إن مفهوم الأمن شاسع، وكما ذكرنا في الإصدارات السابقة، يغطي أبعاداً متعددة، كالأمن العسكري، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو حتى البيئي. بهذا يتخذ مفهوم الأمن إطاراً موسّعاً، بحيث يكون معنيّاً في شكله العام بغياب التّهديدات للقيم المُكتسبة، في أيّ كيان معيّن، وأيّاً تكن هذه القيم. وقد عرفنا الخلل الأمني المزمن في دول مجلس التعاون بعدم مقدرة هذه الدول بنفسها على تأمين نفسها ضد هذه التهديدات، واعتمادها على القوى الخارجية، سيما الغربية منها، لتوفير الأمن لها، خصوصاً في الجانب العسكري.  فكما بينت الإصدارات السابقة فيما يتعلق بعدد القوات العسكرية الأجنبية، لا يزال ما يقارب الثلاثين ألفًا من القوات الأجنبية متواجداً في دول الخليج لتأمين الحماية لها، تمثل القوات الأمريكية القسم الأكبر منها، إضافة إلى نحو 22,000 عنصر عسكري أمريكي يقومون بدوريات أمنية في مياه الخليج، مما يعني أن مجمل القوات الأجنبية الموجودة في المنطقة يفوق الـ 50,000. ولكن على الرغم من وجود هذه الأعداد الكبيرة من القوات الأجنبية في أراضي دول المجلس ومياهها، إلا أنها لا تزال تُعد من أعلى الدول إنفاقاً على التسلح العسكري، بحيث يفوق إنفاق دول المجلس نظيره في المملكة المتحدة وإسرائيل معاً. [1]

إلا أن السنوات الخمس التي تلت الانتفاضات العربية قد ولدت تفاعلات متصاعدة على الساحة الأمنية – وإن كانت تجري في ظل الثابت، أي تواصل الهيمنة الأمريكية.  وقد يكون أحد أهم هذه التطورات هو النشاط العسكري المتزايد لدول المجلس، بما فيه إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا واليمن. هذا في مقابل توسع عسكري مماثل لإيران وحلفائها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. وفي سياق تصاعد "الحرب الباردة" بين بعض دول المجلس، وفي مقدمتهم السعودية، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المنطقة، فقد تشبعت وسائل الإعلام بالأخبار والتحاليل المتعلقة بهذا التصاعد، أو بالأحرى الخصام، في العلاقة ما بين دول المجلس (فيما عدى عمان) وإيران.  ولهذا فإننا في أمس الحاجة إلى تحليل تاريخ العلاقات بين الدول المطلة على ضفاف الخليج، المتمثلة في إيران والعراق ودول المجلس، والبحث في محددات العلاقة بين أطراف تمثل، في نهاية المطاف، كتلة جغرافية واحدة تمتد على ضفتي الخليج، وهذه العلاقات تمثل محور الملف الأول في هذا القسم.

أما الملف الأمني الثاني الذي يركز عليه الإصدار، فهو ملف أمن الطاقة في دول مجلس التعاون. فكما هو معروف، تمتلك دول مجلس التعاون أكبر مخزون للنفط في العالم، والذي يعتبر أهم مصدر للطاقة عالمياً على مدى القرن الماضي. إلّا أنه قد برزت ضغوطات كبيرة على مدى العقود الأخيرة، وضعت قضية أمن الطاقة في دول المجلس تحت مجهر الخطر، ومن أهمها التحركات على مستوى العالم لخفض استهلاك الوقود الأحفوري، والانتقال إلى طاقات متجددة تعتبر أكثر صداقة للبيئة، بالإضافة إلى تطور التكنولوجيا المواتية لهذه الطاقة البديلة، بما فيها الذرية والشمسية وغيرها، والتي تجبر دول المجلس على إعادة ترتيب ملفات أمنها من ناحية الطاقة. ونظرا لأهمية هذين المحورين - محور العلاقات بين الدول المطلة على ضفاف الخليج، ومحور أمن الطاقة في دول المجلس - فقد آثرنا فرد ملف معمق متخصص لكل منهما في قسم الخلل الأمني من هذا الإصدار.
 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها