طباعة


يقال: إن أردت التعرف على الذات، فعليك تحليل علاقاتك مع الآخر. من هذا المنطلق يأتي محور هذا الإصدار "الخليج والآخر." وكما كانت الحال في الإصدارين الأول والثاني من هذه السلسلة، نركز في هذا الإصدار على تحليل "الآخر" من منطلق أوجه الخلل المزمنة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي نلخصها في: الخلل السياسي، والخلل الاقتصادي، والخلل الأمني، والخلل السكاني.[1] ينقسم هذا العمل إلى أربعة أقسام رئيسية، يُركّز كلٌّ منها على أحد أوجه الخلل المزمنة والتطورات المتعلّقة به، وخلال الفترة الزّمنيّة التي يعنى بها الإصدار في عامي 2014 و2015.

لكن، ما الذي يشكل "الآخر" عندما نتحدث عن دول مجلس التعاون، وكيف نحلله؟ هل نركز على علاقات دول المجلس بالدول المحيطة بها؟ وهل يتمركز في تحليل وضعية "الأجانب" الساكنين في دول المجلس وطريقة تعاطينا معهم؟ لقد صالت الدراسات وجالت في مجال العلوم الاجتماعية في محاولة تعريف "الآخر،" وهو بطبيعته مفهوم ضبابي قد يختلف من وجهة نظر إلى أخرى. لذا، فقد تعمدنا تجنب وضع تعريف محدد للآخر، بل تبنينا هذا المفهوم كفرصة لتسليط الضوء على علاقات دول المجلس مع أطراف متعددة، بهدف مناقشة فهمنا لطبيعة علاقات دول مجلس التعاون مع أطراف متعددة داخله ومن حوله، على أمل أن يسهم هذا المجهود في إيجاد مخرج لأهم التحديات التي تواجه دول المنطقة.

يأخذ قسم الخلل الأمني، والذي بطبيعته يركز على علاقات دول المجلس مع قوى عالمية أخرى، نصيب الأسد في هذا الإصدار. لقد عرّفنا الخلل الأمني في النسخة الأولى من الإصدار بأنه عدم مقدرة دول المجلس على تأمين حمايتها العسكرية والأمنية منفردة، واستمرار اتكاليّتها المزمنة وشبه المطلقة على القوى الغربيّة على القوى الغربيّة، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، بغرض توفير الأمن الخارجي لها.[2] وكما سلطنا الضوء النسخة الثانية من الإصدار على علاقات دول المجلس مع القوى السياسية في جمهورية مصر العربية، فنواصل على المنوال نفسه في هذا الإصدار، ولكن نوسع مساحة العلاقات الدولية التي نقوم بتحليلها. ففي أحد أهم الأجزاء نركز على علاقات دول المجلس مع الكيان الصهيوني، مع التركيز على نشاطات التطبيع على المستوى الرسمي، بالإضافة إلى نشاطات الشركات العالمية التي لديها أنشطة تجارية في الكيان الصهيوني ودول المجلس في آن واحد، في محاولة لإعادة الأهمية في منطقتنا إلى القضية المركزية على مستوى العالم العربي، ألا وهي فلسطين. وفي السياق نفسه، فقد خصصنا ملفاً آخراً لتحليل علاقات المملكة العربية السعودية مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

و في قسم الخلل الأمني، يتطرق ملف آخر إلى تحليل العلاقات بين دول المجلس وجمهورية اليمن العربية الشقيقة على مدى نصف القرن الماضي. وتأتي أهمية هذا التحليل المعمق في ظل التطورات التي استجدت في اليمن عام 2015، حيث طغت على الساحة الدولية قضية التقدم العسكري للحوثيين وانطلاق حملة "عاصفة الحزم" العسكرية التي تقودها دول مجلس التعاون.

ولا يمكن الحديث عن "الآخر" في دول المجلس من دون الحديث عن الخلل السكاني. فإضافة إلى سرد آخر التطورات والإحصائيات الرسمية المتعلقة بالتركيبة السكانية بين مواطنين ووافدين، خلال عامي 2014 و2015، فقد ركزنا على تحليل ما عرف بـ"حملة تصحيح أوضاع الوافدين" في المملكة العربية السعودية، في محاولة جادة لتعميق فهمنا لعلاقة دول المجلس مع "الآخر" الوافد إلى هذه الدول، والذي أصبح يشكل حوالي نصف ساكنيها.

وكما كانت الحال في الإصدارين الأول والثاني، يخصص قسم الخلل السياسي ملفاً منفصلاً لكل دولة في المجلس لسرد أهم التطورات فيها على الصعيد السياسي بين عامي 2014 و2015. أما في القسم الاقتصادي، فنفرد ملفاً لمناقشة القضية التي قد تكون الأهم في دول المجلس على المديين المتوسط والبعيد، وهي: ما مدى استدامة المنظومة الاقتصادية والسكانية في دول المجلس إن استمرت على الحال التي هي عليه اليوم؟

وحري بنا في ختام هذه المقدمة أن نعيد ما إفتتحنا به الإصدار السابق:

"عمق أوجه الخلل المزمنة في الخليج وتجذّرها، ومصيريّة المتغيّرات المترتبة منها؛ تفرضُ علينا فتح النقاش حولها بشكل علمي ومنهجي. ونظراً لحدّة وتضارب الآراء والخواطر حول هذه المواضيع الحيوية، فإنّنا نلتمس من القارئ رحابة الصدر ومقاربة ما يطرح في هذا الإصدار من باب الجدلية العلمية، ومن هذا المنطلق نرحّبُ بأيّة مشاركاتٍ أو تعليقات حول محتوى هذا الإصدار. فمن الطبيعي أنّ عملاً كهذا سيُصيب البعض، ويجانب الصواب في البعض الآخر. وقد حاولنا في طرحنا الالتزام بمنهج المهنيّة العلمية، والنّابع – أساساً – من حسٍّ وطنيّ همّهُ الأوّل هو أهل الخليج. وفي الوقت ذاته، لا يمكننا إدعاء الحياد الكلي والموضوعية الشاملة، فإنّه مقدر لأيّ طرْح أن يأتي من وجهة نظرٍ معيّنة، والتي نأملُ هنا أنّها تعكس همومَ أهل الخليج الطّامحة إلى بناء مجتمع قوامه دولة الوحدة والدّيمقراطيّة والتّنمية.

"وكما كانت الحال في الإصدار الأول، فإن هذا العمل يرتكز في إعداده على مساهمات أكثر من عشرين باحثاً ومختصاً من دول المجلس، انطلاقاً من مبدأ أن "أهل مكّة أدرى بشعابها،" وأنّ أهل المنطقة هم المعنيّون – في نهاية المطاف – بتبعات ما يحصل لها، حيث تجمعهم وحدة الأرض والمصير. وواجب علينا أن نشكر كلّ الذين ساهموا في إنجاز هذا العمل، مقدّرين جهودهم ودورهم في استكمال أعمدته. وأتمنى أن يُحقّق الفائدة والمتعة لك أيها القارئ العزيز، كما كان لنا في إعداده".[3]

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf)

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا

 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها