مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا):

التحديات والفرص (1)

خليل بو هزاع

 

 

 

 

نشرت منظمة العمل الدولية (الثلاثاء 7 أبريل 2020) تحديثاً لتقديراتها الأولية لانعكاسات جائحة (كوفيد-19) أو كورونا على أسواق العمل في العالم، والتي وصفت فيها أوضاع سوق العمل بـ"الرهيبة" وأنها الأزمة الأكثر حِدَّة بعد الحرب العالمية الثانية.

 

وتشير التقديرات الحديثة إلى تأثر 81% (حوالي 2.7 مليار عامل وعاملة) من إجمالي القوى العاملة في العالم بالتبعات الاقتصادية للجائحة، كما انخفضت ساعات العمل بنسبة 6.7% في الربع الثاني من عام 2020، وهو ما يعادل قوة عمل 195 مليون عامل بدوام كامل (على اعتبار 48 ساعة عمل)، إلا أن القطاعات الإنتاجية الأكثر تأثراً سيكون عليها تبعات أكبر على التشغيل كونها توظّف حوالي 38% من إجمالي القوى العاملة العالمية (حوالي 1.25 مليار عامل وعاملة).

 

ومن الواضح أن الآثار الاقتصادية على دول الخليج ستكون مضاعفة لتزامنها مع تدنٍ حادٍ في أسعار النفط. وعلى الرغم من برامج الدعم المالية التي أعلنت عنها دول المجلس كلٍ على حِدة لتعزيز قدرة القطاع الخاص على تخطي هذه الأزمة بأقل قدر من الخسائر، إلا أن التباطؤ في النمو، والتراجع في العرض والطلب والقدرة على استمرارية النشاط الاقتصادي بذات الوتيرة السابقة سيتراجع، الأمر الذي سيُلقي بتبعاته على أسواق العمل من حيث شحّ الوظائف أو من حيث عمليات التسريح التي ستطال العديد من القطاعات.

 

وقد أسهب عدد من الباحثين الاقتصاديين في تحليل أثر الجائحة على اقتصاديات دول مجلس التعاون وفي نقد حزم الدعم الحكومي وأثره المستقبلي على الاقتصاد في المنطقة. إلا أن الانعكاسات على سوق العمل لم تحظَ بذات التركيز والبحث.

 

وقبل الحديث عن الجائحة على أسواق العمل في الخليج، قد يكون من المفيد تسليط الضوء على بعض ملامح سوق العمل في المنطقة وما هي العناصر التي تؤثر فيه وعليه.

 

تتشكل القوى العاملة في الخليج من أغلبية مهاجرة. وتتراوح التقديرات لأعداد العمال المهاجرين بين 27 إلى 30 مليون عامل وعاملة في دول المنطقة (الأرقام لا تشمل في بعض الدول العمالة المهاجرة في القطاع الحكومي)، ناهيك عن الآلاف ممن يعملون بصورة "غير قانونية" ما يجعل نسبتها في إجمالي القوى العاملة تتجاوز الـ(70%)، فيما تصل نسبة المهاجرين في بعض دول المجلس كالإمارات وقطر من إجمالي السكان إلى (90%).

 

وبلغ حجم التحويلات المالية التي أرسلها العمال المهاجرون من دول الخليج في عام 2017 فقط حوالي 120 مليار دولار حسب أرقام البنك الدولي، وبذلك تشكل دول الخليج أكبر مرسل للتحويلات المالية على مستوى العالم، وحوالي ضعفي التحويلات المالية الصادرة من الولايات المتحدة الأمريكية والتي تُعد من أكبر دول العالم استقبالاً للمهاجرين.

 

 

ويعمل أغلب المواطنين في القطاع العام أو في الشركات الكبرى المملوكة ملكية مباشرة للحكومات الخليجية أو تساهم فيها بنسب عالية، فيما تتركز العمالة المهاجرة في القطاع الخاص بأجور وظروف عمل متدنية محكومة بنظام الكفالة الذي تُصنفه المنظمات الدولية المعنية بحقوق العمال وحقوق الإنسان ضمن أشكال العبودية الحديثة. فضلاً عن تأثيرات هذا النظام على زيادة أعداد العاطلين عن العمل بين المواطنين في عدد من دول الخليج كالبحرين والسعودية وعمان.

 

مشاريع التوطين: نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً

منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولغاية الأمس القريب، ونحن نسمع بين الحين والآخر عن مشاريع إحلال المواطنين في سوق العمل وبرامج التوطين، حتى أصبح الحديث عنها نوعاً من التندر الذي يتبادله العاطلون عن العمل في المنطقة بسبب فشل أغلب -إن لم يكن جميع- تلك المشاريع، والسبب في ذلك أن جميع المعالجات لمسألة البطالة كانت ولا تزال تتعاطى مع سطح الأزمة بدلاً من جذورها.

 

إن دولاً كالبحرين والسعودية وعمان تعاني من بطالة يمكن وصفها بالمزمنة. وخلافاً للتصريحات الرسمية في بعض الدول حول تدني نسبة البطالة، كالبحرين على سبيل المثال، فإن تقديرات أخرى تشير إلى أن نسبة البطالة فيها تصل إلى 11%. وهذه النسبة العالية من البطالة ليست وليدة شحّ في الوظائف أو قدرة الاقتصاديات الخليجية على توليد المزيد من فرص العمل، بل هي نتاج طبيعي لعدم وجود سياسات تنظيم عملية استقدام العمالة المهاجرة في جميع دول الخليج وإلى نظام الكفالة كما أشرنا سابقاً. لقد اقتصرت مشاريع توطين الوظائف في أغلب دول الخليج على توفير دعومات مالية لأجور العاملين المواطنين في القطاع الخاص، ورفع كلفة استقدام العمالة المهاجرة، وتحديد نسب التوطين في عدد من القطاعات دون أن تترافق تلك البرامج بسياسات تكميلية تستهدف جذر الإشكالية وهو سياسات الاستقدام وإقامة علاقة متوازنة بين العمال وأصحاب العمل والقدرة على المنافسة العادلة بين العمال في سوق عمل يحكمه قانون موحد يشمل المواطنين والأجانب ولا يجعل لصاحب العمل سلطات على العامل الأجنبي ليس لها أساس في علاقات العمل.

 

عامل آخر مؤثر على سوق العمل في الخليج هو غياب التخطيط المتكامل، وكنتيجة طبيعية لذلك فلا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل وزارات العمل لوحدها مسؤولية الخلل في سوق العمل؛ فكما هو معلوم لدى الجميع بأن المنهجية التي تقوم عليها الإدارة الحكومية في مجتمعاتنا الخليجية مركزية إلى حد كبير وفي الغالب يرسمها ويحددها مجموعة صغيرة جداً تأتي على رأس المؤسسات الرسمية، وهذا النوع من المركزية يُفقد إدارات العمل قدرتها على المرونة مع المتغيرات الطارئة على أسواق العمل. ومن جانب آخر، غياب الرؤية المتكاملة لمجمل السياسات في الدولة هو سبب آخر لعدم قدرة وزارات العمل لوحدها على الفعل. إن إصلاح سوق العمل وتمكين المواطنين في سوق العمل لا يمكن لوزارة واحدة أياً كان حجمها وقدرة الكوادر البشرية على التفكير خارج الصندوق كما يقال أن تُحدث أثراً فعّالاً، فسوق العمل مرتبط بشكل رئيسي بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ولذلك فإن حل إشكالية البطالة على سبيل المثال بحاجة إلى مشروع وطني تتشارك فيه أكثر من جهة ولكلٍ منهم مسؤولياتها التي تكمل مسؤوليات الجهات الأخرى على أن يكون أطراف الإنتاج عنصراً أساسياً فيه.

 

في عام 2003، شخّص ولي عهد البحرين إشكاليات سوق العمل في الخليج بفقرة واحدة حينما قال: "الحل ليس في العمالة الأجنبية، لأن العامل البحريني والعامل الأجنبي لا يعملان بالظروف والشروط نفسها. والبحريني له حقوق ومن البديهي أن يفضل صاحب العمل توظيف الأجنبي".

 

ولذلك نرى بأن جميع السياسات التي استهدفت إحلال المواطنين في سوق العمل بدول الخليج، بما فيها مشروع إصلاح سوق العمل في البحرين، فشلت، لأنها مجدداً لم تعالج أصل المشكلة ولم تسهم في خلق سوق عمل مستدام جاذب للعمالة الوطنية ومنظمٍ لاستقدام العمالة المهاجرة وفق الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.

 

فهل السعودية على سبيل المثال بحاجة إلى صرف ملايين الريالات على مشروع كنطاقات أو حافز لتوطن سوق عمل به مليون عاطل مواطن مقابل أكثر من عشرة ملايين عامل وافد أو مهاجر؟ وهل صندوق العمل (تمكين) بحاجة إلى صرف 3 مليارات دولار أمريكي (حوالي 1.128 مليار دينار بحريني) لتوظيف 300 ممرض وممرضة بحرينيين مقابل 1300 ممرض ومرضة أجنبية، أو معالجة إشكالية 700 مهندس أو 8 آلف عاطل كما تقول التصريحات الرسمية، مقابل سوق العمل فيه أكثر من نصف مليون عامل مهاجر؟ وهل عمان مضطرة لإنشاء مؤسسة جديدة كالمركز الوطني للتشغيل على رفات زميله سجل القوى العاملة لتحفيز توظيف المواطنين؟

 

 لقراءة المقال التالي

________________

مصدر الصورة: Pexels.com

 

 

 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها