طباعة


الملخص التنفيذي :الثابت والمتحول 2016: الخليج بعد خمس سنوات من الانتفاضات العربية

الملخص التنفيذي
 

يسر مركز الخليج لسياسات التنمية إصدار "الثابت والمتحول 2016: الخليج بعد خمس سنوات من الانتفاضات العربية"، وهو الإصدار الرابع في سلسلة "الثابت والمتحول" التي تهدف الى دراسة ورصد المستجدات في أوجه الخلل المزمنة التي تواجه دول الخليج العربية. واستند الإصدار على مساهمات مجموعة خيرة من أبناء المنطقة، انطلاقاً من مبدأ "أهل مكة أدرى بشعابها". ويفرد الإصدار ملفاته على اساس اربعة محاور، وذلك تلازماً مع اوجه الخلل المزمنة الأربعة التي تعاني منها دول المجلس، وهي: أ) الخلل السياسي، المتمثل في محدودية المشاركة الشعبية الفعّالة في صنع القرار السياسي، ب) الخلل الاقتصادي، المتمثل في اعتماد اقتصاديات دول المجلس شبه المطلقة على ريع النفط ج) الخلل الأمني، المتمثل في عدم مقدرة دول المجلس على الدّفاع عن نفسها وتأمين الاكتفاء الذاتي من الحماية العسكرية، واعتمادها على قوى خارجية في ذلك د) الخلل السكاني، المتمثل في مجتمع يُشكل فيه وافدون غير مواطنين نسبةً عاليةً من سكان وقدرات المجتمع الاقتصادية والثقافيّة والاجتماعية، لفترةٍ ممتدّة ومتّصلةٍ من الزمن.

وقد آثرنا في هذه النسخة التركيز على تقييم محصلة السنوات الخمس التي تلت اندلاع الانتفاضات العربية، والنظر إليها من مجهر أوجه الخلل المزمنة، والتي هي دائما محط تركيز هذا السلسلة من الإصدارات. ففي قسم الخلل السياسي، نوجه تركيزنا إلى تقييم المحصلة السياسية للسنوات 2011-2016 التي تلت الانتفاضات العربية في كل من دول المجلس، مفردين ملفاً خاصاً لتقييم التغيرات في كل دولة على حدة. هذا بالإضافة الى ملف خاص يركز على نتائج استبيان أقامه المركز حول آراء مواطني دول مجلس التعاون ونظرتهم إلى الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار، خاصة في ضوء مرور خمس سنوات على اندلاع الانتفاضات العربية.

أما في قسم الخلل الاقتصادي، فيركز الملف الأول على تحليل تداعيات انخفاض أسعار النفط على ميزانيات دول المجلس في فترة 2015-2016، ومقارنتها مع فترة الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم، والتي انخفضت فيها أسعار وعائدات النفط بشكل مشابه، مما يجعل من المقارنة بين الفترتين أمراً ملحاً. أما في قسم الخلل السكاني، فمناقشة قضايا المرأة تأخذ نصيب الأسد. فالملف الأول يركز على خصائص ودور المرأة في سوق العمل في دول الخليج العربية. ويركز الملف الثاني على تحليل رؤى وسياسات دول المجلس التنموية والسكانية من منظور المرأة.

أخيراً وليس آخراً، يتصدر ملفان قسم الخلل الأمني من هذا الإصدار. يركز الأول على سرد تاريخي للعلاقة بين دول المجلس وإيران والعراق منذ فترة الحرب العالمية الثانية إلى 2016، طامحاً لفهم أفضل للعلاقة بين الأطراف الواقعة على ضفتي الخليج، والتي أصبح الخصام السياسي فيما بينها أحد أهم مرتكزات مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية. في المقابل، يركز الملف الثاني في قسم الخلل الأمني على تحديات أمن الطاقة في دول المجلس، خصوصاً من ناحية التحركات العالمية للخفض من استهلاك الوقود الأحفوري والانتقال إلى طاقات متجددة تعتبر أكثر صداقة للبيئة، والتي تجبر دول المجلس على إعادة ترتيب ملفات أمنها من ناحية الطاقة.
 
الخلل السياسي

يتمثل الخلل السياسي في محدودية المشاركة الشعبية الفعّالة في صنع القرار السياسي. وبما أن تركيز الإصدار يصب على تقييم محصلة الخمس سنوات منذ اندلاع لانتفاضات العربية في عام 2011، يفرد هذا الإصدار استبياناً شاركت فيه عينة من مواطني دول المجلس، لاستقصاء آرائهم حول الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي. هل يرى المشاركون انعدام المشاركة الشعبية الفعالة في صنع القرار السياسي كخلل يحتاج الى معالجة؟ وان كان كذلك، فهل مطلب المشاركة السياسية مطلب أساسي أم ثانوي اذا ما قورن بالتحديات الاخرى التي تواجه دول المجلس؟ وان كان كل ما سلف من تساؤلات صحيحة حسب اجابة عينة الدراسة، فما هي اهم العقبات في طريق الانتقال الى نظام ديمقراطي يكفل حقوق المواطنين السياسية؟
 
تشير نتائج الاستبيان الى تواجد دعم ساحق في العينة لمطلب المشاركة الشعبية في القرار السياسي. كما وجدت الدراسة بأن المطلب الديمقراطي يقع في أعلى سلم الأولويات لدى عينة الدراسة عند مقارنة هذا المطلب بقضايا أخرى، كالفساد المالي، والمشاكل الاقتصادية، ونظام المحسوبية (الواسطة)، والتوترات ما بين دول الإقليم. ويتبين هذا الدعم عند المشاركين من كل دول المجلس بمختلف مكوناتهم، وان كانت بنسب متفاوتة، مما يشير الى أهمية هذه القضية الى شريحة كبيرة من مواطني دول المجلس.

كما تطرق القسم السياسي للمستجدات السياسية في دول المجلس في الأعوام 2011-2016، حيث تم مراجعة وتحليل مجريات الساحة السياسية في كل دولة في السنوات الخمس الماضية. واجمالاً، فقد أحكمت السلطات سيطرتها على الأوضاع السياسية المحلية عبر سياسة "سيف المعز وذهبه"، اذ اعتمدت كل دول المجلس بلا استثناء على الحلول الأمنية والمادية في تعاطيها مع شعوبها، ولو اختلفت النسبة بين كل دولة. في المقابل، فإن الاصلاح السياسي الجذري لم يلقَ نصيباً واسعاً في اي من دول المجلس. ولا زال صنع القرار متمركزاً في مجموعة قليلة، وعادة ما تكون هذه المجموعة من عائلة واحدة في كل دولة. وفي حين انه شهدت البحرين والكويت وعمان السعودية مظاهرات واحتجاجات متفرقة، الا ان الدول ذات المشاهد السياسية "الهادئة" نسبياً، كقطر والإمارات، قد تأثرت أيضاً نتيجة للضغوط التي انتجتها الانتفاضات العربية. وعلى الرغم من ان وتيرة التحركات والاحتجاجات السياسية قد خفت على مدى الخمس سنوات التي اعقبت 2011، وخصوصا في الفترة التي تلت احداث سيطرة جماعة الحوثيين وعلي عبد الله صالح على صنعاء وانطلاق "عاصفة الحزم" في 2015، فإنه من السذاجة الاستنتاج بأن شعلة الاحتجاجات قد انطفأت كلياً.
 
الخلل الاقتصادي

يتمثل الخلل الاقتصادي في الاعتماد المُطلق والمُتزايد، على ريع صادرات الثّروة الطبيعيّة المعرَّضة للنضوب، المتمثلة في النّفط الخام والغاز الطبيعي.
ومع بداية الانتفاضات العربية في عام 2011،  ارتفع سعر برميل النفط ليتخطى الـ 100 دولار للبرميل، استأنفت معه دول الخليج سيناريو تزايد الاعتماد على النفط. وقد أشارت الأرقام إلى زيادة مساهمة النفط في الناتج المحلي لإجمالي دول مجلس التعاون، ليتخطّى 44% في 2014م، بعد أن كانت مساهمته تقدّر بحوالي 33% عام 2003م.
 


 
 
 
 
ومع حلول عام 2015، واجهت أغلب دول الخليج عجوزات في موازناتها العامة بسبب انخفاض أسعار النفط  إلى ما دون 30 دولار للبرميل، فيما تشير التوقعات إلى حصول العجز لدى سائر دول الخليج  في سنة 2016. وقد وصلت نسبة العجز في الموازنة العامة لبعض دول الخليج إلى ما يقارب 20% من إجمالي الناتج المحلي.
 
 
 
 
يبحث القسم الاقتصادي أوجه التشابه والاختلاف في سياسات دول مجلس التعاون تجاه رواج وانخفاض أسعار النفط في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، في مقابل  رواجها وانخفاضها خلال الأعوام 2001-2016، من خلال قراءة سياساتها المالية أثناء تقلبات هذه الفترات، كمحاولة لإدراك الثابت والمتغيّر في الظروف، ومدى استفادة دول مجلس التعاون من دروس الماضي.

وقد واجهت دول الخليج تبعات انهيار أسعار النفط  في  منتصف الثمانينات بخفض المصروفات الرأسمالية في تلك الفترة، في مقابل حفاظها على المصروفات الجارية، وقد أدى هذا إلى تعطل الكثير من المشاريع التنموية، واعتماد دول المجلس في تلك المرحلة على تمويل عجوزات الميزانية عبر السحب من احتياطاتها والاقتراض. ومن المتوقّع من أي إدارة مرت بتلك التجربة أن تستحضر تلك التبعات في تعاملها مع الإيرادات النفطية المستقبلية،  من أجل التخلص من نقمته، وليكون معيناً على التنمية لا عائقاً لها. إلّا أنه لا يبدو أن دول الخليج استفادت من دروس الماضي  بشكل كامل أثناء حقبة رواج أسعار النفط الأخيرة، فلا يزال النفط المصدر الأساسي لتمويل الموازنة، ولم يصاحب ارتفاعه خطط  مدروسة  تضع بعين الاعتبار التجارب السابقة. حيث زادت النفقات العامة بشكل مطرد على مدى السنوات 2001-2014، كما لو أن فترات رواج أسعار النفط دائمة، فيما اكتفت بعض دول الخليج بإنشاء صناديق سيادية تدير الفوائض المالية وتنحصر مهمتها الأساسية في تمويل العجز أثناء حصوله، بدلاً من محاولة إصلاح الخلل الاقتصادي. وهذا ما شاهدناه من تسارع بعض دول الخليج إلى السحب من احتياطيها مرة أخرى لتمويل العجز في موازنتها منذ بداية الأزمة الراهنة.

وإن لم يتم الاستفادة من تلك الدروس خلال فترات رواج أسعار النفط، فلا يزال في الوقت متسعاً للاستفادة منها أثناء حقبة انخفاض الأسعار، من أجل تجنّب حالة الركود الاقتصادي التي خلفها انهيار أسعار النفط في منتصف الثمانينات، والتخلّص من تبعات تذبذبات أسعار النفط وما تلحقه من أضرار على اقتصاديات دول المجلس. ولا زالت التساؤلات قائمة عن مدى إمكانية دول الخليج تخطي هذه المعضلة والاستفادة من دروس التاريخ السابقة.
 
الخلل الأمني

يتمثل جوهر الخلل الأمني في عدم مقدرة دول المجلس على الدّفاع عن نفسها وتأمين الاكتفاء الذاتي من الحماية العسكرية، وهو الأمر الذي جعلَ كلا منها تجد "أمنها" في التّحالف مع دول غربية، وإعطائها تسهيلات عسكريّة من أجل حماية نفسها. فلا زالت دول المجلس – والمياه الإقليمية التابعة لها – تحتوي على ما يفوق 50,000 وحدة عسكرية اجنبية، تمثل القوات الأمريكية نصيب الأسد منها.
 
نركز في هذا الإصدار على تبيان الجذور التاريخية التي تحدد العلاقة فيما بين الدول التي تطل على ضفاف الخليج العربي، مولين اهتماماً خاصاً للعلاقة التاريخية بين دول مجلس التعاون وايران والعراق. وتجادل الدراسة بأن فراغ القوّة الذي أحدثه الانسحاب البريطاني من الخليج في القرن الماضي، أطلق تنافساً محموماً بين دوله، وكانت الدول المتنافسة على الهيمنة على الخليج قد وظفت ثلاثة حقائق بأشكال مختلفة في هذا التنافس. تتمثّل الحقيقة الأولى في أنه منذ حرب أكتوبر عام 1973، تركزّت كل الحروب النظامية في العالم العربي في منطقة الخليج. أما الحقيقة الثانية، فهي أن هذه المنطقة (التي تضم دول مجلس التعاون والعراق وإيران) هي أكبر منطقة في العالم من حيث توفرها على الموارد النفطية، والتي تعتبر السلعة الأهم للقوى العظمى والنظام الاقتصادي في عالم اليوم. أما الحقيقة الثالثة فهي أن دول هذه المنطقة تتداخل فيها الهويات القومية، والهويات الطائفية، وأن هذه الهويّات عابرة لهذه الدول، ومتداخلة فيما بينها، ومسيّسة بشكل كبير، خصوصا في الدول الثلاث الكبرى (السعوديّة، إيران، والعراق).

 فتارة تستغل أطماع القوى العظمى في الثروة النفطية من أجل بسط الهيمنة تحت مظلتها، وتارة يتم توظيف الهويات الإثنية والطائفية من أجل إضعاف والضغط على الأنظمة الأخرى. من جهة أخرى، توضح الورقة كيف قادت حمى التنافس والصراع علي الهيمنة على الخليج إلى توسع أفق هذا الصراع ومشاركة العديد من الفاعلين فيه، بل وتحوّل أحد أهم الفاعلين فيه (العراق) إلى ساحة تنافس بين القوى الأخرى.
 
أما الملف الآخر في هذا القسم، فيركز على "أمن الطاقة" في دول مجلس التعاون. فإلى جانب كون النفط العمود الفقري لاقتصادات دول المجلس، فانه يمثل المصدر الاساس للاستهلاك المحلي للطاقة. ويكشف ملف "سياسات تغير المناخ وأمن الطاقة" بان مصدر الطاقة هذا أصبح عرضة للتهديد من قبل الضغط المتزايد من قبل الاستهلاك المحلي له من جهة، ومن قبل السياسات الدولية التي تدفع، عبر الاتفاقيات والمعاهدات التي تربط التجارة بالبيئة، نحو التقليل من انبعاثات ثاني اكسيد الكربون، وبذلك تقليل اعتماد العالم على سلعة النفط والبحث عن بدائل أخرى للطاقة "النظيفة". وقد يمثل اتفاق قمة باريس 2015 حول التغير المناخي نقطة مفصلية في هذه القضية، والتي تركز الورقة على تبيان تفاصيلها وتداعيتها. وهذا يحتم على صناع القرار في دول المجلس بالبحث عن استراتيجيات لتحصين أمن الطاقة في دول المجلس من الضغوط هذه، والتي المتوقع ان تزداد مع مرور الزمن.
 
الخلل السكاني

لا تزال التركيبة السكانية الفريدة من نوعها عالميّاً مستمرّة في دول مجلس التعاون، فالوافدون يمثّلون الكتلة السكانية والعمالية الأكبر في أغلبية دول الخليج. وتنتج من هذه السمة تناقضات مجتمعية واقتصادية متعددة، بما فيها تهميش دور المواطنين انتاجياً، بالتوازي مع الانتقادات التي تتعرض لها دول المجلس من اضطهاد شريحة واسعة من حقوق الوافدين المقيمين فيها.
 

وقد بلغ إجمالي عدد السكان في دول مجلس التعاون 53 مليون نسمة في عام 2015 بحسب الاحصائيات الرسمية، وشهد متوسط  النمو السنوي في إجمالي سكان دول المجلس ارتفاعاً في عام 2015 بنسبة 5.2%، مقابل 3.2% في العام الذي سبقه. إذ كان النصيب الأكبر في النمو السكاني من قبل الوافدين، حيث ارتفع عددهم بنسبة 5.6% في 2015، لتتساوى رسمياً لأول مرة نسبة السكان الوافدين في دول المجلس مع نسبة المواطنين، حيث يشكل كل من المجموعتين 50% من إجمالي السكان حسب الإحصاءات الرسمية.
 
 
 

  أمّا بالنسبة إلى سوق العمل، فقد وصل إجمالي عدد القوى العاملة في دول مجلس التعاون إلى ما يفوق 22.6 مليون فرد في عام 2014م، 69% منهم من الوافدين و31% منهم من المواطنين، ويمثّل الوافدون الأغلبية في سوق العمل في كلّ دول المجلس بلا استثناء.

وتشير اجمالي المستجدات في السنوات 2011-2015، ان هذه التركيبة السكانية لم تعد "خللاً" من وجهة نظر صناع القرار في دول المجلس، بل أضحت ظاهرة يجب تحفيزها وتشجيعها، حيث توجهت طاقات صناع القرار نحو كيفية تقنين وتنظيم الظاهرة بشكل ممأسس وتوسعتها، بدلا من مواجهتها ومحاولة إصلاحها.
 

 


 
يركز قسم "الخلل السكاني" على واقع المرأة في دول الخليج العربية، من خلال ملفين يتطرقان إلى المرأة من منظورين مختلفين. يتطرّق الملف الأول الى واقع مشاركة المرأة في سوق العمل، ويبحث عن الأسباب التي قد تعيق مشاركتها. وكما تبين الدراسة، فإن طاقات المرأة في سوق العمل لا زالت دون التطلعات بحلول عام 2015، وإن كان هناك تحسن فيها على مدى السنوات التي مضت. وإن كان هناك ما يعيق مشاركة المرأة على أتم وجه، فهو النقص في السياسات والقوانين التي تحمي دورها في سوق العمل، مثل محدودية إجازة الوضع والنقص في الحضانات.   
 
أما الملف الثاني، فيركز على دور المرأة ومكانها في خطط الدولة التنموية والسكانية، من خلال تحليل خطابات ورؤى وسياسات الدولة نحو المرأة، آخذاً دولة قطر كحالة دراسة. وتشير الدراسة الى ان هناك تناقض ملحوظ بين رغبة الدولة في تهدئة مخاوف المواطنين من تأثير الخلل السكاني، عن طريق تأكيد دور المرأة في الحفاظ على الأسرة، وبين رغبتها في تصدر المؤشرات العالمية المتعلقة بتمكين المرأة الاقتصادي والسياسي. ويبقى التصور سلبياً للمرأة العاملة، وكأن مشاركتها في الفضاء العام يأتي على حساب الأسرة دائماً. ولا زالت المرأة غير قادرة على تحصيل حقوقها الكاملة، خاصة مع ازدياد المسؤوليات الملقاة على كاهلها. بالإضافة إلى ذلك، فأن الدولة تحاول رسم صورة نمطية للمرأة ومكانتها في المجتمع، قد يكون لها ناتج سلبي لنظرة المجتمع بشكل عام للنساء، وأيضاً نظرة المرأة لذاتها.
 
خاتمة

قد تكون دول مجلس التعاون هي الكتلة المتبقية الوحيدة، ذات الثقل السياسي والاقتصادي والسكاني في المشرق العربي، والتي لم تصل بعد الى حافة الانزلاق في هاوية الأنظمة الفاشلة failed states. خصوصاً وإذا ما قارناها بالحال في العراق وسوريا واليمن، حيث فقدت الدولة المركزية فيها الكثير من سيطرتها على زمام الأمور، اقتصادياً ام امنياً ام سياسياً. إذن، وعلى الرغم من عدم انفلات الاوضاع كليا في دول المجلس حتى كتابة هذه السطور، الا أنّ اعراض اوجه الخلل المزمنة الاربعة، والمتمثلة في الخلل السياسي، والخلل الاقتصادي، والخلل الأمني، والخلل السكاني، قد بدأت بالوصول الى مرحلة الغليان في بعض دول المجلس، وما انفكت تغذي بعضها في جدلية مستمرة ومتشابكة.

من هنا فإن عقد الأمل في متخذي القرار منفردين لإصلاح ومواجهة اوجه الخلل المزمنة، هو في تقديرنا رهان ضعيف من قبل الشعوب. ففي كثير من الاحيان يكون متخذي القرار نفسهم هم السبب الرئيسي في استفحال اوجه الخلل المزمنة، بل وتتلاقى مصالحهم مع تفاقمها. بل اننا نجزم بأن معالجة الخلل السياسي، المتمثل في غياب المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، هو المفتاح الرئيسي لمواجهة اوجه الخلل المزمنة الأربع. ومن المستبعد ان يقبل طوعاً محتكري القرار السياسي، بأن يتنازلوا عن هيمنتهم على مفاصل وايرادات الدولة، ومشاركة باقي الشعب فيها من محض ارادتهم.
ما زال ايماننا بأن تطلعات شعوب المنطقة تتمثل في الدولة التي توفر التنمية، والديمقراطية، والوحدة لشعوب المنطقة، وذلك في إطار الهوية العربية-الاسلامية الجامعة لها. وان هذا الثلاثي من التنمية، والوحدة، والديمقراطية، هو الحل العقلاني والأخلاقي لأوجه الخلل المزمنة الأربعة التي تنخر في كل دول المجلس بلا استثناء. ولكن يبقى الجزء الاصعب هو بلورة هذه الرؤية بشكل مفصل ومنطقي، وتبيان الطريق نحوها في ظل الأوضاع والصعاب الحالية.

ومن هذا المنطلق، فقد تكون البداية هي التأكيد بأن خارطة الطريق الأمثل هي: بلورة آلية لمشاركة كل مكونات المجتمع في وضع عقد اجتماعي جديد، ترسمه هذه الاطراف فيما بينها متشاركة، يتم عبرها تحديد حقوق وواجبات المواطنين والدولة، بدلاً من ان يتم رسمها خلف الجدران، بشكل تحتكره الفئة الحاكمة ومستشاريهم من الخارج. ويبقى الأمل هو ان تعي كل الأطراف، بما فيها الفئات الحاكمة، بأن القضية ليست "غالب أو مغلوب"، بل مصير منطقة وشعوبها، قد اكلت في لحمها اوجه الخلل المزمنة بشكل مستعر. وقد أصبح لزاماً المصارحة والمشاركة الشعبية لمواجهة الأزمات المحدقة بنا، بهدف الانتقال لغدٍ أفضلٍ لنا كشعب منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، والذي يجمعه وحدة الارض والمصير.

تتطلب التحديات التي تواجه دول الخليج نقاشاً صريحاً يشارك فيه كل من له مصلحة في بناء مستقبلاً لدول مجلس التعاون قوامه الوحدة والديمقراطية والتنمية. في هذا السياق، تمثل جهود مركز الخليج لسياسات التنمية، بما فيها هذا الإصدار، محاولة لوضع المادة العملية ما بين أيدي أهل المنطقة، باعتبارهم المعنيون أساساً بمستقبلها، حيث تربطهم وحدة الأرض والمصير، على أمل المساهمة في فتح حوار جدي حول سبل الوصول إلى دولة ليست قوية بأجهزتها الأمنية، بل قوية بسواعد أهلها وتكاتفهم.


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها