طباعة


 

في خضم الحالة العالمية من الغموض وعدم اليقين التي أطلقتها جائحة كورونا وتزامنها مع أزمة تدهور سوق النفط في 2020، بات واضحاً مدى المخاطر المتعلقة بعدم استدامة نمط الإنتاج الحالي في دول الخليج العربية، وأن تغيراً جذرياً بات يلوح في الأفق لا محالة، أكان ذلك طواعية أم قسراً.[1] والحقيقة أن بوادر الخلل في الاستدامة كانت واضحة قبل مجيء كورونا، بل إنها تراكمت على مدى عقود طويلة. وربما مثلت الهجمات على منشآت أرامكو في سبتمبر 2019، وخفوت الرد الأمريكي، دليلاً واضحاً على استفحال الخلل الأمني المتمثل في الاعتمادية على الدول الغربية لتوفير الحماية العسكرية والأمنية لدول المنطقة. أما من ناحية الخلل الإنتاجي، فلا دلالة أكبر من دخول ميزانيات كل دول الخليج دون استثناء في عجوزات ضخمة واستدانتها مليارات الدولارات في خضم هبوط أسعار النفط، كما بينت ورقة عمر الشهابي. وكما ناقشت ورقة ماجد المنيف بدورها، فإن مستقبل سوق النفط العالمي على المدى المتوسط والطويل ضبابي، خصوصاً في ظل تزايد الحديث حول ذروة الطلب على السلعة التي ما زالت تشكل أساس اقتصاديات دول مجلس التعاون.

 

في المقابل، فقد برز إلى السطح مدى تردي أوضاع العديد من الوافدين الذين فقدوا أعمالهم في خضم تبعات كورونا، فضلاً عن تبوؤ الكثير منهم الصفوف الأمامية في الوظائف الضرورية خلال الجائحة، والحالات المتكررة من الزينوفوبيا والعنصرية الذي تعرض الكثير منهم لها، لتبين أوجه الخلل في سوق العمل والتركيبة السكانية في الخليج من ناحية الاستدامة، ناهيك عن آليات وأولويات المواطنة، والتي كانت محط تركيز ورقة عمر الشهابي الثانية. ويعود جانب من هذه التناقضات في العلاقات الاجتماعية إلى طبيعة تصميم المدن في الخليج، وهي محط تركيز ورقة عبدالله الخنيني. أما على المدى البعيد، فقد يكون أهم تحدٍ يواجه دول الخليج من ناحية الاستدامة هو التردي الواضح في الأوضاع البيئية في المنطقة، كما تبين ورقة صباح الجنيد وأحمد الخولي ونادر عبدالحميد وغدير كاظم.

 

ولما كان الوباء قد هز الكثير مما جرت العادة على اعتباره من المسلّمات، فحري بنا أن نفتح آفاق التفكير والنقاش على ماهية المستقبل المنشود في دول مجلس التعاون من ناحية الاستدامة. فالواعد في هذه الدراسات وإن جاءت متشائمة من الوضع الراهن في المجمل أنها جميعاً تقدم تصورات مبتكرة للتصدي لتحديات الاستدامة من ذات تربة النمط الإنتاجي الحالي، ومن هذا المنظور فالاقتراحات المقدمة بالغة العملية ونتمنى أن تكون ضمن حيز المعقول المرتجى من أصحاب القرار. ماجد المنيف مثلاً يقترح عدد من الآليات للتصرف بعوائد الأصول الناضبة من أجل تحويلها إلى أصول مستدامة تعود بالفائدة على الأجيال القادمة دون الإضرار بالمكتسبات المترتبة على الفترة النفطية وبالاتساق مع حركة الشعوب نحو المزيد من المسؤولية البيئية. ولا يتوقف الأمر حسب المنيف على التنويع الاقتصادي، بل يتعداه إلى التنويع الاستهلاكي وإعادة النظر في القيم الاستهلاكية بشكل عام كما يبين في دراسته. كما يتناول البحث المشترك حول الاستدامة البيئية استعراضاً لجهود دول المجلس في ذلك الميدان وسبل تطويرها. وبالمثل، يقترح علي الزميع ضرباً من تبادل الخبرات في المشاركة الشعبية على نطاق الخليج، فمهما كانت التجارب الخليجية في المشاركة الشعبية محدودة ومقيدة بأكثر من قيد، فإنها قد قدمت مكتسبات تاريخية ملموسة قمينة بأن تساهم في رسم سياسات عامة مستدامة لعلها تمثل تحدي الاستدامة الأعظم، سياسات تستجيب لمطالب الإنسان المشروعة في حياة حرة وكريمة وعادلة، وتسخر ثروات الدول في سبيل ذلك الرفاه الآمن المستدام الذي تؤكد هذه الدراسات بأنه ما زال في المتناول. 

 

 وعلى الرغم من أن كل من هذه الأوراق قد قدمت رؤاها واقتراحاتها حسب جهد ورؤية وتطلعات الباحث، فالواقع أن الدولة وأجهزتها هي التي تحتكر في الوضع الحالي غالبية إمكانيات التغيير واتخاذ القرار. وهذا يقودنا إلى المفتاح للبدء في التصدي بشكل جدي لأوجه الخلل المزمنة في المنطقة: معالجة الخلل السياسي المتمثل في السلطة المطلقة بتفعيل المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وهو الاستنتاج الرئيسي لورقة علي الزميع. فالاعتماد على مؤسسات مستدامة تمثل أكبر فئة ممكنة من الشعب لاتخاذ القرارات المصيرية التي ستحدد حياة هذا الشعب ومستقبله، هي ممارسة أكثر عقلانية وأقل خطراً من جعل هذه القرارات مرتهنة لمجموعة محدودة، مهما بلغ حرصها على مصلحة الجماعة ككل.

 

وعلى الرغم من هذه التحديات، يبقى التكامل فيما بين أقطار دول المجلس قضية ملحة نظراً لوحدة وارتباط المصير فيما بين شعوب المنطقة جميعاً. وهذا يعزز من أهمية تفعيل المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار بين الشعوب، لأنه لا يمكن التعويل على القرارات الفردية والرؤى الشخصية فقط في هذا الأمر، كما بدى جلياً مع تفجر أزمة عام 2017، وسط ذهول وعدم فهم الشعوب لما يحصل في أزمة فرضت عليهم ولم تكن لهم يد في إشعالها، هذا مع غياب أي أثر لمجلس التعاون كمؤسسة جامعة خلال هذه الأزمة. والحقيقة أن الكثير مما قدم في هذه القائمة من الضرورات الملّحة قد تم طرحه مسبقاً وأكثر من مرة، وقد تكون الوثيقة التاريخية الأكبر دلالة في هذا الصدد هي تلك الوثيقة التي قام بصياغتها مجموعة من المفكرين والمختصين من كافة دول المجلس عام [2]1983 بناء على طلب من وزراء دول مجلس التعاون، في تعاون أهلي اعتمد في توصياته على مناقشات طويلة ومفتوحة بين المشاركين. وقد طالبت الوثيقة بالمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وتخفيض الاعتمادية على النفط وإخضاع إيراداته لمتطلبات التنمية، وتفعيل التكامل فيما بين أقطار دول مجلس التعاون، وتبقى الكثير من توصيات وأهداف تلك الوثيقة صالحة إلى يومنا هذا.

 

ويظل البديل إن لم يتم تنفيذ هذه التحولات هو الانحسار في مستوى المعيشة لغالبية الناس، في خضم زيادة أعداد البشر وتقلص الريع النفطي الذي ما يزال المحرك الرئيسي للاقتصاد. كما أنه ليس بالمستبعد أن ينفجر ذلك في شكل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية متعددة، قد يصل بعضها إلى مستوى كارثي حقيقي. ولذلك، فقد يكون لا مفر من إجراء هذه الإصلاحات بعد دفع أثمان باهضة لمشاكل كان بالإمكان تفاديها بالتروي والتخطيط في حينها. ومن الأفضل لجميع الأطراف المعنية أن تتم هذه الإصلاحات بالتدريج وطواعية وبعلم البشر واختيارهم وتصرفهم، بدلاً من أن يفرضها الدهر والقدر.

 

فهل نتعظ من جائحة الكورونا ونبدأ خطواتنا نحو درب الوحدة والديمقراطية والتنمية المستدامة؟

                                                                             

عمر هشام الشهابي

حمد أحمد الريّس

 

لقراءة النسخة الكاملة من الاصدار (pdf)

لتصفح محتويات الإصدار إلكترونيا

 

 

[1] هذه الخاتمة تستقي بعض ما ورد فيها من سلسلة مقالات عمر الشهابي، "انعكاسات الكورونا على اقتصاد دول الخليج العربية،" مركز الخليج لسياسات التنمية، < https://gulfpolicies.org/2019-05-18-07-27-50/2019-05-18-09-55-37/2385-2020-04-29-08-56-02 >.

[2] عمر هشام الشهابي، "انعكاسات الكورونا على اقتصاد دول دالخليج العربية (6) – أساس الخلل الانتاجي والاستدامة: النفط وأوجه استعماله وايراداته،" مركز الخليج لسياسات التنمية، < https://gulfpolicies.org/2019-05-18-07-30-16/2020-05-11-02-54-52/2401-6-2 >.



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها