المواطنين وغير المواطنين.

و يتضح اختلال النظام التعليمي في تخلف مناهج التعليم وضعف ارتباطها بمتطلبات المجتمع واحتياجاته، بالإضافة إلى تدني مستوى التعليم العام وفق الاختبارات الدولية، وضعف مستوى مخرجات التعليم العام والعالي.

وقد سبق للقوى الشعبية ممثلة في مجلس الأمة والتجمعات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني أن دعت إلى معالجة مثل هذه الاختلالات وتحقيق إصلاحات جدّيّة، مثلما هناك في المقابل وثائق رسمية دعت إلى معالجات وتحقيق إصلاحات، إلا أنّ وثائق الطرف الرسمي تجاهلت تمامًا الحاجة إلى الإصلاح السياسي، الذي هو المدخل الرئيسي للإصلاحات الأخرى.

ولهذا فإنّ هناك حاجة موضوعية ومتطلبات عملية لبلورة أجندة وطنية متوافق عليها للإصلاح، فالإصلاح لا يمكن أن يتحقق عفويًا، كما أنّه يتطلب بالتأكيد توافقًا وطنيًا واجتماعيًا حوله.


الإمكانات المتاحة للإصلاح شعبيًا ورسميًا والعقبات والعوامل المعيقة

يمكن القول إنّ هناك إمكانات وفرصًا واسعة نسبيًا لتحقيق الإصلاح في الكويت في حال جرى توظيفها وتمت تعبئتها لمثل هذه المهمة المستحقة، ومن بينها هذه الإمكانات:

1- وجود دستور، فدستور الكويت لعام 1962على الرغم من عدم اكتماله ديمقراطيًا، إلا أنّه يضع أسسًا لدولة المؤسسات والقانون، ويكفل مجموعة من الحقوق والحريات، ويقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، ويضمن المشاركة الشعبية عبر الانتخابات والمؤسسة النيابية ومحاسبة الحكومة.
2- وجود تجمعات سياسية ناشطة تمارس عملها علنًا وإن لم تتمتّع بعد بالإشهار القانوني والشخصية المعنوية.
3- وجود شبكة واسعة من مؤسسات المجتمع المدني ممثلة في النقابات العمالية وغرفة التجارة واتحادات أصحاب الأعمال وجمعيات النفع العام والأندية والجمعيات المهنية.
4- الهامش الواسع المتاح نسبيًا لحرية الإعلام في مجالاته المقروءة والمرئية والمسموعة.
5- وجود رأي عام شعبي حيّ ومتفاعل.

إلا أنّ هناك في المقابل عقبات وعوامل تعيق تحقيق الإصلاح لا يمكن تجاهل تأثيراتها السلبية، من بينها:

1- عقلية المشيخة ونهجها السلطوي.
2- سطوة قوى الفساد المتنفذة.
3- شدة الميول والنزعات الطفيلية والاستهلاكية المرتبطة بالنمط الاقتصادي.
4- حالة التخلف الثقافي والاجتماعي، والتأثيرات السلبية لإحياء البُنى التقليدية والنزعات الفئوية والقبلية والطائفية التي تجري استثارتها داخل المجتمع الكويتي؛ إما بتحريض مباشر أو تحت تأثير عوامل إقليمية.

دعوات الإصلاح ومشروعاته

يمكن رصد العديد من دعوات الإصلاح والمشروعات الإصلاحية والفعاليات والمؤتمرات التي استهدفت بلورة أجندات للإصلاح في المجالات المختلفة سواء على المستويين الشعبي أو الرسمي، ومن بينها:

1- برامج التجمعات السياسية: إذ أنّ هناك العديد من الوثائق الهامة التي طرحتها التجمعات السياسية منذ بداية السبعينيات تضمنت دعوات لتبني نهج إصلاحي، يمكن أن نذكر منها "برنامج العمل الوطني الديمقراطي الذي أعلنه نواب الشعب (التقدميون الديمقراطيون)" 1971 بمناسبة انتخابات مجلس الأمة الثالث، و"منهاج عمل التجمع الوطني" نوفمبر 1974، و"برنامج العمل الوطني لنواب الشعب" ديسمبر 1974، و"برنامج حزب اتحاد الشعب في الكويت" 1978، و"البرنامج الانتخابي لمرشحي التجمع الديمقراطي" 1985، و"إعلان المبادئ" الصادر عن المنبر الديمقراطي الكويتي ديسمبر 1991، ووثيقة "نحو استراتيجية دستورية إسلامية جديدة لإعادة بناء الكويت" الصادر عن الحركة الدستورية 1991، و"نعدكم" البرنامج الانتخابي لمرشحي المنبر الديمقراطي الكويتي 1992، و"رؤية وطنية للمستقبل" برنامج عمل التجمع الوطني الديمقراطي عن الفترة 1998- 2000، ووثيقة "طريق الكويت نحو النهضة والتغيير" الصادرة عن المنبر الديمقراطي الكويتي مارس 1999، و"الوثيقة الأساسية" للتحالف الوطني الديمقراطي في 23 ديسمبر 2002، و"برنامج العشرين نقطة" للمنبر الديمقراطي الكويتي 2006، و"نحو برنامج انتخابي للإصلاح والتغيير" الصادر عن التيار التقدمي الكويتي بمناسبة انتخابات 2012، التي تشكّل في مجموعها رؤى إصلاحية وطنية قدمتها التجمعات السياسية الكويتية وتناولت فيها مختلف الاختلالات التي تعانيها البلاد كما تضمنّت اقتراحات ملموسة للإصلاحات المنشودة.

2- وثائق مؤتمرات الإصلاح التي دعت إليها مؤسسات المجتمع المدني الكويتي، ومن بينها: وثيقة "الحكم الصالح: الطريق إلى التنمية", الصادرة عن جمعية الشفافية الكويتية مارس 2007، و"الحوار الوطني للإصلاح السياسي" الذي نظمته جمعية الشفافية من 11 نوفمبر 2008 إلى 31 مارس 2009، وورقة "الإصلاح الاقتصادي شرط أساسي لنجاح استراتيجية المركز التجاري والمالي" الصادرة عن غرفة تجارة وصناعة الكويت أبريل 2009، وأوراق ندوة "التوجهات المستقبلية للاقتصاد الكويت" الصادرة عن المؤتمر العلمي الأول للاقتصاديين الكويتيين في مايو 1993.


3- وثائق الإصلاح الرسمية: ومن أهمها "الوثيقة الوطنية للإصلاح والتنمية" الصادرة عن وزارة التخطيط مارس 1993، "استراتيجية التنمية بعيدة المدى لدولة الكويت" المجلس الأعلى للتخطيط 1989، "الإطار العام للخطة الإنمائية للسنوات 2010/2011 – 2013/2014" الصادر بالقانون رقم 9 لسنة 2010، ومن بين أهم التقارير ذات الصلة بإصلاح التعليم توصيات "مؤتمر المناهج" 1972، و"التقرير الختامي لتقويم النظام التربوي لدولة الكويت" الصادر عن وزارة التربية يوليو 1987.

ويلاحظ المطّلع على هذه الوثائق أنّ الوثائق الصادرة عن التجمعات السياسية الكويتية قد تطرقت إلى مختلف الاختلالات التي تعانيها الكويت، ولكنها في الغالب تناولتها كعناوين وقضايا ومطالب واقتراحات، من دون أن تربطها بخطوات عملية وسياسات وإجراءات ملموسة للتنفيذ، فيما نلاحظ أنّ وثائق مؤسسات المجتمع المدني قد ركزت في غالبها على الإصلاحات في مجالات محددة تتصل باهتمامات هذه المؤسسات، ما عدا وثائق جمعية الشفافية الكويتية ومؤتمراتها التي تناولت الإصلاح السياسي، أما الوثائق الرسمية فنجدها تتجاهل إلى حد كبير أي حديث عن الاختلالات السياسية ولا تتطرق إلى استحقاقات الإصلاح السياسي، مع ما تتميّز به الوثائق الرسمية من بيانات ومعلومات وما تتضمنه من سياسات وإجراءات تنفيذية، إلا أنّ الغالب على الوثائق الحكومية هو عدم انتقالها إلى مستوى التطبيق، اللهم إلا ما يتصل بالمشروعات ذات الطبيعة الاقتصادية الواردة في الخطة الإنمائية، وهذا قصور فاضح لا يمكن تبريره للسلطة التنفيذية.



الاختلالات الرئيسية واستحقاقات الإصلاح

أولًا: الاختلالات السياسية واستحقاقات الإصلاح السياسي:

عندما نالت الكويت استقلالها في العام 1961، توافرت مجموعة من الظروف والعوامل الموضوعية والذاتية، التي دفعت في اتجاه تحقيق توافق تاريخي بين مشروع الحكم ممثلًا في الأسرة الحاكمة ومشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة.

إذ واجهت الدولة الوليدة تحديًا مصيريًا منذ الأيام الأولى لاستقلالها تمثّل في التهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي عبدالكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق ورفضه الاعتراف باتفاقية الاستقلال عن بريطانيا، وهذا ما تطلب تحقيق توافق على مستوى الجبهة الداخلية لمواجهة التهديد الخارجي، ومن جهة أخرى فقد نالت الكويت استقلالها في وقت كانت فيه الحركة التحررية على المستوى القومي العربي تمر في حالة مدّ تركت أثرها على الحركة الوطنية الكويتية.

فيما كانت القوى الحيّة في المجتمع الكويتي تتطلع حينذاك نحو الانتقال من حالة الإمارة التقليدية إلى تأسيس الدولة الكويتية الحديثة وتلبية مطلب المشاركة الشعبية... وترافق هذا مع ظرف ذاتي مواتٍ على مستوى الأسرة الحاكمة، إذ كان على رأس السلطة حينذاك أمير مستنير هو الشيخ عبدالله السالم، الذي سبق أن اختاره أعضاء مجلس الأمة التشريعي في العام 1938 رئيسًا لمجلسهم في تجربة تاريخية رائدة وفريدة في المنطقة الخليجية، وشهدت الكويت منذ بداية عهده عندما تولى الإمارة في العام 1950 انفراجًا سياسيًا نسبيًا وقطعت خطوات ملموسة على طريق التحديث، وبالتأكيد فقد لعبت شخصية الأمير المستنير دورًا ايجابيًا في تحقيق التوافق التاريخي بين مشروع الحكم ومشروع الدولة الحديثة.

وفي ذلك السياق تحقق توافق تاريخي بين مشروع الحكم، الذي يسعى إلى ضمان استقراره واستمراره وتأكيد شرعيته التاريخية بشرعية دستورية، وبين مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة، تجسد في انتخاب مجلس تأسيسي في نهاية العام 1961 ووضع دستور للبلاد في العام 1962 يوفر هامشًا من الحقوق والحريات الديمقراطية ويقيم حياة نيابية تتوافر فيها الحدود الدنيا الأساسية من الديمقراطية.

إلا أنّه سرعان ما برز التناقض بين المشيخة نهجًا وعقلية لدى الأطراف السلطوية المتنفذة داخل الأسرة الحاكمة وبين مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة ومتطلبات التطور الديمقراطي للمجتمع الكويتي، خصوصًا في السنوات الأخيرة من عهد الأمير الشيخ عبدالله السالم، إذ عمدت هذه الأطراف السلطوية إلى إعاقة مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة عندما تعاملت معه على أنّه مشروع مناقض لمشروع الحكم، ونظرت إلى الدستور على أنّه خطأ تاريخي يجب تصحيحه.

حيث تمثّلت الخطوة الأولى لإعاقة مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة في إفراغ الدستور من مضامينه الديمقراطية عبر تمرير سلسلة من القوانين المقيّدة للحريات والمتعارضة مع الدستور بالاستناد إلى أصوات النواب الموالين للسلطة، ثم عمدت الأطراف السلطوية المتنفذة بعد وفاة الأمير الشيخ عبدالله السالم إلى تزوير انتخابات مجلس الأمة الثاني في 25 يناير من العام 1967، وهو المجلس الذي كان يفترض أن ينجز مهمة التنقيح الديمقراطي لدستور الحدّ الأدنى.

وجرى بعد ذلك الانقلاب مرتين على الدستور في العامين 1976 و1986 حيث تمّ تعليق العمل بعدد من مواد الدستور وتعطيل الحياة النيابية وفرض القيود على الحريات العامة، ما أدّى إلى تكريس نهج الانفراد بالسلطة، وحدوث اختلال صارخ في موازين القوى لغير صالح الاتجاه الديمقراطي، وتكرّس مع مرور الوقت نهج الانفراد بالسلطة.

دوهذا ما تمثّل في احتكار القرار السياسي واحتكار المناصب الأساسية في الإدارة السياسية للدولة بأيدي الأسرة الحاكمة، وتحويل مجلس الوزراء إلى جهاز تنفيذي يتلقى التوجيهات بدلًا من كونه، مثلما يفترض دستوريًا، سلطة سياسية مقررة، وتشريع قوانين تقيد الحريات والحقوق الديمقراطية وتصادر بعضها.

وشهدت البلاد في السنوات الأخيرة إفسادًا واسعًا للحياة السياسية على مستوياتها المختلفة بدءًا من إفساد العملية الانتخابية؛ مرورًا بالممارسة البرلمانية وشراء أصوات الغالبية النيابية الموالية، وصولًا إلى إنشاء وسائل إعلامية خاصة تمثّل أبواقًا دعائية مسفة.

وفي موازاة هذا الإفساد الواسع للحياة السياسية فإنّ غياب الحياة الحزبية وضعف التنظيمات السياسية وعدم إشهارها أدى إلى تكريس الطابع الفردي في الحياة البرلمانية وبروز ممارسات نيابية منحرفة من شأنها تشويه الحد الأدنى المتوافر من الديمقراطية. هذا في الوقت الذي لم يتوقف فيه التربص السلطوي بالوضع الدستوري.

لقد جرى تراجع ملحوظ عن مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة، وتعرضت الحياة السياسية في البلاد إلى تشويه خطير وتدهور كبير، بحيث أنسد عمليًا أي أفق جدي للإصلاح والتغيير في إطار هذه الصيغة المشوهة، وهذا ما يتطلب أولًا وقبل كل شيء إعادة الاعتبار مجددًا إلى مشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة في الإطار الدستوري الديمقراطي بوصفها المهمة الوطنية الأساسية، التي يمكن أن تشكّل قاسمًا مشتركًا بين مختلف القوى صاحبة المصلحة في إصلاح هذا الخلل السياسي الصارخ وتصحيح المسار وإقامة دولة المؤسسات والقانون.

ولا أحسب نفسي مبالغًا عندما أقرر أن للإصلاح السياسي الديمقراطي أولوية تسبق غيره من الإصلاحات المستحقة، إذ لا يمكن البدء بإصلاح الاقتصاد أو السعي نحو إصلاح التعليم أو إصلاح جهاز الإدارة الحكومية من دون أن يكون هنالك بالأساس إصلاح سياسي على مستوى سلطة اتخاذ القرار في الدولة.

إن الإصلاح المنشود ليس مجرد تدابير إصلاحية متناثرة هنا وهناك لا يجمعها رابط، وإنما يفترض أن تكون جزءا من نهج إصلاحي واضح يستهدف استكمال مشروع بناء الدولة الحديثة، وإلا فلن تعدو هذه الإصلاحات إن وجدت أن تكون إصلاحات جزئية، محدودة، وناقصة.

ويمكن تلخيص خطوات الإصلاح السياسي المنشود في العناوين التالية:

1- عدم المساس بالضمانات الديمقراطية الأساسية الواردة في دستور 1962، بوصفه دستور الحد الأدنى، ووضعها موضع التطبيق نصًا وروحًا، وتعزيزها وتوسيعها، وصولًا إلى دستور ديمقراطي برلماني.
2- احترام الحريات الشخصية وإطلاق الحريات والحقوق الديمقراطية الأساسية: حرية المعتقد؛ وحرية الرأي؛ وحرية التعبير؛ وحرية النشر؛ وحرية الاجتماع؛ والحق في التظاهر السلمي والإضراب عن العمل؛ وحرية النشاط النقابي والاجتماعي؛ وحرية التنظيم السياسي والحزبي، وإجراء إصلاح تشريعي شامل يلغي القوانين والإجراءات المقيدة للحريات والحقوق الديمقراطية ويهدف إلى سنّ قوانين تفسح المجال أمام المواطنين لممارسة حرياتهم وحقوقهم الديمقراطية.
3- تأكيد مبادئ الفصل بين السلطات، والتعددية السياسية والحزبية، وتداول السلطة ديمقراطيًا، وسيادة القانون، واستقلال القضاء.
4- إشهار الأحزاب السياسية.
5- ضمان حق الأفراد في الاحتكام مباشرة أمام المحكمة الدستورية، وإزالة القيود المفروضة على حق التقاضي أمام المحكمة الإدارية في قضايا الجنسية والإقامة والصحف ودور العبادة.
6- توسيع القاعدة الانتخابية بتخفيض سن الناخب إلى 18 عامًا، وإلغاء وقف حقّ العسكريين في الانتخاب.
7- الحد من الوصاية الحكومية المفروضة على مؤسسات المجتمع المدني، وتعديل القوانين المخلة بمبدأ استقلاليتها.


ثانيًا: الاختلالات الاقتصادية واستحقاقات الإصلاح الاقتصادي:

يعاني الاقتصاد الكويتي من اختلالات هيكلية ناجمة عن ارتكازه على بنية اقتصادية ريعية ذات مورد أحادي، وارتباطه التبعي بالنظام الرأسمالي العالمي عبر تأدية وظيفة متخلفة في إطار التقسيم الدولي للعمل تتمثّل في تصدير النفط الخام؛ بالإضافة إلى النهج الاقتصادي للقوى الاجتماعية المتنفذة وما أدى إليه من اختلال توازن البنية الاقتصادية لصالح القطاعات غير المنتجة والتطور الأحادي الجانب، وإعاقة نمو وتطور القوى المنتجة المادية والبشرية وتكريس تخلفها، عبر سياسات اقتصادية وتوظيفية حجر الزاوية فيها الاعتماد علي الأيدي العاملة غير المُستقرة كبديل وليس كمُكمّل للأيدي العاملة الوطنية والمُستقرة.

وأصبحت إيرادات بيع النفط الخام تشكّل مصدر النشاط الاقتصادي، مع ملاحظة ضعف صلتها ببقية القطاعات الاقتصادية باستثناء صلة التمويل، وما يتهدد الموارد النفطية من مخاطر النضوب بفعل الاستنزاف أو جراء ما يمكن أن يسمى "النضوب التقني" في حال إنتاج طاقة بديلة بكلفة مناسبة.

ويتضح الطابع الطفيلي للاقتصاد الكويتي في تلك الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاستهلاك لغير صالح تراكم حقيقي لرأس المال، والتي تتم تغطيتها عن طريق ريع النفط، وتضخم الإنفاق الحكومي وارتباطه بسياسة غير عادلة لتوزيع الدخل والتصرف بالثروة الوطنية.

وإزاء فشل النهج الاقتصادي القائم وإفلاسه لابد من انتهاج سياسة اقتصادية وطنية بديلة لبناء اقتصاد وطني متطور ومستقل بهدف تجاوز أوضاع التخلف والتبعية والنهب الطفيلي واستباحة المال العام والتوزيع غير العادل للثروة وغياب التخطيط، ومن عناوين الإصلاح الاقتصادي:

1- تنويع وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، بإقامة صناعة وطنية تعتمد على أحدث التقنيات، وتوفير الحماية والدعم لها باعتماد خطة تصنيع تتلاءم مع إمكانيات البلاد ومتطلبات السوق الداخلي والخليجي، وتسهم في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، وذلك بتشجيع الصناعة الوطنية وتوفير الحوافز الملائمة لتطويرها وتطوير الكادرين الفني والإداري المحلي فيها، والتركيز على الصناعات البتروكيماوية وتطوير الصناعات القائمة وخصوصًا المعتمدة على النفط. هذا إلى جانب تطوير قطاع الملاحة والنقل البحري.

2- الاستخدام العقلاني الرشيد وطويل الأمد للثروة النفطية وإبقائها بيد الدولة ورفض خصخصتها وصد الأبواب أمام سعي شركات النفط العالمية الكبرى لإعادة هيمنتها عليها تحت غطاء اتفاقيات المشاركة في الإنتاج، وربط سياسة إنتاج النفط وتصديره بمتطلبات تطوير اقتصادنا الوطني واحتياجاته الفعلية؛ وكذلك ربطها بحجم الاحتياطيات النفطية الحقيقية القابلة للاستخراج، ووضع ضوابط للحد من استنزاف الثروة النفطية، وتعزيز وحدة الأوبيك في مواجهة الاحتكارات، والعمل مع بقية دول الأوبيك والدول الأخرى المنتجة والمصدرة للنفط على اعتماد وحدة حسابية أخرى لمعاملات النفط الدولية بدلًا من عملة الدولار الأميركي المتآكلة باستمرار.


3- تنمية الموارد البشرية المحلية وتعبئتها، وتأهيل قوة العمل الوطنية والاعتماد عليها وعلى العمالة المستقرة من "البدون" والوافدين العاملين، وبالأساس منهم الخليجيون والعرب، بدلًا من جلب المزيد من العمالة الأجنبية الجديدة.

4- تشجيع النشاطات الإنتاجية في القطاع الخاص، وتقديم التسهيلات والحوافز اللازمة كي يدخل القطاع الخاص في مجالات استثمار إنتاجية ذات مستويات تقنية عالية، ليسهم في إعادة البناء الاقتصادي وتوازنه، بدلًا من اختلاله الناجم عن غلبة الاستثمارات في قطاعات الاقتصاد الساخنة كالمال والعقار والاستثمارات، مع ضرورة تحمّل هذا القطاع تبعات اختياراته الاقتصادية، وتأكيد المسؤولية الاجتماعية لرأس المال في توفير فرص العمل ودفع ضرائب على الدخل بهدف المساهمة في تمويل الميزانية العامة للدولة.


5- الأخذ بسياسة مالية ونقدية تستهدف تشجيع الاستثمار الإنتاجي؛ والحدّ من التضخم النقدي، والرقابة على القطاعين المالي والمصرفي وتجنّب محاولات فرض السيطرة الأجنبية عليهما، ووضع نظام ضريبي تصاعدي على أرباح الشركات الكبيرة والبنوك، والتركيز الرقابي النوعي علي ميزانيات موازنات هذه الشركات والبنوك لمنع الاختلال الاستثماري وكبح الانجراف الطفيلي ومحاربة النشاطات الوهمية في أسواق المال، وتوجيه الاستثمارات الحكومية نحو تحقيق أهداف استثمارها بأقل درجة من المخاطر وأكبر مردود، وتوجيهها نحو البلدان الخليجية والعربية ما أمكن، ورفض تدفقات الاستثمارات الأجنبية لأغراض المضاربة.

6- إحداث إصلاح إداري شامل بحيث يتم تطوير الإدارة الحكومية لتكون في خدمة المواطنين والمجتمع، وتوجيه نشاط جهاز الدولة ككل بشكل أكثر انتظامًا وانسجامًا، ومعالجة مشاكل التضخم الوظيفي وانخفاض الإنتاجية والفساد الإداري، ووضع أسس موضوعية عادلة وشفافة للترقية والتقدم الوظيفي، والتخفيف من الشكليات الإدارية والبيروقراطية والروتين، والاستفادة من التقنية الحديثة للمعلومات والاتصالات في تطوير الخدمات الإدارية.


7- الحد من الفساد ومكافحته تكتسبان أهمية قصوى، وهذا ما يتطلب سن قوانين وتفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ووضع إجراءات وتدابير لمنع استغلال النفوذ، والكشف عن الذمة المالية لكبار المسؤولين في الدولة، وتضارب المصالح، وفضح التجاوزات ومحاولات التطاول على المال العام ونهبه، مع تعزيز أجهزة الرقابة الدستورية ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة بالشفافية ومكافحة الفساد، والعمل على وقف إفساد الحياة السياسية والبرلمانية والمؤسسات الإعلامية، وذلك بوضع سقف أعلى للإنفاق الانتخابي وكشف مصادر تمويل الحملات الانتخابية ووسائل الإعلام.


ثالثًا: الاختلالات الاجتماعية وعناوين إصلاحها:

شهدت الكويت، خصوصًا في السنوات الأخيرة، تأجيجًا متعمّدًا للاستقطاب الاجتماعية الفئوية والقبلية والطائفية، التي هي بالأساس نتاج التخلف الاجتماعي واستمرار تماسك بعض المكونات التقليدية وامتداد تأثيراتها، وتراجع مشروع بناء الدولة الحديثة وإضعاف مفهوم المواطنة الدستورية، وما تمثّله هذه الاستقطابات من شعور واهم بالانتماء إلى هذه الهويات الصغرى الفئوية والقبلية والطائفية على حساب الهوية الوطنية الكبرى.

ومن جانب آخر، تواجه الكويت مشكلة تدني نسبة المواطنين إلى إجمالي عدد السكان، وإذا كان احتياج الكويت إلى العمالة، والظروف الاقتصادية والسياسية في عدد من البلدان المحيطة قد أديا إلى توافد العمالة غير الكويتية، فإن اتجاه التطور الرأسمالي المشوه، ونمط المجتمع الاستهلاكي، وعدم الاهتمام بتطوير قوى العمل المحلية وتهميشها، والاعتماد المتزايد على العمالة الوافدة وممارسة أبشع استغلال طبقي لها، بالإضافة إلى تفشي تجارة الإقامات بين أصحاب النفوذ في ظل تخلف قوانين الإقامة وتعارضها.

كما تبرز قضية غير محددي الجنسية (البدون) التي لم تنشأ من فراغ بل تتحمل السلطة مسؤولية وجودها.

إنّ المدخل الأول لمعالجة الاختلالات لاجتماعية يبدأ بتنمية العلاقات المجتمعية على أسس وطنية إنسانية ما يتطلب إلغاء أي تمييز بسبب الأصل أو الطائفة، والتصدي لمحاولات تأجيج النعرات الفئوية والمناطقية والطائفية والقبلية، والتأكيد على المواطنة الدستورية القائمة على المساواة القانونية وتكافؤ الفرص.

أما من حيث عناوين إصلاح الاختلالات الاجتماعية ومعالجتها فيمكن تلخيصها في:

1- وضع سياسة استخدام وطنية تتوجه نحو تأهيل قوى العمل الكويتية والاعتماد عليها وخصوصًا في القطاعات الحيوية كالنفط وإنتاج الكهرباء والماء والصناعة.
2- الاستفادة من غير محددي الجنسية بعد معالجة أوضاعهم، ومن العمالة الوافدة المستقرة بدلًا من جلب المزيد من العمالة الوافدة الجديدة.
3- تبني سياسة جادة واتخاذ إجراءات عملية لمعالجة إنسانية عادلة ونهائية لقضية غير محددي الجنسية (البدون)، وتحديدًا الكويتيين البدون.
4- اتخاذ إجراءات للتحكم في أعداد ونوعية العمالة الوافدة الجديدة، والعدد المسموح به لكل مؤسسة.
5- محاربة تجارة الإقامات، وتطوير قانون الإقامة ونظمه.
6- زيادة التكلفة الاقتصادية للعمالة الوافدة في القطاع الخاص بتحميل أرباب العمل نفقات الخدمات الأساسية المقدمة لهم مثل التعليم والعلاج، ورفع الحد الأدنى لأجورهم.

رابعًا: خلل النظام التعليمي وعناوين إصلاحه:

يعاني التعليم العام والفني والجامعي من عدم وجود توجه واضح يساعد على ربطه باحتياجات التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد، وانعدام التخطيط، وتفاقم ظاهرة التسرب من مراحل التعليم المختلفة التي تمثل هدرًا للموارد البشرية.

والمؤسف أنّ السمات الغالبة على مناهج التعليم هي تخلفها، وضعف ارتباطها بمتطلبات المجتمع واحتياجاته، بالإضافة إلى تدني مستوى التعليم العام وفق الاختبارات الدولية، وضعف مستوى مخرجات التعليم العام والعالي. وللدلالة على ذلك يكفي أن أشير إلى ما أورده التقرير العالمي للتنافسية عن 2008/2009 الذي يوضح أنّ الكويت تحتل المرتبة 92 على مستوى جودة التعليم الابتدائي بين دول العالم، والمرتبة 93 في جودة تعليم الرياضيات والعلوم.

ولا تزال كليات ومعاهد التعليم التطبيقي والتدريب المهني قاصرة عن القيام بدورها المفترض في إعداد كوادر فنية ومهنية ذات كفاءة عالية وقادرة على المنافسة في سوق العمل. أما جامعة الكويت وكذلك الجامعات الخاصة فهي متخلفة عن أداء دورها كصروح علمية ومنابر تنويرية وفكرية وثقافية فاعلة ومؤثرة إيجابيًا في المجتمع.

وهناك حاجة فعلية للقيام بإصلاح للتعليم، وهو ما يتطلب:

1- إصلاح النظام التعليمي وتطويره، والعمل على ضمان جودته ورفع مستوى مخرجاته، وربط سياسة التعليم والنهج التربوي باحتياجات التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلاد، وتطوير المناهج الدراسية بحيث تعالج متطلبات الحياة المعاصرة وتعوّد النشء على التفكير العلمي وتغرس في نفوسهم الثقافة الوطنية والقيم الديمقراطية، وتعدّهم لحياة المستقبل. مع توجيه الطلاب نحو الفروع العلمية لإعداد ما تحتاجه البلاد من كوادر متخصصة.
2- زيادة عدد معاهد التدريب المهني والتعليم الصناعي والتطبيقي وتنويع فروع التخصص فيها، والاهتمام بتطويرها لتخريج الكوادر الفنية الوطنية المطلوبة.
3- رفع مستوى التعليم الإلزامي إلى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها في برامج التدريب والإعداد المهني.
4- معالجة ظاهرة التسرب من مراحل التعليم المختلفة.
5- ضمان استقلالية التعليم الجامعي والعالي وحرية البحث العلمي، وتوسيع نطاق المستفيدين من نظام التعليم الجامعي والعالي من خلال وجود أكثر من جامعة حكومية، وتوفير خياري التعليم المشترك والمنفصل.
6- ربط البحث العلمي بالتطوير والإنتاج، وتحويل العلم إلى قوة منتجة. وتأسيس مراكز أبحاث في مختلف فروع العلوم للمساهمة في خلق وتطوير الاقتصاد الوطني.
7- الاهتمام بتطوير التعليم النوعي لذوي الاحتياجات الخاصة.
8- التطوير المستمر للقدرات العلمية والمهنية للمعلمين، بما يضمن جودة التعليم.


نحو مؤتمر وطني للإصلاح للتوافق

إنّ ما تعانيه الكويت من اختلالات يتطلب توافقًا وطنيًا واجتماعيًا حول أجندة للإصلاحات، ولعلّ الآلية المناسبة لتحقيق ذلك هي انعقاد مؤتمر وطني للإصلاح يشارك فيه مختصون، وشخصيات علمية في مجالات مختلفة، وذوو الاهتمام، وأصحاب الرأي، والتجمعات السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، وكذلك ممثلون عن الحكومة، ومجلس الأمة، والسلطة القضائية.

بحيث يبحث هذا المؤتمر محاور الإصلاح وقضايا التنمية ومشكلاتها وتحدياتها، ويحاول تشخيص الاختلالات والعلل، التي تعانيها الدولة والمجتمع الكويتي والاقتصاد الوطني، وصولًا إلى بلورة اقتراحات للحلول والمعالجات والبدائل، واستشراف سبل التقدم والمخارج المأمولة للنهوض بالكويت.

 

المصدر: الجماعة العربية الديمقراطية



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها