طباعة


بات شبح عدم الاستدامة يمد ظلاله على دول الخليج العربية بنحو أبرز من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل ما عرّته جائحة الكورونا من أوجه الخلل المزمنة التي تنهش في عافية دول الخليج منذ عقود دون معالجة أو تصدٍ فعال. فمن ناحية الاقتصاد، تتواصل اعتمادية اقتصادات دول الخليج على إنتاج سلع محصورة وقليلة نسبياً تتركز أساساً في النفط والغاز، وذلك على الرغم من وفرة السياسات والمشاريع والرؤى المعلنة على مدى العقود الماضية التي وعدت بالتنويع الاقتصادي. وفي حال تعرض سوق هذه السلع لأي هزة، سواء من ناحية تدهور أسعار النفط، أو انخفاض الطلب العام عليه نظراً لاكتشاف البدائل الناجعة، فسينعكس ذلك بشكل جلي على استدامة الاقتصاد. ويتفاقم هذا التهديد إذا ما أخذنا في الاعتبار أن النفط والغاز سلع ناضبة، وهذه الظاهرة تضيف بعداً آخر إلى واقع عدم الاستدامة.

 

معروف أن دول الخليج تعتمد اعتماداً شبه كلي على النفط في صادراتها، وأن النفط مورد ناضب، لكن ذلك لا يكفي للوصول إلى المراد مما نعنيه بخطر عدم الاستدامة. فعلى الرغم من كون النفط مادة ناضبة، إلا أن استثمار عائداته بشكل معين قد يجعل قيمتها تتجدد بل وحتى تتكاثر يبقى احتمالاً وارداً جداً، بحيث توزع هذه الاستثمارات على قطاعات متعددة، وبذلك يتم تفادي خطر نضوب النفط وعدم تنوع أنشطة الإنتاج في الدول المعنية. فما يهمنا هنا هو تداعيات عدم تنويع الاقتصاد وعدم استدامة النفط على نمط نمو الإنتاج والاقتصاد ككل في دول مجلس التعاون. ولذلك، يصبح فهم وبيان العلاقة ما بين اسواق النفط واقتصاديات دول مجلس التعاون هو السؤال الملح والضروري. وقد يكون الجانب البيئي من اهم محددات الاستدامة في دول مجلس التعاون، خصوصاً في ظل ما يعرف بحقبة "الأنثربوسين" (Anthropocene)، أو حقبة طغيان التأثير البشري على الكرة الأرضية، حيث أصبح الإنسان هو المتحكم الرئيسي في البيئة وتسخيرها لمتطلباته، حتى أصبحت مشكلة التغير المناخي أكبر معضلة حالية تواجه سكان الكرة الأرضية، ومعها يتفاقم خطر ما بات يعرف بـ"الانقراض السادس".[1]

 

ولذلك، يصبح فهم وبيان الاستدامة من عدة أبعاد متقاطعة أمراً ضرورياً، أكان ذلك من ناحية وضع السياسات العامة، أو الاقتصاد، أو سوق النفط، أو تخطيط المدن، أو البيئة. ويطمح الإصدار الذي بين يديك إلى تناول هذه الجوانب المتعددة من الاستدامة في دول مجلس التعاون من منطلق أوجه الخلل المزمنة: السياسي والإنتاجي والسكاني والأمني، والتي هي دائماً محور تركيز هذا الإصدار.[2] وكنا قد اخترنا الاستدامة موضوعاً لهذا الإصدار قبل أن تباغت جائحة كورونا العالم ودول الخليج العربية في عام 2020، وهي التي كشفت بشكل أوضح عن أوجه الخلل المفضية إلى عدم الاستدامة في دول مجلس التعاون، وكأنها تريد أن تؤكد على ما اجتمعنا لمناقشته في هذا الإصدار.

 

ما هي آليات رسم وتطبيق السياسات والرؤى في دول مجلس التعاون حالياً، وهل هي مهيأة نحو تفعيل الاستدامة والتركيز عليها؟ ما هي محددات سوق النفط العالمي الحالية، وما مدى استدامتها مستقبلاً؟ ما هو النمط الاقتصادي العام الذي تبلور في دول مجلس التعاون، وما مدى استدامة هذا النمط الاقتصادي على المدى القريب والمتوسط والبعيد؟ وما هي طبيعة سوق العمل في المنطقة وعلاقته بالتركيبة السكانية، وهل بإمكانه أن يستمر بالنمط الذي هو عليه؟ ما هو الوضع البيئي في دول مجلس التعاون، وما هي أهم التحديات التي تواجهه في ظل أزمة التغير المناخي؟ هذه هي الأسئلة التي سيقاربها هذا الإصدار على مدى فصوله القادمة من منظور الاستدامة.

 

وكما جرت عادة كل إصدار، نقوم أيضاً برصد أبرز المستجدات السياسية والاقتصادية في كل من دول مجلس التعاون خلال الفترة المؤدية إلى أزمة كورونا. فقد بان شبح عدم الاستدامة من الناحية الأمنية في أعقاب الهجمات على منشآت أرامكو في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى تجذر أزمة الخليج المتواصلة التي أكملت سنتها الثانية، كما لوحظ تزايد واضح في وتيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني. في المقابل، سجلت كل دول الخليج عجزاً في ميزانياتها وارتفاعاً في ديونها دون استثناء، ولم يطرأ أي إصلاح سياسي جذري في أي من أقطارها، في مقابل تفاوت في وتيرة الحراك السياسي والاجتماعي على المستوى الشعبي.

 

لمناقشة هذه المواضيع، يجمع هذا العمل بين دفتيه طائفة من خيرة الباحثين المعنيين بشؤون الاستدامة في المنطقة. وكما نوضح في كل إصدار، فإن هذه النسخة الإلكترونية هي مسودة أولية لفتح النقاش حول الموضوع بشكل علمي ومنهجي، من منطلق معالجة أوجه الخلل المزمنة في المنطقة، والتطلع إلى مستقبل أفضل مبني على الديمقراطية والوحدة والتنمية. ومن هذا المنظور فإننا نرحّب بكافة المشاركات والتعليقات حول محتوى هذا العمل. ونود أن نخص بالشكر والعرفان كل من ساهم في هذا العمل بجهده ووقته، ونتمنى أن يجد قارئنا العزيز بين طياته المتعة والفائدة، كما وجدنا في إعداده.

 

 

المحرران

عمر هشام الشهابي

حمد أحمد الريس

 

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf)

لتصفح محتويات الإصدار إلكترونيا

 

[1] أنظر: إليزابيث كولبرت، ترجمة أحمد عبد الله السماحي وفتح الله الشيخ، الانقراض السادس: تاريخ لا طبيعي (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2019)، سلسلة عالم المعرفة 471.

[2] للمزيد حول أوجه الخلل المزمنة أنظر:

عمر الشهابي (محرر)، الخليج بين الثابت والمتحول 2013 (الكويت: مركز الخليج لسياسات التنمية، 2013)، < https://gulfpolicies.org/2019-05-18-07-30-16/2019-05-18-10-13-53/2013 >.

 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها