دول الخليج وتحديات الأمن القومي: الحلول الأمنية تؤجل انفجار الأزمات ولا تلغيه
 
الإصدار الجديد يؤكّد على ضرورة إعادة النظر في السياسة الأمنية ووضع إستراتيجية بعيدة النظر من أجل التعاطي مع التحديات التي تعيشها المنطقة.


تعزيز الوعي السياسي والشعبي الخليجي استراتيجية مكملة للحل الأمني
 
الكويت - تعيش منطقة الخليج العربي، والعالم العربي الأوسع، مع مرحلة متفجرة سياسيا في ظل تصاعد وتيرة التغيّرات داخليا وفي المحيط الأوسع؛ لكن تركيز دول الخليج العربي على الحلّ الأمني في التعامل مع هذا الواقع، يجعل بعض السياسات الخليجية تعاني من قصور، وفق تقرير سنوي يصدره مركز الخليج لدراسات التنمية يحّلل واقع وسياسات دول مجلس التعاون الخليجي.
 
ويؤكّد الإصدار السنوي الثالث لمركز الخليج لدراسات التنمية، الذي حمل عنوان “الثابت والمتحول 2015: الخليج والآخر” على أن دول مجلس التعاون الخليجي تحتاج إلى إعادة النظر في السياسة الأمنية ووضع إستراتيجية بعيدة النظر تتعاطى من خلالها مع المسبباب البنيوية التي تولد الأزمات، وهذا ليس فقط للتعاطي مع تحديات المرحلة الراهنة نفسها، بل لتجنب تكرار أمثالها في المستقبل أو التحضير لها على أقل تقدير.
 
ويرتكز الإصدار على مساهمات أكثر من أربعة عشر باحثا ومختصا من دول مجلس التعاون انطلاقا من مبدأ أن “أهل مكّة أدرى بشعابها”، وأنّ أهل المنطقة هم المعنيّون، في نهاية المطاف، بتبعات ما يحصل لها، حيث تجمعهم وحدة الأرض والمصير. وتتطرق سلسلة إصدارات “الثابت والمتحول” إلى أوجه الخلل المزمنة التي تعاني منها مجتمعات دول المجلس، وهي الخلل السياسي والخلل الاقتصادي والخلل الأمني والخلل السكاني. كما يرصد الإصدار المتغيرات والمستجدات التي طرأت في دول المجلس في الأعوام 2013 و2014 و2015.

وينتقد التحليل، المفصّل لتطور سياسات دول الخليج العربي وتأثيرات الأحداث الإقليمية والخارجية عليها، ما أسماه بـ”الخلل الأمني المتمثل في عدم مقدرة دول المجلس على تأمين حمايتها العسكرية والأمنية منفردة، واستمرار إتكاليّتها، على القوى الغربيّة، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك بغرض توفير الأمن الخارجي لها”.

وهذا الخلل الأمني هو من ضمن أربع نقاط خلل رصدها تحليل الخليج لدراسات التنمية، تتضمّن إلى جانب الخلل الأمني، الخلل السياسي المبني على تدني المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، والخلل الاقتصادي المتمثل في الاعتماد المطلق والمتزايد على النفط كمصدر رئيسي للدخل وكمحرك لسائر الاقتصاد، والخلل السكاني، فيتمثل في دول يُشكل فيها وافدون غير مواطنين نسبة عالية من سكان وقدرات المجتمع الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعية، لفترة ممتدّة ومتّصلة من الزمن.

ويشير التحليل إلى أنه وانطلاقا من تطورات السنتين الماضيتين، يمكن استخلاص أن أوجه الخلل المزمنة لازالت في تفاقم، ولا يوجد ما يدل على بوادر لحلول عاجلة لها. ويأخذ قسم الخلل الأمني، الذي يركز على علاقات دول المجلس مع القوى الإقليمية والعالمية، نصيب الأسد في هذا الإصدار، والذي اعتبر أن هذا الخلل الأمني يكمن في استمرار اتكاليّة دول مجلس التعاون الخليجي على القوى الغربيّة، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك بغرض توفير السيادة والأمن الخارجي لها.
 
ولا يبدو أن هناك تغيرا جوهريا، إذ لا زال يتواجد حوالي 50 ألف عنصر عسكري أجنبي في دول المجلس ومياه الخليج، بينما تستمر دول الخليج في كونها الأعلى إنفاقا على الأسلحة وعلى جيوشها على مستوى العالم.
 
ويخلص التحليل إلى أن صعوبة ظروف المرحلة الراهنة والمسؤوليات المتنامية الناتجة عنها قد أربكت صناع القرار الذين تعاملوا مع التحديات، كتهديدات أمنية أساسا.
 
ولكن الحلول الأمنية هي بمثابة تأجيل انفجار الأزمات، سواء كانت متمثلة في حراك معارض موسع كما هي الحال في البحرين، أم في تفاقم أعداد الوافدين، كما هي الحال في السعودية وبقية الدول المجلس، أم نشاطات مسلحة في دول إقليمية مجاورة.
 
وفي كل الحالات تحتاج دول المجلس جميعا إلى إعادة النظر في السياسة الأمنية ووضع إستراتيجية بعيدة النظر تتعاطى من خلالها مع المسبباب البنيوية التي تولد الأزمات، وهذا ليس فقط للتعاطي مع تحديات المرحلة الراهنة نفسها، بل لتجنب تكرار أمثالها في المستقبل أو التحضير لها على أقل تقدير.
 
وباختصار، إن مهمة تدارك الخلل السياسي والأمني والاقتصادي والسكاني، والمبادرة بتقديم حلول حقيقية لكل منها، هي مسؤولية صناع القرار وجميع المواطنين، تجنبا لتراكم القلاقل وتعمق الأزمات من جهة، وفي سبيل ضمان حياة كريمة للجميع تحت نموذج تنموي مستدام ودولة حديثة مبنية على الاتحاد والمواطنة الكاملة والمتساوية للجميع، وقد بيّن عدد من دول مجلس التعاون الخليجي إمكانية تحقيق ذلك.


المصدر: صحيفة العرب


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها