الاستدامة في اللغة هي استمرار الشيء وثباته ودوامه. وقد يكون التعريف الاصطلاحي الأشهر هو ذلك الذي نرصده في تقرير اللجنة العالمية للبيئة والتنمية عام 1987 بعنوان "مستقبلنا المشترك"، والذي يعرف الاستدامة بالتنمية التي تعمل على تلبية حاجات وطموحات الحاضر دون الإخلال بالقدرة على تلبية حاجات المستقبل.[1]  كما بالإمكان النظر إلى الاستدامة من ناحية قدرة نمط معين من الحياة على الاستمرار، من جهة تمكنه من تجديد نفسه وإعادة خلق الشروط الأولية لوجوده واستمراريته، وبهذا يديم ويكرس ويولد نفسه بشكل مستقر لمدة متواصلة من الزمن، بل وقد يتمكن بفضل استدامته من التكاثر والتوسع والتطور.[2]

 

إذن النظر في الاستدامة يدفع بنا إلى النظر في شروط استمرارية الحياة بشكل عام في ظل نمط معين من الإنتاج. مثل هذه الأسئلة الكبرى هي ما يربط موضوع الاستدامة بالسياسات العامة والأجندات الشاملة للدول، كما يبين علي الزميع في دراسته المقارنة بين الكويت ودول الخليج حول علاقة الاستدامة ببنية الدولة. ومن هذا المنطلق الواسع تتيح أسئلة الاستدامة لنا النظر في علاقة نمط الإنتاج بالأهداف والغايات الكلية للاجتماع البشري، ومن ثم مقارنة ذلك بنمط معين من الإنتاج كما نجده في دول الخيلج مثلاً، وهكذا نجد عمر الشهابي يتناول مدى استدامة نمط الإنتاج الخليجي القائم على ثنائية "تصدير النفط – استيراد العمل" في بحثه. كما يهيئ لنا النظر في الاستدامة ربط أوجه الخلل المزمنة  في دول الخليج (الاقتصادي والسياسي والسكاني والأمني) على أكثر من صعيد ببعضها البعض، من جهة تأثيرها لا على بنية الدول والمجتمع في الحاضر فحسب، ولكن أيضاً من جهة المسؤولية تجاه الأجيال القادمة. من هذه الزاوية يبحث ماجد المنيف في مصير اعتماد الاقتصاد الخليجي إجمالاً على الموارد الناضبة في ظل "الثورة الصناعية الرابعة" الرامية إلى ترسيخ تقنيات الطاقة المتجددة، وارتباط ذلك باعتبارات شتى من السياسات العامة إلى سياسات البيئة والتمويل والاستثمار. ويتناول عبد الله الخنيني في دراسته حول مشروع مدينة الشمال بالكويت جانب الاستدامة العمرانية، وهو جانب بالغ الأهمية للتنمية المستدامة في العديد من دول الخليج التي تشهد انفلاتاً في التوسع العمراني والسكاني بما ينعكس سلباً على المجتمع ويضاعف من أوجه الخلل السكاني في كثير من الأحيان. أما الجانب المقترن في الأذهان عند ذكر مصطلح "الاستدامة"، وهو الجانب البيئي، فقد تولاه بالدراسة والتحليل البحث المشترك لصباح الجنيد وأحمد الخولي ونادر عبد الحميد وغدير كاظم، حيث رصد البحث الحالة البيئية في دول الخليج وسبل التصدي لتحديات الاستدامة البيئية سيما في ظل ضعف دول الخليج في العديد من المؤشرات الأساسية، بما فيها جودة الهواء والماء والغطاء النباتي. 

 

وتأتي هذه الأوراق في مجملها كمحاولة لفتح النقاش الجاد حول مفهوم الاستدامة في الخليج وماهيته من زوايا متعددة، أكان ذلك من ناحية ديمومة سوق النفط، أم النمط الاقتصادي العام، أم رسم السياسيات، أم سوق العمل، أم التخطيط الحضري، أم الاستدامة البيئية. إذ تطرح كل ورقة مفهوماً معيناً للاستدامة وتوصيفها لأوجه الخلل التي تواجه المنطقة حالياً، بالإضافة إلى الحلول المقترحة، بهدف فتح النقاش حول موضوع يبدو مقدراً له أن يكون التحدي الرئيس لدول مجلس التعاون على مدى العقود القادمة، ألا وهو الاستدامة.

 

لقراءة الجزء التالي من الاصدار

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf)

لتصفح محتويات الاصدار الكترونيا

 

 

[2] عمر هشام الشهابي، تصدير الثروة واغتراب الانسان: تاريخ الخلل الإنتاجي في دول مجلس التعاون، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018)، الفصل الأول "تأطير: الاستدامة في نمط نمو الإنتاج".



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها