Reports 2016



أكثر من خمس سنوات مرت على انتشار شرارات البوعزيزي لتشعل نيرانها الاحتجاجات في أغلب بقاع الوطن العربي، من المحيط في غربه إلى الخليج في شرقه. خمس سنوات كانت مفعمة بمزيج عنيف من الأمنيات والتخوفات، من الآمال والإحباطات، ومن المواجهات والانقسامات. وقد كان لدول الخليج، بشعوبها وحكوماتها، دوراً محورياً في خضم هذه الفترة المفصلية من تاريخ العرب.

تعتبَر هذه النسخة الرابعة من إصدار "الخليج بين الثابت والمتحول"، وقد آثرنا في هذه النسخة التركيز على تقييم محصلة السنوات الخمس التي تلت اندلاع الانتفاضات العربية، والنظر إليها من مجهر أوجه الخلل المزمنة في دول الخليج العربية، والتي هي دائما محط تركيز هذا السلسلة من الإصدارات. ففي قسم الخلل السياسي، نوجه تركيزنا إلى تقييم المحصلة السياسية للسنوات 2011-2016 التي تلت الانتفاضات العربية في كل من دول المجلس، مفردين ملفاً خاصاً لتقييم التغيرات في كل دولة على حدة. هذا بالإضافة الى ملف خاص يركز على نتائج استبيان أقامه المركز حول آراء مواطني دول مجلس التعاون ونظرتهم إلى الديمقراطية والمشاركة الشعبية في صنع القرار، خاصة في ضوء مرور خمس سنوات على اندلاع الانتفاضات العربية.

أما في قسم الخلل الاقتصادي، فيركز الملف الأول على تحليل تداعيات انخفاض أسعار النفط على ميزانيات دول المجلس في فترة 2015-2016، ومقارنتها مع فترة الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم، والتي انخفضت فيها أسعار وعائدات النفط بشكل مشابه، مما يجعل من المقارنة بين الفترتين أمراً ملحاً. أما في قسم الخلل السكاني، فمناقشة قضايا المرأة تأخذ نصيب الأسد. فالملف الأول يركز على خصائص ودور المرأة في سوق العمل في الخليج. ويركز الملف الثاني على تحليل رؤى وسياسات دول المجلس التنموية والسكانية من منظور المرأة.

أخيراً وليس آخراً، يتصدر ملفان قسم الخلل الأمني من هذا الإصدار. يركز الأول على سرد تاريخي للعلاقة بين دول المجلس وإيران والعراق منذ فترة الحرب العالمية الثانية إلى 2016، طامحاً في فهم أفضل للعلاقة بين الأطراف الواقعة على ضفتي الخليج، والتي أصبح الخصام السياسي فيما بينها أحد أهم مرتكزات مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية. في المقابل، يركز الملف الثاني في قسم الخلل الأمني على تحديات أمن الطاقة في دول المجلس، خصوصاً من ناحية التحركات العالمية للخفض من استهلاك الوقود الأحفوري والانتقال إلى طاقات متجددة تعتبر أكثر صداقة للبيئة، بما فيها الطاقات الذرية والشمسية وغيرها، والتي تجبر دول المجلس على إعادة ترتيب ملفات أمنها من ناحية الطاقة.

 خمس سنوات متشعبة، عصيبة في بعضها، مشحونة بالآمال في الآخر منها، ولكنها تدعونا، كلنا، للوقوف وتقييم ما وصلنا إليه في الخليج وشبه الجزيرة العربية والوطن العربي عموماً، وما نطمح إليه في المستقبل. وكما هو الحال في كل إصدار، فإننا نختم المقدمة بقولنا:

عمق أوجه الخلل المزمنة في الخليج وتجذّرها، ومصيريّة المتغيّرات المترتبة عليها، تفرض علينا فتح النقاش حولها بشكل علمي ومنهجي. ونظراً لحدّة وتضارب الآراء والخواطر حول هذه المواضيع الحيوية، فإنّنا نلتمس من القارئ رحابة الصدر ومقاربة ما يطرح في هذا الإصدار من باب الجدلية العلمية، ومن هذا المنطلق نرحّب بأيّة مشاركات أو تعليقات حول محتوى هذا الاصدار. فمن الطبيعي أنّ عملاً كهذا سيُصيب في بعضه، ويجانب الصواب في بعضه الآخر. وقد حاولنا في طرحنا الالتزام بمنهج المهنيّة العلمية، النّابع – أساساً - من حسّ وطني همّه الأوّل هو أهل الخليج والوطن العربي. وفي الوقت ذاته، فلا يمكننا ادعاء الحياد الكلي والموضوعية الشاملة، فإنهّ من المتوقع لأيّ طرْح أن يأتي من وجهة نظرٍ معيّنة، والتي نأملُ هنا أنّها تعكس همومَ أهل الخليج الطّامحة إلى بناء مجتمع قوامه دولة الوحدة والدّيمقراطيّة والتّنمية.[1]

وكما كان الحال في الإصدار الأول، فإن هذا العمل يرتكز في إعداده على مساهمات أكثر من عشرين باحثاً ومختصاً من دول الخليج، انطلاقاً من مبدأ "أهل مكّة أدرى بشعابها"، وأنّ أهل المنطقة هم المعنيّون - في نهاية المطاف – بتبعات ما يحصل لها، حيث تجمعهم وحدة الأرض والمصير. وواجب علينا أن نشكر كلّ من ساهم في إنجاز هذا العمل، تقديراً لجهودهم ودورهم في استكمال أعمدته. وأتمنى أن يُحقّق الفائدة والمتعة للقارئ العزيز، كما كان لنا في إعداده.



عمر الشهابي ومحمود المحمود ومحمد الدوسري
المحررون
 


الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها