مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (3)

خليل بو هزاع

 

أشرت في المقالات السابقة إلى أبرز التحديات التي تواجه أسواق العمل في الخليج. وقلنا بأن تأثيرات الجائحة كشفت أو أعادت كشفها مرة أخرى، كما بيّنت لنا فشل كل السياسات العمالية التي كانت تتحدث عن إحلال العمالة الوطنية مقابل العمالة المهاجرة وسياسات التوطين والتدريب والتعليم الفني والمهني.. إلخ. ولذلك علينا معالجة الاختلالات في أسواق العمل من خلال عدة محاور.

 

الآن، كيف يمكن تحويل أزمة جائحة (كوفيد-19) لتكون فرصة نستطيع استثمارها والعمل على تصحيح الاختلالات التي تعاني منها أسواق العمل الخليجية طيلة العقود الماضية؟

  

إعادة صياغة علاقات العمل وسياسات الاستقدام:

إن أحد أهم عناصر الخلل في أسواق العمل الخليجية هو غلبة العنصر الأجنبي، لسهولة استقدامه وترحيله، لسهولة التحكم فيه ومحدودية حقوقه بسبب "الكفالة" وتبعاتها، وأخيراً قلة الأجر المدفوع، بما تنطبق عليهم أطروحة (Disposable people) كما عبر عنها كيفين بيلز في أكثر من كتاب ومقالة. وقد كشفت لنا الأيام الماضية حجم علاقات العمل المستترة بالقانون، وهي في شكلها الخارجي علاقات عمل قانونية، ولكن في عمقها تكشف لنا مدى الجشع الذي وصل إليه بعض المواطنين في المنطقة واستغلال ضعف الإطار القانوني وثغراته في الزج بآلاف من البشر في أسواق العمل دون أن تكون بينهم علاقة عمل حقيقية من خلال مؤسسات وعلاقات عمل وهمية. كما اتضح لنا أن حجم العمالة المهاجرة التي تعمل في سوق العمل خارج إطار القانون ولسنوات طويلة، إما لانتهاء تصاريح عملها أو لانتهاء مدة إقامتها القانونية، فاقت كل التقديرات الرسمية وعرّت كل ما نتحدث عنه من ضمان حقوق المهاجرين في مجتمعاتنا، فلا شروط عمل عادلة، ولا مساكن ترقى لسكنى البشر. وأخيراً صرنا على يقين أكثر، بأن أعداد المهاجرين، حتى أولئك من ذوي الأوضاع القانونية، فائض لدرجة أن سوق العمل لا يمكن أن يستوعبهم جميعاً، فأصبح الآلاف منهم يمتهنون مهناً ووظائف ليست من تخصصاتهم وتفوق قدراتهم، ويعملون لقاء أجر يومي.

 

ولحل هذا التحدي، بات من الضروري إعادة النظر في كامل المنظومة القانونية التي تحكم أسواق العمل في دول مجلس التعاون، بما في ذلك سياسات الاستقدام من خلال الوقوف الفعلي على احتياجات النشاطات الاقتصادية لهذا الكم من العمالة وترشيدها إلى أقصى حد وتفعيل العمل بمنظومة واضحة للمؤهلات والمعايير المهنية، ودفع المؤسسات والشركات من خلال محفّزات على التوجه نحو الأتمته واستخدام وسائل التكنولوجيا لما لذلك من دور أولاً في تقليل عمليات الاستقدام، وثانياً خلق وظائف ذات أجر عادل يمكن دمج العاطلين المواطنين فيها. فما الذي يمنع، وعلى سبيل المثال، من التحول التقني لأغلب منافذ البيع وتحويلها من مهن تعتمد على الكثافة العمالية إلى مهن تعتمد على التكنولوجيا، إضافة إلى العديد من الخدمات التي نراها في مطارات المنطقة والتي تُدار من قبل عمالة مهاجرة ويمكن تحويلها إلى خدمات ذاتية، ويمكن لهذا النموذج أن يُطبق في أغلب القطاعات الخدمية والتجارية.

 

إلا أنه يجب الانتباه، إلى أن الشروع في تلك المقترحات يجب بالضرورة أن يترافق مع فرض رسوم تصاعدية على عمليات الاستقدام يتم تحديدها وفق المهارات ومدى توافرها في سوق العمل المحلي، فكلما كان سوق العمل متشبعاً من مهن ومهارات معينة ترتفع الرسوم. وهذا النوع من الآلية في تحديد الرسوم يتطلب أولاً تدفقاً سريعاً ودائماً في المعلومات والإحصاءات، كما سيتم مناقشته لاحقاً، وثانياً كفاءة ومرونة لدى الجهاز القائم على تحديد النسب في كل قطاع ومهارة من حيث قدرته على التجاوب المستمر للمتغيرات في أسواق العمل، وثالثاً مرونة تشريعية تُمكن القائمين على تحديد الرسوم والنسب من تغيير الرسوم تبعاً للمهارات ومدى توافرها في سوق العمل الوطني. وقد يكون من المفيد وتحقيقاً للشراكة الفاعلة بين أطراف الإنتاج أن يكون الجهاز المعني بتحديد المهن والمهارات ثلاثي التكوين، أي الحكومة وأصحاب العمل والعمال.

 

وفي نفس السياق، ولن يكون لزيادة الرسوم دور فاعل إذا لم يقترن بإلغاء نظام الكفالة، بحيث تصبح علاقة دخول أي عامل مهاجر إلى منطقة الخليج، علاقة بين الدولة والعامل ولا يكون لصاحب العمل أي صلاحيات أو التزامات تجاه العامل إلا في ضوء ما يحدده قانون عمل عادل ومساوٍ للعمال وفق قواعد ومبادئ العمل اللائق، وهذا في تقديري أساس عزوف أصحاب العمل عن توظيف المواطنين. فصاحب العمل لن يتوانى عن توظيف المهاجرين حتى في حال تساوت كلفة توظيف المهاجر مع كلفة توظيف المواطن، إذ أن القوة التفاوضية للعامل المهاجر معدومة مقابل صاحب العمل، ناهيك عن الضعف في التشريعات والضعف في إنفاذها ومراقبة تطبيقها، وهذه جميعها عوامل تجعل من صاحب العمل يُفضل توظيف من تسهل "السيطرة" عليه.

 

إن تحقيق علاقات عمل متوازنة تتطلب أيضاً من الدولة أن تتعامل مع طرفي الإنتاج (العمال وأصحاب العمل) بذات القدر من المساواة وضمان الاستقلالية. وأقصد هنا الشروع في إزالة كافة القيود المفروضة على تأسيس المنظمات النقابية والعمالية. فمن باب المقارنة بحجم الدعم والتسهيلات التي يحصل عليه أصحاب العمل من خلال غرفهم التجارية، فلن يكون الإقرار بحق العمال في تأسيس منظماتهم النقابية شيء يذكر. فممارسة العمال لدورهم في المفاوضة والدفاع عن حقوقهم ستعزز من الاستقرار في علاقات العمل، وستكون عوناً لمراقبة ورصد أي خروقات لتشريعات العمل بما يساند الدولة في إنفاذ التشريعات العمالية بأكبر قدر من الكفاءة.

 

ومن الضرورة أن تُستتبع تلك الإجراءات بأخرى من شأنها توسيع مساحة الحماية الاجتماعية من حيث شموليتها لجميع العمال بلا استثناء ومن حيث تنويع مزاياها وتعزيز حوكمة الهيئات المشرفة عليها بحيث تتم إدارتها من خلال شراكة حقيقية وفاعلة لجميع أطراف الإنتاج، فضلاً عن وضع سياسات خاصة بالأجور وتحديد حد أدنى للأجر ينطبق على جميع العمال دون استثناء يساهم أطراف الإنتاج في وضعه من خلال مجلس اقتصادي واجتماعي يكون مسؤولاً عن تحديد هذه السياسات ومراجعتها بصفة دورية تبعاً للمتغيرات الاقتصادية.

 

إن شمول العمالة المهاجرة بأنظمة التأمينات والضمان الاجتماعي لها فوائد، نظرية على الأقل، عديدة. أولها إنها تزيد من نسبة التأكد بأن علاقة العمل بين العامل وصاحب العمل حقيقية وليست وهمية، وذلك عن طريق التزام صاحب العمل بتوريد الاشتراك الشهري للعامل لصناديق التأمينات، لاسيما إذا ارتبط ذلك ببرامج حماية الأجور التي بدأت أكثر من دولة خليجية تطبيقه. ثانياً زيادة الملاءة المالية لتلك الصناديق. وثالثاً تعزيز سمعة الدول الخليجية الدولية من حيث تغطيتها الاجتماعية لهذه الفئة من العمال وضمان نوع من الدخل الذي يغطي احتياجات العامل بعد انتهاء مدة عمله في المنطقة إضافة إلى مكافأة نهاية الخدمة التي تُقرها قوانين العمل في المنطقة. رابعاً، استخدام تلك الاشتراكات لتغطية بعض النفقات التي قد تتحملها الدولة في فترات الأزمات. ولقد رأينا خلال الأيام الماضية حجم العمالة المهاجرة المتضررة من فقدان وظائفها وأجورها، وباتوا عالقين بدون دخل ولا سبيل لعودتهم إلى بلدانهم بسبب الإجراءات التي قامت بها مختلف دول العالم حينما أغلقت حدودها كأحد الإجراءات الاحترازية لمواجهة الجائحة، إذ كان بالإمكان أن تلعب برامج الحماية الاجتماعية دوراً كبيراً في توفير نوع من الضمان المادي لهذه الفئة من العمال، كما كان بالإمكان أن تتحمل دول الخليج أعباءً أقل بكثير لو كان هذا النوع من التغطية التأمينية موجوداً في ظل الأزمة الحالية. ولا يتطلب هذا النوع من التغطية التأمينية أن يكون هناك معاش تقاعدي مستمر، لاسيما وأن أغلب المهاجرين يغادرون إلى دولهم بعد انتهاء فترة عملهم، وبالتالي يمكن اعتماد نظام الدفعة الواحدة للمستحقات التأمينية وفق إطار قانوني عادل.

 

مرونة التعليم وساعات العمل:

عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات العمل إحدى "كليشيهات" الحجج التي يكررها أصحاب العمل في رفض أو عدم تحبيذ توظيف المواطنين. وتشير لولوة الخاطر في دراسة لها صدرت العام 2015 "مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل: دراسة حول مشكلات سوق العمل في دول مجلس التعاون وسبل التعامل معها" إنه في أفضل الأحوال لا تتعدى نسبة "المُشغلين" ممن يعتقدون بأن التعليم في دول الخليج يؤهل الطلبة للعمل في القطاع الخاص الـ(29%). ولن أدخل في جدال حول تلك الحجج كون الكثير من الباحثين والمتخصصين ناقشوا تلك الإطروحات وعلقوا عليها، ولذلك أحيل القارئ الكريم إلى دراسة الخاطر أعلاه وإلى دراسة أخرى للدكتور إبراهيم الشافي.

 

ولكن ما أود التعرض له هنا على عجالة بأن الكثافة نحو التعليم الجامعي في الخليج أدى إلى إيجاد مجاميع عالية من حملة الشهادات الجامعية والدرجات العلمية العليا دون أن يكون سوق العمل بحاجة إلى هذا الكم الكبير. كما ساهمت سياسات التوظيف، في القطاع العام بشكل خاص، في التركيز على حملة الشهادات الجامعية دون الاهتمام بالكفاءات والقدرات والمهارات اللازمة لشغل أي وظيفة، الأمر الذي شكل قناعة لدى المجتمع بأن الحصول على الشهادة الجامعية، أياً كان نوعها أو تخصصها، هي المفتاح الرئيسي للوصول إلى وظائف القطاع الحكومي. ولذلك شاهدنا انتشار ظاهرة الشهادات من الجامعات الوهمية وبات لدينا أعداد من حملة الماجستير والدكتوراه أكثر من أي وقتٍ مضى، ودون أن يكون للكثير من تلك الفئة أي إنتاج فكري أو علمي في تخصصاتهم. وهذا ما أشار إليه بشكل أوضح الدكتور باقر النجار حينما قال إن مؤسسات التعليم الجامعي في دولنا حبيسة رؤى وأفكار (النيوليبرالية) التي تتعاطى مع التعليم الجامعي بوصفه طريق "ميكانيكي" لسوق العمل. أما من حيث الإسهام العلمي، فقد نجد أن آخر مقالة أو أطروحة أو بحث نشره أولئك "الدكاتره" هو بحث تخرجه!

 

إن المقارنة السريعة مع ألمانيا بوصفها أحد أكبر الدول الصناعية في دول الاتحاد الأوروبي، فإن نسبة الملتحقين بالتعليم الجامعي لا تتجاوز الـ(30%) من الطلبة، أي أن 70% المتبقية تتجه إلى التعليم الفني والمهني. ولا تخلو أي دولة خليجية من مؤسسات التعليم الفني والمهني أياً كان مستواها، معهد أو كلية، إلا أنها لا تساهم إلا بالقليل في سوق العمل بفعل ضعف أو قدم برامجها. وبالتالي علينا أن نُعيد الاعتبار إلى هذا النوع من التعليم وتطويره والاستثمار فيه والعمل على استقطاب الطلبة إليه بعدد من المحفزات، بما في ذلك ربط تلك المعاهد أو الكليات بالمنشآت الكبرى في كل بلد وأن تركز المناهج على التدريب والتعلم، إضافة تفعيل الفصول الخاصة بالتلمذة المهنية المنصوص عليها في أغلب قوانين العمل بدول الخليج. إضافة إلى إعادة الاعتبار إلى الكثير من المهن التي كان يشغلها المواطنون وأصبحت اليوم قطاعاً شبه محصور على العمالة الوافدة بفعل عدم قدرة المواطن على المنافسة من حيث الأسعار، والعمل على وضع ضوابط مهنية تتطلب اجتياز اختبارات عملية ونظرية محددة، وهو أمر سيؤدي إلى توسيع مساحة المواطنين المشتغلين في هذه القطاعات.

 

وبما أننا نتكلم هنا عن توفير قوى عاملة قادرة على تلبية طلب القطاع الخاص،  فقد يكون من المفيد أن يتولى القطاع الخاص زمام المبادرة عبر انشاء ودفع بهكذا تدريب حسب احتياجه، لاسيما وأن أساس هذا النوع من التعليم والتدريب المهني  قائم على التعلم عبر العمل، وبالتالي وبدلاً من إلقاء المسؤولية دائماً على الدولة والتعذر فيما بعد أن مخرجات تعليم الدولة لا توفر ما يريده. وقد يكون التدريب المهني الذي وفرته بعض من المشاريع العامة، كشركات النفط والبتروكيماويات والبنوك وقطاع الكهرباء، بالإضافة الى بعض القطاعات الخاصة كمعهد الفندقة في البحرين، أمثلة يمكن الاحتذاء بها في التدريب المهني لبقية القطاع الخاص.

 

ومن جانب آخر، تتطلب أن تكون عملية التعليم برمتها، وبالأخص التعليم ما بعد الأساسي، مرنة أكثر من حيث ساعات الدراسة وساعات عمل مكتبات ومعامل تلك المؤسسات التعليمية، وأن تتزامن تلك المرونة بمرونة أخرى في أسواق العمل يتم تهيئة تشريعات العمل لها، بحيث يُمكن للطالب العمل بشكل جزئي وفي ذات الوقت يُكمل تحصيله العلمي الأكاديمي أو المهني، وبذلك نحقق مسألة التدريب والدراسة في ذات الوقت، بحيث يتمتع الطالب مع نهاية مراحل التعليم  بخبرة عملية ومهنية تُمكنه من الانخراط المباشر في سوق العمل.

 

ولكن كيف يمكن التخطيط لهكذا نوع من التعليم أو التدريب؟

 

مرت السعودية بتجربة فريدة في دول الخليج وهي تجربة المرصد السعودي لمعلومات سوق العمل، إلا إنه للأسف وبسبب البيروقراطية آنذاك لم يكتب لهذا المشروع النجاح. ورغم وجود تصريحات في أكثر من دولة خليجية بتطبيق هذه الفكرة إلا أنني لم أجد أي منتج حقيقي لتلك المشاريع.

 

وتقوم فكرة مراصد معلومات سوق العمل على توفير معلومات عن المتغيرات في المدى المتوسط والبعيد في أسواق العمل من حيث ظروفه، اتجاهات العرض والطلب، القطاعات الاقتصادية التي من المتوقع أن تشهد نمواً في المستقبل والفرص الوظيفية الناشئة عنها. بمعنى آخر إنها تقدم لجميع القطاعات ذات العلاقة، الحكومة، أصحاب العمل والعمال، الفرص المستقبلية المتصلة بسوق العمل من حيث الكم والكيف، وبالتالي تُمكّن الدولة من المشاركة في تحديد السياسات التعليمية والتدريبية، وتمنح المواطن الذي لا يزال في مراحل التعليم تحديد طبيعة التخصصات المستقبلية التي سيتوجه إليها أكاديمية كانت أم مهنية، أو من هو على رأس عمله ويرغب في تغيير أن يسعى لبرامج تدريب وتطوير لتتواكب مهاراته من الوظائف المستقبلية، وتُمكن صاحب العمل من تحدد القوى العاملة المستقبلية في نشاطه التجاري.

 

الخلاصة:

إن القراءة التي قدمتها في المقالات الثلاثة بالتأكيد لا تدعي الكمال، ولا يمكن بأي حال من الأحوال رسم سياسة شمولية لإصلاح سوق العمل، إلا إنها في تقديري تعيد تحديد بعض الجوانب الرئيسية التي ستمهد الطريق نحو أسواق العمل أكثر استدامة.

 

كما إنها لا تحمل بأي صورة من الصور نزعة عنصرية تجاه العمالة المهاجرة، بل على العكس تماماً، فهنا حاولت أن أقدم حلولًا هادئة تعزز مكانة العامل بوصفة عاملاً فقط له كافة الحقوق المترتبة على علاقات العمل في ظل تشريعات عمالية تقوم على مفهوم العمل اللائق.

 

وعلى الرغم من كل ذلك، ستجد هذه المقترحات معارضة شديدة من أصحاب العمل والتجار ممن تعودوا عقوداً طويلة على استقدام عمالة متدنية الأجور والحقوق، وسيجادلون بأن هكذا سياسات ستؤثر على قدرة الدولة في استقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية. إلا أنه يغيب عنهم أن رغبة الدول في زيادة حجم الاستثمارات وزيادة قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال مناطة بمساهمة هذه الأموال في زيادة النمو الاقتصادي عبر المشاريع التي ستُستثمر فيها تلك الأموال، وبالتالي تمويل الخزينة العامة بالضرائب التي تُفرض على الأرباح المتحققة، إضافة إلى توفير فرص عمل للمواطنين وجلب تكنولوجيا حديثة يحتاجها الاقتصاد المحلي. وهذا جميعه غير متحقق، فلا الشركات المحلية أو الدولية تدفع ضرائب، ولا توفر فرص عمل مجزية، بل تشرع في كثافة الاستقدام متدني الأجر، وتحمل الدولة ومرافقها العامة مسؤولية الآلاف من العمال كما يحدث الآن جراء الأزمة الصحية الحالية، ولا هي تستقطب تكنولوجيا حديثة كون أغلب القطاع الخاص لا يزال معتمداً على الأنماط التقليدية في العمل، كما أنها في الإجمال لا تصدر شيئاً وتعتمد على السوق المحلي وتزيد الواردات في كثير من الأحيان، ولذلك فإن تلك الحجة باطلة ولا تصمد أمام الواقع والحقائق.

 

من جهة أخرى، إن هذه المقترحات بالتأكيد لا يمكن الشروع فيها بين ليلة وضحاها، فهي عملية تراكمية وتكاملية، بمعنى أنها لا تشكل منفردة وصفة ناجحة لإصلاح سوق العمل، بل هي جزء من حزمة أكثر شمولاً تطال التعليم والاقتصاد وغيرها من عوامل أساسية مؤثرة، وآثارها قد تكون مؤلمة على المدى القصير، إلا أن آثرها المستدام سيكون طويل. لقد ساهم الاعتماد الكبير والطويل على العمالة المهاجرة في الخليج إلى إيجاد نوع من الاتكالية والجمود، وهذه إشكالية بالتأكيد بحاجة إلى وقت لتفكيكها. ولذلك نطرح هذه القراءة في هذه المرحلة الحرجة بالتحديد آملين أن تكون بذرة نستطيع البناء عليها.

 

أخيراً، إن ما نرغب في قوله في هذه الخلاصة، وبإخلاص، لقد كشفت لنا تبعات جائحة (كورونا) على مجتمعاتنا وعلى اقتصادياتنا وعلى أسواق عملنا الكثير من الثغرات والتحديات، وما عُرض هنا لا يتعدى رغبة صادقة في العبور إلى بر الأمان، وإلى ضمان مستقبل يحظى فيه أبناؤنا وأحفادنا بمجتمعات عادلة، يُحترم فيها الإنسان بناءً على قدراته، وسوق عمل يستطيعون من خلاله المساهمة في بناء مجتمعاتهم مع أقرانهم من مواطنين وأجانب، مسلحين بعلم وتدريب مفتوح للجميع.

 

لقراءة المقال السابق

_____________________

 

مصدر الصورة: pixabay.com



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها