رمال متحركة

الذين يرون الخليج الهادئ المستقر الذي يعيش في زماننا هذا ـ على ما فيه من استثناء - زمنه الذهبيّ من الرَّفاه والاستقرار، يَظنون أنّه عاشَ طول دَهْره على هامشِ الجزِيرة العربية بهُدُوء وسكينة، فيغريهم هدوء الصحراء ليتصوّروا لياليها وكأن ذاكرتها ما ضمّت لمع السيوف، ولا تطاير البارود برائحته البغيضة في رمالها وصدور رجالها، ويرون خليجَ النّفط واللُّؤْلُؤ والمحار على أنّه هبة أزليّة، لا يُدرِكون كم مرّت به من البَلايا والنِّزاعات "الضروريّة"، وكم وهب لساكنيه "الردى"، ولا يُدرِكون أنّ تاريخه مليء بالدّماء والدِّموع المَالحة، والحروب، والتّناحر، والصِّراع، وفيه كما في الصحراء كانت بذور الوطنيّة، وأنّه مرّ بكل المَلامِح التي تعيشها الأمم، وأنّ ما وَصل إليه أهل الخليج من تشكيلة سياسِيّة ونظام سياسي اجتماعي، هي نتاج الاتِّعاظ من صراعات الإنسان مع الإنسان، وحصاد لخبرة قرونٍ من التَّدافع.
كانت ثَمرة المخاض الطويل هي الوصول إلى نموذج مُعاشٍ الآن يضمن استمرار المجتمعات، فيه من الأخطاء ما سيعالجه الزمن برويّة، وفيه من العظات ما يجعله عصيًا على الكسر، فكلّ تفاصيل دول الخليج الموجودة الآن، لها جذور ومرافعات وظلال لم تأت وليدة تجربة تمتد إلى قرن أو اثنين، بل لممارسات منذ آلاف السنين، تشكلّت كلها لترسم النموذج الخليجي الحالي، فالخليج لم يبنه النِّفط، وعائلاته لم تبنها السَّطوة والاثرة، ولكن الصّبر، والصَّبر الطَّويل والحِكمة، والتَّجربة الواعية والمحقونة بالعظات هي ما صنع كل شيء، بهذا المعنى يستطيع القارئ فهم مقولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (ت 2004) “لقد علمتنا الصحراء أن نصبر طويلا حتى ينبت الخير”، فمن أراد أن يفهم الحرص على الخير والحفاظ على التّجربة، فعليه أن ينتبه لكمّ الصبر الذي بُذل ليصل النّاس لما وصلوا إليه.

 

لماذا هذا الكتاب؟

 

الكتاب: مختصر التاريخ السياسي للخليج العربي منذ أقدم حضاراته حتى سنة 1971
المؤلف: خالد السعدون
الناشر: جداول للنشر بيروت
النشر : أغسطس (آب) 2012
عدد الصفحات: 380

 

 

الأستاذ الجامعي الدكتور خالد السعدون، المتخصص في التاريخ الإسلامي و تاريخ الخليج العربي، لم يبن مشروعه البحثي الذي نتعرّض له، على ما قدمناه من مرافعة، بل استفزّه الجهل الكبير الذي يلف مجموعة من القرّاء والباحثين حيال الخليج العربي، والرغبة في توثيق أكاديمي ييسر على دارسي المجال الإلمام بصورة عامة، فبقيت فكرة الرّصد والتّجميع حاضرة في باله، لكنّها نائمة، ولم يوقِظَها، إلا ادِّعاء باحث وأستاذ جامعي كبير – لم يذكر اسمه – إذ قال في حوار له “إنّ الخليج منطقة بلا تاريخ”، فأيقظت الكلمات في السعدون الهمَّة، لتسجِيل رِواية شامِلَة لأهم الأحداث لتفي بحاجة القارئ العام والطالب المبتدئ وتوفِّر عليهما عناء البحث. فبدأ رحلته من العصر الحجري وانتهى بالعام 1971، مارًا بكل مراحل التطور السياسي وأحداثه، محقبًا بحثه.

 

الخليج منذ العصر الحجري حتى نهاية القرن التاسع الميلادي

بدأت الرِّحلة من العصور الحجريّة، فالآثار تدلّ على أن الخليج كان مأهولاً منذ مائة ألف سَنة، ولا يعرِف شيء مؤكد عن هويَّة سكَانه القدماء، ولكن سلسلة الحضارات في التاريخ المكتوب بدأها السعدون منذ أمّ النّار (3000 ـ 2500 ق.م) قرب أبوظبي، وبدت فيها هوية تديّن وإيمان بحياة أخرى، وامتهن أهلها الزراعة، مرّ الكتاب منها إلى حضارة باربار (2500 ـ 2000 ق.م) التي تطور فيها الحِسّ الفَنِّي، ثم طاف على ما سجّله التّاريخ من سلالات حاكمة فرُصِد سلالة أرض البحر الأولى، والكاشيون، والصراعات بين الآشوريين والعلاميين وسلالة أرض البحر الثانية على الخليج، وصولا إلى العهد الهيليني، والفرثيوني، وفصّل في العهد الساساني، مارًا قبله على حضارات دلمون ومجان، وقال بأن المسحة الساميّة في الخليج بدأت تتضح بعد الألف الثاني قبل الميلاد. وكلّ هذه الحقب، كان النظام السياسي، مبني على عامود عشائري وتحالفات قبلية تؤمن بالسلالة.

 

العرب في الخليج .. الإسلام.. الردة.. الفتوحات

في القرون اللّاحقة تميّز من بين الأقوام الساميّة من سمتهم الكتابات الآشوريّة خلال القرن التّاسع قبل الميلاد “عربو”، وتوالت الشّواهد على الحُضور العَربي، وقد أظهرت الآثار شيوع اللّغة العربيّة الشِّماليّة في الخَليج خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ومع ازدياد النفوذ السِّياسِي ظهرت ممالك مثل المَنَاذِرَة، وقد أقرّ السّاسَانِيُّون بعض الحكام العَرب على المنَاطِق الدّاخلية في عمان، واستعانوا بكبار شيوخ قبائلهم في المَهام الإداريّة والاستشاريّة، لتسهيل أمور الحكم. وتبقى الملاحظة الأهم أن المنطقة بقيت تُدِين لسُلطة شِيوخَها أكثر مما تدين لسلطة أي حكومة مركزيّة، كما آمنت بأديان متعددة مثل الوثنيّة، واليهوديّة، وكانت المسيحيّة آخرها، ودخلَت في القَرن الميلادي الثالث، وصارت الأسقفية بقرية “سماهج” بالمحرّق البحرينيّة، لعل ذلك مهّد لتقبل دعوةٍ سماوية لاحقة، وسهّل الاستجابة لدعوة نبي العرب.

حينما وصل كتاب الرّسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى “المزربان” الفَارسي “سيبخت”، لم يمنع تردده أهل الخليج من الاستجابَة للدَعوة التي وصلتهم عبر الكِتاب وعبر العلاء الحضرمي، فتابَعوا المنذر بن ساوى، وقد دعمتهم الرّغبة في الخروج عن الاحتلال الفارسي، كما عمان التي دخلت الإسلام بعد تردد لتطرد المستعمر، ليدينا لدين وسلطة تكفلان لهما اختيار حاكم من بينهم، مع الولاء للرسول والمدينة. وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وضمن حملات الرِّدة، قاد الحطم بن ضبيعة العبدي، الرِّدة في البحرين، وفي عمان قادها ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، ولكن سرعان ما حسمت جيوش المدينة الأمر وأعادت الاستقرار إلى الخليج، بقيادة العلاء الحضرمي في البحرين، وحذيفة بن محصن في عمان، وبعدها وخلال عهد الخلفاء الراشدين، أسهم سكان الخليج في حركة “الفتوحات” بفاعليّة.

 

أنصار علي في البحرين.. والإباضية في عمان

تبدأ الأبعاد السِّياسِية للإسلام الخليجي من العقد الهجري الرابع بعد الفتنة بعد وفاة عثمان بن عفان، فمالت قبائل البحرين ناحية علي بن أبي طالب، وفي الفترة نفسها ظهرت بذور الولاء لمن عرفوا بالخوارج في عمان، وظلّ وجودهما في السَّاحة السِّياسِية طاغيًا إلى الآن مع تعديلات، وفقد الخليج استقراره في العهد الأموي بعد تولي يزيد بن معاوية الخلافة، فنشط الخوارج وبدأت الثورات منذ نجدة بن عامر بثورة اليمامة في 66 هـ، وضمّ البحرين إلى ملكه الجديد، فحاول الأمويون استعادة السّيطرة عليها، ولم ينجحوا كليًا، كما حاول الحجاج بن يوسف الثقفي تأديب زعماء القبائل، لكسر شوكتهم، لكن البحرين والخليج، ظلا محل نزاع وقلاقل، وتوالت فيه الثورات، ونلاحظ أن العنصر القبلي أطلّ كلاعب رئيس بشكل طاغ.

 

القرامطة.. الإمارة العيونية.. العصفورية

أرسل العباسي الحاسم أبو جعفر المنصور إلى البحرين حملة تأديبية استطاعت التنكيل بقائدها سليمان بن حكيم، واستتب الأمن بها إلى آخر العهد العباسي الأول 247هـ، ونجح العامل الاقتصادي بشغل الشعب عن التفاعل السياسي، ولكن تضعضع الخلافة العباسية بمقتل المتوكل في العام 247 هـ، والحالة الاقتصادية التي بدأت تسوء مهّدت لحمدان بن الأشعث “قرمط” أن يبعث أبا سعيد الجنابي إلى القطيف لتأسيس دعوة قرمطيّة، وقد نجح المبعوث في قيادة ثورة انتهت بتأسيس الإمارة القرمطية في البحرين، واستطاع في أول عهده أن يحقق العدالة الاجتماعية، إلا أنّ ضغوطات اقتصادية وأفكار شاذة ووتيرة متصاعدة من العنف حوّلا الإمارة إلى “عصابة” تفرض الإتاوات على الممالك الإسلاميّة نظير السماح للحجيج بالمرور، فقاموا بابتزاز الدّول بالغزو والقرصنة، وأشهر ما قاموا به هو اختطاف الحجر الأسود لاثنين وعشرين عامًا، ولكن دولتهم تدهورت وانتهت بيد عبدالله بن علي العيوني في سنة 469هـ فبدأ على أنقاضها عهد الإمارة العيونية في البحرين والقطيف والأحساء، ولكن دولته لم تختلف عن سابقاتها وانتهت بفعل الصراع القبلي في العام 636هـ، بيد قبائل بني عامر بقيادة عصفور بن راشد، الذي دشّن إقامة الإمارة العصفورية، التي عانت من أتابك فارس أبوبكر السلغري.

المملكة العصفورية استفادت من المغول بأن شغلوا لهم الفرس، ولكنهم عادوا ليخافوا من المغول الذين فكروا في الجنوح إلى الخليج، لذلك كان تقدير المملكة العصفورية للمماليك كبيرًا، فقد مثّل انتصارهم على المغول في عين جالوت عام 1260م، مصدر راحة كبيرة، وبداية علاقة بين المماليك والمملكة العصفورية، وبين مصر والخليج بشكل عام، كما استفاد العصفوريون من رؤوس الأموال الهاربة من دمار المغول في بغداد والشام وفارس إلى أراضيهم.

لم يغب صراع السيادة، فقد عاد بقوة لدائرة التنازع، وحافظ العصفوريون على التعامل ببراغماتية معه، فأذعنوا لأي سيادة تدفع لهم المعهود من العطيات، إلى أن سقطت إمارتهم في أخريات القرن الرابع عشر الميلادي بيد الشريف سعيد بن مغامس، وسقط هو الآخر لتبدأ الإمارة الجبرية، بفعل الحسابات القبلية، وقد خضعت السواحل فيها لمملكة هرمز وبقيت اليابسة على سلطة الإمارة الجبرية، وشكّل هذا الأمر مصدر إزعاج، فاقتنص الجبريون الفرص واستولوا على ميناء القطيف، وقد أجاد زامل بن حسين بن جبر، نجح أجود بن زامل في الظفر باتفاقية وقعت في 1475م تنص على أن المملكة الهرمزية لا سيادة لها على القطيف والبحرين إلا مزرعة نخيل، وكانت مقابل أن ينصر أجود “أحد طرفي النزاع سلغور، ولكن سلغور ما لبث أن قلب لأجود ظهر المجن، وانتهت الاتفاقية إلى حروب، تمّ تسويتها بأن يدفع الجبريون الخراج إلى هرمز القويّة، ومضت حروب التطاحن إلى وصول البرتغاليين.


عمان.. حلم الإمامة

أما عمان فقد استطاع آل الجلندي من تدشين عهد الإمامة الإباضية الأول، وعاشت الشدّ والجذب مع العباسيين، ما أدى لاضطرابها إلى أن استطاع إماما اسمه الصلت بن مالك (237هـ – 273هـ) تحقيق استقرار اقتصادي وسياسي، لكنّه سرعان تفتت بسيطرة القرامطة على جزء منها، ثم تفتت الوحدة السياسية لها، فخضعت لحكم السلاجقة، مع وجود خفي لأئمة الإباضية يبايعهم الناس خفية، وأفرزت الصراعات في القرن الثاني عشر الميلادي الأسرة النبهانية التي لم تنج من الصراعات الداخلية، والخارجية أبزها صراع على ظفار، فآلت إلى نفوذ واضح من السلطة الجبرية، مع محاولات القوى المهيمنة في فارس للاستيلاء عليه.

أبرز النتائج الدائمة للصراعات الداخلية في عمان، هي أن يلجأ أحد أطراق النزاع إلى شرق إفريقيا، ما جعل علاقة وثيقة بين عمان وما تولّد عنها من ممالك في شرق إفريقيا مثل بات (بته)، لم يغب حلم الخلافة أبدًا، في كل مراحل تاريخ عمان، ونجح الإباضيون في تحقيقه أكثر من مرة أبرزها كان تنصيب محمد بن إسماعيل في عام 1500 بدعم من الجبريين، ولكن عمان لم تتوحد فقد سيطر على الساحة الداخلية النباهنيون، أما الساحل فكان تحت سيطرة مملكة هرمز.

 

الخليح العربي 1500- 1650 البرتغاليون والكشوفات..

في هذه الفترة، رفعت الممالك المسلمة التي استوطنت طريق الحرير وغيره من الطرق التجارية الضرائب والمكوس، كما اتفق مصدرو البضائع العابرة من الشرق إلى أوروبا مع تجار البندقية، للتربح بالتحكم في طرق التجارة واحتكارها، ففكر الأروبيون بجدية، في طرق بديلة، هذا بالإضافة إلى عوامل دينية وثقافية تضافرت كلها لتشجيع حركات الكشوف الجغرافيّة التي تصدّرت لها البرتغال، ولم يكن اسم هرمز غريبًا على البرتغاليين باعتباره مركزًا لتجارة الشرق، وعلى الرغم من سيطرتهم على سواحل المليبار، إلا أنهم أرادوا توحيد طرق الملاحة لتكون عبر رأس الرجاء الصالح قصرًا، فأرادوا بناءً على ذلك إغلاق مضيق هرمز، فقاد “ألبوكيرك” إلى الخليج حملة متفرّعة عن قوة وجهها ملك البرتغال باحتلال الموانئ العربية وغلق البحر الأحمر، ولكن البوكيرك يمم صوب الخليج العربي، بدايةً من ميناء قلهات الذي هادنه واليها وتزود منه، ومضى نحو قريات وأحالها إلى خراب وارتكب فيها مذابح مؤلمة، وكذلك في مسقط التي نكّل بها بعد مفاوضات فاشلة.

ويقول الكاتب أن البوكيرك تبنى سياسة القوة والبطش، فأحرق خورفكان، ومضى نحو رأس مسندم ومنها إلى هرمز التي لم ينصرها الشاه إسماعيل الصفوي وتخلّى عنها، فأذعنت لبوكيرك بعد قتال ووقعت معاهدة سبتمبر عام 1507، أقرّت فيها هرمز بتبعيتها للبرتغال، وبعد صولات وجولات متعافبة، استقرت الأمور للبرتغاليين لمدة قرن، احتَكّروا فيها السّلع المهمة، مؤذنين ببداية صراعات طويلة لن تنته إلا بعد أربعة قرون.

 

البرتغاليون والصفيون والعثمانيون.. الصراع على الخليج وأهله

مرّ الكتاب على صراعات البرتغاليين والجبريين، والتي انتهت بوضع البحرين تحت الهيمنة البرتغالية بالتعاون مع هرمز، وتركوا حكمها لحاكم تعينه هرمز، وقد ثارت البحرين ضد البرتغاليين مرات. رصد الكتاب صراع البرتغاليين مع الدول الأخرى في الخليج، كالصفويين، لأن إسماعيل الصفوي مهتم بالبر وهم يريدون البحر، ولوجود عدوٍ مشترك هو الإمبراطوريّة العثمانيّة الآخذة في التّوسع، فقد عقدا اتفاقاً مهادِنًا في العام 1515، ولم يتم تفعيله بشكل جدي حتى عهد عباس الأول.

وشهد الخليج أيضًا صراعا عثمانيا برتغاليا في الخليج، فقد تنبّه الخليفة العثماني للخطر البرتغالي وتلقى استغاثات حاول أن يلبيها بإمداد السكان بالمدافع النارية، ثم تعزيز ذلك بالهجوم الكامل للقضاءعلى الوجود البرتغالي في الخليج، فأرسل حملة عام 1538 للمحيط الهندي، وحملات أخرى على القطيف وحملات كبرى في 1551 وحملة 1581، وبعدها مال الجانبان إلى السلم.
ا

 

نجلترا في الخليج..

شكل دخول الإنجليز في التنافس على الخليج علامة فارقة، فما لبثت المطامع التجارية أن تنمو وتجذبهم للخطو في هذا الاتجاه، وقد لعب عباس الصفوي بذكاء في التخيّر بين البرتغاليين والإنجليز، فقام بابتزاز البرتغاليين وقام بانتزاع البحرين عنوة، وعزز العلاقة مع الإنجليز كحليف بديل، وأصدر في 1615 فرمانا نصّ على تبادل السفراء بينه وانجلترا، ومكّنها من تسهيلات تجاريّة، صاحب ذلك أو تسبب بتدهور مريع لعلاقته بالبرتغالين، احتكرت بريطانيا بذلك الحرير الفارسي مقابل تعهدات بالمساعدة في طرد البرتغاليين من الخليج، وبالفعل تم ذلك، فقام البرتغاليون بهجمات انتقاميّة ضد سواحل الفرس، مما حرك تحالفاَ انجلو-فارسي، أدى لإسقاط هرمز واستسلام البرتغاليين وانسحابهم عنها، ولكن خروجهم لم يكن نهاية الصراعات الدّولية، ولم تخل السّاحة لبريطانيا، فظهرت هولندا، منافسًا جديدًا، ولم تدم الكفة لجهة على مدى طويل، فلو أنّ الهولنديين دالت لهم الفترة من عام 1638 إلى منتصف القرن، ونالوا بندر عباس الميناء المحوري، واحتكروا تصدير الحرير الفارسي، فإنّ علاقتهم تضعضعت بالصفويين وجرى تنافس بينهم والإنجليز من جديد، بل وتضررت مصالحهم جراء اجتياح الأفغان لفارس في 1722.

وتوالت حوادث أدت في مجملها إلى خروج الهولنديين في عام 1765. ولكن الجو لم يخل للإنجليز أيضًا، فقد ظهر الفرنسيون، الذين نجحوا في إبرام اتفاق مع الدولة الصفوية في 1708.
هذا كلّه صقل في إنسان الخليج الدُربة، والتعامل الذكي، مع الصراعات، والعيش في وسط الصراعات، والخروج من التنافس الدولي بأقل الكُلفة، ولم يبدو ذلك إلا بعد أعوام طويلة، وقرون، نتلمس آثارها اليوم.

 

تاريخ الخليج العربي بين أعوام 1650 و 1820تاريخ الخليج العربي بين أعوام 1650 و 1820

أبرز ما حدث في عمان في الحقبة السّابقة كان في عام 1624 electronic cigarettes safety twisp electronic cigarettes إذ تنادى سبعون من علماء الإباضيّة في مدينة الرّستاق، واختاروا ناصر اليعربي إماماً لهم واستَطاع توحيد عمان وطرد البرتغاليين من مسقط والسّاحل العماني. واستطاع العمانيون مطاردة البرتغاليين حتى شرق افريقيا، وضمّوا جزيرة زنجبار إلى الممالك التي تواليهم، وفي عهد سلطان الأول، وعهد بلعرب (1680-1692)، وأخيه قيد الأرض، مرّ الكتاب على علاقة اليعاربة مع الصفويين، والإنجليز والهولنديين، وقد كان اليعاربة مقلقين لمنافسيهم للحد الذي وصف فيه الكاتب “انهيار الدولة اليعربية في 1718″، حرّر الإنجليز والهولنديين من هم كبير كان يؤرقهما.

ثم قامت لظروف ـ فصّلها الكتاب – الدولة البوسعيدية في عمان، وأسسها أحمد بن سعيد، بيّن المؤلِّف علاقاتها بالفرس وقد حققت جلاء الفرس من عمان، كما شرح علاقته مع القواسِم الذين قاموا في جلفار على أنقاص دولة اليعاربة، وظلّت العلاقة معهم متوترة حتى وفاة أحمد في 1783، كما مرّ على علاقتهم مع الأوربيين، وشرح الأوضاع العمانيّة بعد وفاة أحمد بن سعيد، سواء في عهد ابنه سعيد، وحمد والسيّد سلطان بن أحمد، وقد واجه سعيد التحديات خلال سنين حكمه (1806ـ 1856) الخارجية بدهاء وقد انتهج نهج المُصالحة مع بريطانيا.
تطور أوضاع أقطار الخليج حتى 1820.. نواة النضج

لشرح التكوين السِّياسِي، مرّ الكِتاب على العتوب الذين استقرّوا بالكويت بعد أن تجاوزوا الهضبة بين نجد والسّاحل، واختاروا صباح بن جابر شيخا لهم. واجه العتوب تحدِّيات في رسم العلاقة بالدّولة العثمانيّة، وتتبع الكِتاب العتوب المهاجرين من الكويت إلى البحرين ليصيروا لاحقًا حكامها، كما مرّ المؤلّف على صراع الجلاهمة وآل خليفة، وفي الفترة ذاتها تشكل كيان بني ياس السِّياسِي وهو اتحاد قبلي استوطن أولّ الأمر إقليم الظفرة، ثمّ أبوظبي والسّاحل الممتد من دبي إلى قطر، وتزعمه في تلك الفترة عيسى آل نهيان، وعلى السّاحل أيضا تشكلت دولة القواسِم الذين شكّلوا قوة ضاربة على الخليج، لذلك نالتهم الحظوة الأكبر من الصدامات مع بريطانيا، خاصة بعد أن وظفوا إيراداتهم المالية في بناء قوة كبيرة بلغت ثلاثا وستين سفينة، بتسعة عشر ألف رجل، وسيطَروا من رأس مسندم إلى دبي، وبدأت مناوشات بينه وبين البريطانيين الذين اتهموهم بالقرصنة.

ومرّ الكتاب على حملة عام 1805، التي نتج عنها اتفاق عام 1805 الذي مهّد لهدنة بين القواسم وبريطانيا وتعهد باحترام متبادل وتساهيل للقواسم في موانئ الهند وللبريطانيين في ساحلي الخليج، لكنها انهارت في عام 1808، وتوترت خارطة التحالفات الداخلية، فكانت حملة عام 1809 التي هزت القواسم ولكنها لم تنههم، فتجددت اتفاقية عام 1814 التي نصت على احترام السفن التي ترفع علم بريطانيا أو علم القواسم المستحدث، ولكن الاتِّفاق لم يدم طويلاً حتى عادت الأعمال العدائية، صبرت بريطانيا إلى أن انكسر ظهر القواسم بسقوط الدرعية في عام 1818 فسارعت بريطانيا بإرسال حملتها عام 1819، والتي نتج عنها المعاهدة العامة التي وقعها شيوخ الساحل تباعاً ونصت على تنظيم الملاحة والتوقف عن ما سمي بالقرصنة وتجارة الرقيق، والدخول في سلام وحمايته، واختارت الحملة حامية دائمة لقوات بريطانيا في الخليج.

 

الساحل المتصالح.. بعد 1820

عززت بريطانيا هيمنها على الخليج بالاتفاقيات، كاتفاق الهدنة البحرية، بين مشايخ الإمارات برعاية المقيم البريطاني، تطورت إلى توقيع هدنة دائمة بين شيوخ إمارات الساحل في عام 1853، أكدت مسؤولية بريطانيا من رعاية السلام في مياه الخليج، وسمت أحد شطري الخليج بالساحل المتصالح.

 

تشكّل نواة الدول

كان على حكم عمان سعيد بن سلطان، فصّل الكتاب مراحل حياته وسلطانه على عمان والساحل الإفريقي، وعلاقاته بالخليج، وإصراره على التّنسِيق مع بريطانيا، إلى أن توفي في عام 1856، فدبّت الخلافات بعده خاصة وأنّ علماء الإباضِيّة كانوا يدبِّرون أمرًا لتحفّظاتهم الشرعيّة تجاه اتفاق البوسعيدين مع بريطانيا، ولكن برغم التحديات وتنازع الملك استطاعوا العودة إلى الإمامة بيد تركي بن سعيد عام 1888.
ومرّ المؤلِّف على تاريخ البحرين محلّ الصِّراع بين قوى فارس وعمان وبريطانيا، فكان حكام البحرين يوازنون بين القوى لحفظ استقلالهم، وظلّوا يمارسون الحكمة في التّعامل مع هذا التنافس، ما أكسبهم مرونة كبيرة، وحُسن إدراك لموازين القوى، هذا في الجَانب الخارجي، أما في الجانب الداخلي فقد قامت قبائل قطريّة بالنزوح عن السِّيادة البحرينيّة، وبدأت ببلورة نزعة استقلاليّة، دفع ذلك حكام البحرين للهجوم على قطر لاستردادها، ولكنّ هذا الهجوم بالرغم من أنّه ألحق دمارا بقطر، إلا أنه شكّل الأساس القانوني لاستقلالها لاحقًا، فقد انتهى الأمر بترسية استقلال قطر عن البحرين بسبب خرقها لاتفاق الهدنة في نظر بريطانيا.

مرّ الكِتاب أيضا على آل صباح في الكويت وقد بدأوا يحققون مزيدا من الاستقرار، فرسخت علاقتها بالدولة العثمانية، ودخل في صراعات بسبب ذلك.
أما الساحل المتصالح، كان بانوراما من الصراعات بين القبائل، برز فيه في السنين الأولى بعد توقيع الاتفاقية سلطان بن صفر شيخ القواسم، وقاد حملات متعددة لبسط النفوذ كان حليفًا دائمًا للسعوديين، على الرغم مما لاقاه منهم في عام 1809، وبعد وفاته، برز الشيخ زايد بن خليفة الكبير الذي أمّن قبائل بني ياس، ووثق علاقته بدبي، واستطاع فرد سيطرته، وجرت خلافات كثيرة بينه وقطر، بعد أن دعم البحرين.

تعرض الكتاب أيضا الى نشوء إمارة قطر وملابساتها، باتفاقية بين بريطانيا والبحرين سنة 1868، وقد رحب جاسم بن محمد آل ثاني بوصول العثمانيين إلى الأحساء، رغم تحفظ والده، وعاش صراعات مع حاكم أبوظبي زايد بن خليفة حول خور العديد ومع عيسى بن علي حاكم البحرين حول الزبارة، ووثق علاقته بأمير حائل محمد آل رشيد وخطط معه لغزو إمارات الساحل، كما نسق للقيام بحملة لدعم معارضي الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت.
في تلك الفترة شهد الخليج تنافسًا عثمانيًا روسيًا ألمانيًا مشتركًا، إلا أن الحرب العالمية الأولى أعادت رسم كل الأوضاع بعدها، بما عزز مكانة بريطانيا في منطقة الخليج من جانب، وزادت أهمية تلك المنطقة من جانب آخر، خاصة وقد حولت البحرية البريطانية عام 1911 وقود بواخرها من الفحم إلى النفط، واحتاج البريطانيون إلى مطارات الخليج في رحلاتهم التجارية إلى الهند.

 

النفط والاستقلال

بني اقتصاد المنطقة على الغوص للؤلؤ، وبلغ الطلب العالمي على اللؤلؤ أقصاه في عام 1925، والأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 تسببت بكساد كبير في الأسواق، وزادت الحرب العالمية الثانية الطين بلة، لم ينقذ اقتصادياتها إلا ظهور النفط، وقد بدأت الشركات التنقيب وهي تحصل على حصة الأسد، ولم تتغير نسب الحصص بين الشركات ودول الخليج، إلا بعد تفجر الخلاف بين حكومة مصدق في إيران وشركة النفط الإنجلو/فارسي والتي وصلت لحد تأميم الشركة، فتنازلت الشركة ووافقت على تقاسم الأرباح مع إيران في عام 1950، ولكن الشركات أخذت تتحكم في كمية الانتاج وتحديد الأسعار العالمية، لتقليص هامش الربح للدول المنتجة، فقامت الدول المنتجة بتأسيس منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) في عام 1960.

 

التطورات السياسية خلال القرن العشرين

عاشت الكويت تطورا في عهد الشيخ مبارك عام 1896 الذي حاول التمدد وفشل، ودخل في معاهدة عثمانية بريطانية تنص على بقاء الكويت تحت السيادة العثمانية مع منحها حكما ذاتياً، يتصرف فيه شيخها من دون تدخل عثماني، وفي الحرب العالمية الأولى وقفت الكويت مع بريطانيا التي ضمنت حماية الكويت من الانتقام العثماني، وفي عام 1938 في عهد أحمد الجابر بدأ إنتاج النفط، ولكن تصديره تأخر حتى عام 1946 بسبب الحرب العالمية الثانية، وبدأت الاستفادة الفعلية من عائداته في عهد عبدالله السالم، ونالت استقلالها في عام 1961، وسط مطالبات عبدالكريم قاسم بضمها إلى العراق.

في عام 1919 وقف الشعب البحريني ضد قرار بريطانيا تطبيق القانون الجنائي الهندي في البحرين، ساهم ذلك في دعم موقف الشيخ عيسى بن علي الذي أبدى تذمره غير مرة من التدخلات البريطانية، لم تنجح الحركة، وتحولت السلطة إلى الابن الأكبر للشيخ وهو حمد، وزاد إشراف بريطانيا حتى على القضاء والشرطة، مضت الحياة السياسة البحرينية مليئة بالمشاكل بسبب التنوع الكثيف الذي تعيشه المنطقة، وظهر مستوى عال من الوعي بين طبقات البحرينيين ساهم في تفجر الوعي في عام 1954 ـ 1956، مطالبين بطرد المستشار البريطاني وتحسين وضع العمال وهو ما رضخت له بريطانيا. وقرر الشيخ سلمان بن حمد (1942-1961) إنشاء مجلس إداري يكون بمثابة مجلس وزراء البلاد.
وانتهى الكتاب بذكر البحرين وقضية زعم إيران السيادة على البحرين الأمر الذي انتهى بإيفاد الأمم المتحدة عام 1970 بعثة لاستفتاء السكان حول رغبتهم في انضمام بلدهم إلى إيران أو التمسك بالاستقلال، فأظهرت الأغلبية تمسكها بوطنها البحرين، فأذعنت لذلك حكومة الشاه.

أما قطر فقد واصلت الاحتماء بالدولة العثمانية إلى أن دخلت في معاهدة شبيهة بمعاهدات الخليج في عام 1916، تعهدت كبقية دول الخليج بالكف عن القرصنة وتجارة الرقيق والتمسك بالسلم البحري وتحريم تجارة السلاح والتعامل مع أي دولة أخرى بغير إذن من بريطانيا، على أن تقوم بريطانيا بحمايتها في حال حدوث أي هجوم، استغلت قطر النفط لتطوير علاقتها مع بريطانيا وتمكنت من تصدير أول شحنة من الخام في 1949، وظلت خلافاتها على وتيرة معقولة إلى نيل استقلالها في عام 1971، بفضل تطوير المؤسسات الحكومية المختلف.

أما السّاحل المتصالح فقد وصف الكتاب تولي الشيخ زايد بن سلطان لإمارة أبوظبي في عام 1966 بأنه “خطوة مباركة فتحت أبوب التطور والنمو على مصراعيها”، أما دبي فتحولت إلى ميناء تجاري نشط في ظل إدارة آل مكتوم، وشهدت نشاطاً ثقافياً هي والشارقة، أما عمان فقد عاشت الصراع بين السلطنة والإمامة وثورات الداخل والانشقاق، ولم تنته إلا بعودة قابوس بن سعيد في عام 1970.

في الخاتمة يقول الكاتب، حكاية عن كل المراحل، إنه “لم يضعف انتماء سكان الخليج في خِضم التفاصل الدولي المتواصل منذ القدم قوة الروح الوطنية في أعماق نفوسهم، فاتسموا بحرص واضح على الحفاظ على هويتهم الذاتية وثقافتهم المتميزة، وأظهروا استعدادا قوياً للدفاع عنهما بكل ما ملكوا من قوة”.

 

الحصاد

الخلاصة، هي البداية، وهي الإقرار بأنّ الطروء على فهم حالة مجتمع، عبر إسقاط آليات جامدة وسريعة تحكم على المجتمع من زاوية نظر آنية ضيّقة نبتت في بيئة لا تتصل به، يعدُ مغامرة لا يقوم بها إلا المؤدلجون، بضميرٍ ساعٍ لإعادة قراءة الواقع وتكييفه، وضخّ أفكارهم وقيمهم الجديدة في ثناياه، فينخلع لهم لبُ من ينهبل على الشعارات، من دون أن يُجِيل النظر في التاريخ، ويفهم كيف يتشكّل المجتمع، وكيف ينضج، وكيف تبدو التجارب وتنطوي المرارات ليبدأ الحصاد.
إننا نحتاج دومًا لقراءة التاريخ، حتى نستطيع فهم أيّ حالة من سلوكيات المجتمع، أو أيّ قرار سياسي ثبت عليه، ولا يمكننا القيام بخطوة للإمام أو الانتهاض والترقِّي، ما لم نقرأ تفاعل الإنسان القديم مع البيئة، وما فصّلته فيه من قوانين، وما نحتَه هو من قِيم، وما تشكّل من عقائد وإيمان، فالذي نحن فيه، لا ينبت من فراغ، بل يَنسل من تراكم التّجارب الذّاتية والجماعية، الرّوحية والمادية، والقفز عليها، أو باسمها، يقتل روح المجتمع ويشوهها، لذلك فإنّ الرحلة في التاريخ تجلّي الصورة، وتبيّن الركائز التي قام عليها الحاضر، والعظات، ولكنّها رحلة تبقى مقرونة بمحاذير أبرزها أن لا نعلَق في تفاصيلها، ونجتر مراراتها لتعيش معنا، فهذا الكتاب، مبذول ومفتوح لكل من أراد أن يفهم لماذا يتصالح الخليج، ولماذا تشكّل واقعه السياسي بهذا الشكل، على أن يقرأه بنفس الاتعاظ لا وقود الفتن.



_________
المصدر: مجلة المجلة
12 ديسمبر 2012



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها