الاقتصاد و التنمية

  • اسمعنى يا برلماني - نجدي اناركست

    هذه مقالة متأخرة أناقش فيها مقالة عمر الشهابي عن الوضع السياسي الاقتصادي وأزمة كورونا. هي مجموعة مقالات لكنها فعليا من ثلاثة أقسام, شرح طبيعة الاقتصاد السياسي للخليج, تبعات فايروس كورونا السياسية والاقتصادية, ثم طرح حلول ومحاولة إصلاح الخلل البنيوي في دول الخليج. كلامه عن الاقتصاد الخليجي كان سرد حقائق غير جدلية مثل أن الدولة تعتمد على النفط, وتحليله عن أثر فايروس كورونا قريب من الذي يكتب في الصحافة ولا أرى أنه ذكر أمر يستحق الخلاف عليه. أما طرحه لنموذج النظام الاقتصادي الخليجي هو نقطة الخلاف, حيث يتصور الحل هو دولة ديمقراطية تمثيلية تنتخب من الأسفل ومن ثم جهاز إداري ضخم يقوم بتطبيق السياسات من أعلى رأس الهرم إلى الأسفل. عمر الشهابي ليس الوحيد المؤمن بهذا النموذج, بل أن أغلبية الديمقراطيين الخليجيين مؤمنين بنفس الصورة بطريقة أو أخرى, ومع أنهم يفضلون وصف أنفسهم بالديموقراطيين, إلا أعتقد أنه الوصف الأنسب لهم هو البرلمانيين ﻷن هذا أقرب وأكثر دقة لمطالبهم السياسية, ﻷنه بحسب علمي لاتوجد مطالبات في تطبيق ديمقراطيات شعبية دون ممثلين سياسيين في الأحياء مثلا. والنماذج المطروحة دائما مجلس شعب أو أمة, وصندوق اقتراع يستخدم للترشيح السياسي أو التصويت على تعديلات دستورية. وأعتقد الآن فرصة للرد على بعض الإشكالات في هذا النموذج السياسي وخصوصا أن من يرد عليهم دائما هم من الشبيحة وهؤلاء لايؤخذ منهم قول. لذلك بقية النص هو الرد على عمر الشهابي بشخصه, لكن الهدف استخدامه نموذج مثالي على الديمقراطي الاجتماعي الخليجي.

     

    الواقعية مزبن غير واقعي للديمقراطيين

     

    ﻷنه معروف الرد وجاهز على طرح البدائل عند النقاش وتوضيح تناقض أو تعارض مصالح سياسية وعند انتهاء الحجج المدافعة يكون الرد التالي, وهو أنه لو كان نظريا صحيح, إلا أنه من غير الواقعي تطبيقه لذلك يجب العمل على أمر واقعي. لهذا يجب الرد عليه من البداية, هذا المزبن مريح للباحث في مركز دراسات بدولة غربية أو أكاديمي يعمل مستشار في حكومة ديمقراطية حيث حدود نطاق عمله لاتتعدى رفض ضريبة الواردات أو وضع قانون عن الانبعاثات الكربونية. لكن الديموقراطي في الدوحة أو خشم العان عندما يبدأ خطابه السياسي بداية في وضع برنامج ديمقراطي فهو يطرح تغيير جذري في صلب النظام السياسي ويحرم نفسه من الاختباء حول الواقعية. وفي الواقع لايوجد فرق من ناحية الثقل السياسي في طرح فكرة نزع الصلاحيات من الشيخ سعبول بن نخرور واستبداله ببرلمان منتخب وبين فكرة رمي ملاك العقار بالزبالة, كلاهما فيهما مخاطرة عالية وصعوبة وتحتاج حركة شعبية والشرطة سوف تسجن وتجلد فيها الكثير من العوام. لذلك إذا كان الديمقراطي واقعي, عليه بترك فكرة الديمقراطية والتركيز على الإصلاح في جهاز البلدية وسرعة استخراج التراخيص والأمور الواقعية الأخرى.

     

    النموذج الاسكندنافي والاشكال في استيراده

     

    لايخفي عمر الشهابي إعجابه بالنموذج النرويجي والسويدي وكتبها نصا أنها يجب أن تكون المثال الذي يجب أن يحتذى به. يجب أن نتفق على بعض الحقائق أولا, مثل أنها فعلا أعلى دول مكتسحة ترتيب أعلى خمسة دول في معدل الرفاة, وأنها الأفضل من ناحية التعليم, ومن اعلى الدول في سهولة في ارتقاء السلم الاجتماعي. والأهم من هذا كله تستخدم مثال واقعي أنه من الممكن بناء مجتمع بلا فقراء ورفاهية للجميع.

     

    لكن يجب أيضا توضيح سبب هذا النجاح مرتبط في سياق محلي, ﻷن دول اسكندنافية قليلة السكان أصلا وهي دول من الدرجة الثانية في الاقتصاد الأوروبي ومعتمده عليه بشكل أساسي وتطبيق بعض السياسات بطريقة ذكية صنعت هذا الاقتصاد السياسي من رفاهية عالية. مثلا القطاع الأمني معتمد على بشكل أساسي على الحلفاء الإقليميين الى درجة أن ايسلندا لاتملك جيش ومكتفية بشرطة سواحل وميزانية الجيش المفترضة تذهب الى خدمات رفاهية مثل التعليم والصحة. إضافة إلى قربها من قلب الاقتصاد الأوروبي يعطيها اثار خارجية إيجابية positive externalities تدفع تكلفتها دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا حيث الطبقة العاملة فيها لا تتمتع بنفس الامتيازات ويمكن الاستفادة من هذا السوق بخدمات أرخص مما يفترض عليه. الأمر الأخر أنه دول اسكندنافية بالاضافة الى سويسرا تواجه أزمة رفاهية, حيث توجد صعوبة بصناعة الصادرات بسبب ارتفاع الأجور لديهم وحماية المستهلك القوية تمنعهم من المنافسة مع الأسواق الرأسمالية الغربية الأخرى. وهذا قد يفسر لماذا منتجات هذه الدول دائما عالية الجودة ومرتفعة الأسعار والأفضل في السوق وتستهدف اعلى طبقة من المستهلكين صغيرة العدد, ﻷنه القطاع الوحيد الذي يمكن المنافسة فيه. مايخفي هذه الأزمة هي عوامل اقتصادية أخرى, مثل أن سويسرا فيها قطاع مالي حجمة أكبر من الطبيعي بسبب القوانين المعروفة يساعد في تغطية هذه الاشكالات, بالاضافة للسويد جزء من القطاع الصناعي هو شركات أسلحة تبيع للناتو, حيث أن السويد اعلى دولة غربية تصدر الأسلحة مقارنة بعدد السكان. أما النرويج فيها مستودع نفطي تطور الى صندوق سيادي يستثمر بالاسواق العالمية.

     

    وأمر آخر أضيفه, وهو رأي وليس حقيقة. هو مصادفة ضعف رأس المال المحلي مع مؤسسات ديمقراطية قوية على مدار فترة طويلة وبلا انقطاع. حيث جميع الأمثلة الموجودة بالواقع تكون إما تاريخ ديمقراطي طويل مثل بريطانيا فرنسا وأمريكا لكن أيضا مركز صناعي ضخم تتجمع فيها الثروات ويمكن أن يستخدم المال لتطويع العملية الديمقراطية, أو رأس مال ضعيف ومجتمعات نصف زراعية مثل إيطاليا وأسبانيا وشرق أوروبا, لكن مع فساد سياسي وعدم وجود إرث ديموقراطي, وأضيف أيضا بعد بحث متوسط, لم أجد أمثلة على مجازر بحق العاملين في هذه الدول, وهذا الأمر لو صحيح يبدو أن سكندنافية كانت استثناء عن بقية المجتمعات الصناعية, وأن الديموقراطية الرصينة بعد مئة عام ودون عوامل خارجية تؤثر على العملية السياسية بالاضافة الى دعم اقتصادي خارجي مثل الاتحاد الاوروبي والاعتماد على النفط, قد ينتج اقتصاد سياسي اسكندنافي. بالتأكيد أن هذا الحل أفضل من الوضع القائم, والتحول للديمقراطية التمثيلية خيار ممتاز للأجيال القادمة. لكن نحن لسنا قوطي ميرندا يدعس علينا حتى أحفادنا يستفيدون من جودة حياة متوسطة-عليا الحكومة ترسل الحليب للأسر بعد ولادة أول طفل وإجازة أمومة تسعة أشهر. والانتظار مئة عام حتى أرمي مديري بالزبالة فترة طويلة, وخصوصا أنه من غير المكلف وضع سطر صغير حين يأتي وقت كتابة الدستور أو الاستفتاء الشعبي عليه أن الملكية الخاصة هي ملك المشغلين لها. والجهة التي تستطيع تأسيس ديمقراطية بالخليج لن يعوقها مالك عقار قصيمي وصاحب مصنع تمور. والمطالبة بتطبيق النموذج الاسكندنافي هو مطالبة الناس الدخول في عملية التحول الديمقراطي, وهي عملية فيها مخاطرة سياسية عالية, مقابل جودة حياة مادية متوسطة بعد قرن.

     

    لا حاجة لإدارة حياة الناس, بل فقط نزع امتيازات أرباب العمل

     

    إن كان هناك نقد أساسي للبرنامج الذي طرحه عمر, فهو الاستعجال ومحاولة تطبيق ماهو ناجح على الأرض دون التفكير عن سبب نجاحه. مثلا يقترح أن تكون الشركات جزء من مجلس الإدارة ينتخب من قبل العاملين فيها كما هو مطبق في بعض الدول الديموقراطية الاجتماعية. هذا الاقتراح يدل على قصور بالرؤية, ﻷن هذه السياسات المطبقة كانت نتيجة لتسوية صدامات مع طبقة عاملة كانت تريد ابتلاع كل الشركة مع المستثمرين وانتهى الأمر أن يسمح لهم بالتمثيل النقابي وتأمين صحي وانتخاب نصف مجلس الإدارة. هذا الاقتراح فعلا مؤسف, ﻷنه يعترف أن الخليج لاتوجد به طبقة صناعية مستقلة وكلها شركات عائلية تعتاش على خدمات وكالات أجنبية أو تعاقد مع الدولة, وكون الدولة الخليجية هي من تملك مصدر الثروات النفطية, يمكن إعدام جميع هذه الشركات بشخطة قلم, عن طريق وضع قانون مقاولات يشترط المقاول أن يكون ممثل ديموقراطيا بنسبة 100% من العاملين فيه, هذا يعني إفلاس جميع المقاولين, واستخدام المال الحكومي من ثروات النفط قروض ميسرة بإنشاء شركات تعاونية تدار من العمال دون الحاجة ليربح منها تاجر, ومنها أيضا يستطيع العاملين شراء من رب عملهم الأصول بعد الإفلاس بسعر رخيص وهو يبكي بحزن ويضحكون عليه ويغنون هيلا يا رمانة الحلوة زعلانه من يراضيها. هذا الأمر ليس جديد أو متطرف, بل موجود في برنامج حزب العمال البريطاني في أخر حملة انتخابية له, مع الفارق أن بريطانيا دولة صناعية والخليج دولة ريعية الحكومة تملك جميع مفاصل الحياة الاقتصادية. ويمكن تطبيق نفس الأمر والقياس عليه في أمور أخرى, مثل إصدار قانون من البنك المركزي بالتوقف عن إعطاء قروض للبنوك التجارية, والتمويل يكون فقط للمؤسسات المالية التعاونية الديمقراطية التي تدار بشكل كامل من الأعضاء أنفسهم, وان افلست البنوك التجارية وهناك تخوف من الانهيار الاقتصادي, يمكن تمويل عملاء البنك بشراء أصول البنك التجاري بسعر الإفلاس وتحويله ملك اجتماعي للعملاء.

     

    لكن يصر الشهابي أن الحل هو إدارة ديمقراطية عن بعد تحمي من في أسفل القاع الاجتماعي. مثلا عند نقطة توظيف العمال المحليين, يقول التالي:

     

    “فإن أحسن طريقة للدفع بالتحول تُنفَّذ عبر إيجاد الحوافز التي تجعل القطاع الخاص يتحرك تلقائيًا نحو المكننة وتوظيف المواطنين، وثمة أكثر من آلية يمكن تطبيقها في هذا الجانب. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تُفرَض رسوم على أي عامل وافد توظفه الشركة بدرجة ترفع التكلفة على صاحب العمل لتوازيها مع توظيف المواطنين، كما هو مطبق في سنغافورة وكما بُدِئ بالعمل به في السعودية (والبحرين لمدة قصيرة إلى أن خُفِّض لدرجة أبطلت فاعليته)، وأن تُناط الكفالة وأعداد العمالة الوافدة في الاقتصاد إلى الدولة بدلًا من ترك الأمر للقطاع الخاص كما يسري حاليًا. وبذلك تُرفَع تكلفة قوة العمل وحقوقه وتُرفع الحوافز حتى يتجه القطاع الخاص نحو المكننة وتوظيف المواطنين من تلقاء نفسه، مع ترك تحديد طبيعة التوظيف والتكنولوجيا المستعملة في الإنتاج للقطاع الخاص، كما هو جارٍ في دول أخرى في العالم”

     

    في نفس المقالة ينتقد نظام الكفالة وأنه السبب الذي يجعل رأس المال يعتمد على العمالة الرخيصة المستغلة, ومع أنه مؤمن أنه يجب أن يلغى, إلا أنه يقترح لفة طويلة عن فرض رسوم على الأجنبي حتى تكون نفس قيمة اليد العاملة المحلية بالنسبة للتاجر, لكن من ناحية الأجور لايزال يستلم نفس الأجر. مايملكه رب العمل هو امتياز قانوني معطى له من الدولة, وهو حق الاستقدام وحق الترحيل, هذا يعني أن رب العمل دائما لديه فائض يد عاملة يستقدم منها surplus labor reserve ويملك حق الترحيل ومنع العامل من العمل في جهة أخرى لو يأتيه عرض أفضل. نزع هذه الامتيازات عن رب العمل وادخال اليد العاملة بناء على الحاجة السوقية بشكل عام كفيل أن يساوي بالأجور بين اليد العاملة المحلية والمستوردة أو تكون مقاربة لبعضها مع زيادة بسيطة لليد العاملة المحلية.

     

    الأمر الأخر هو حديثه عن التمثيل النقابي أيضا إداروي, حيث يفترض أن الحق التنظيمي “يعطى” من الدولة على شكل قانون عمل أو حمايات قانونية ومحاكم تخل الخلافات وما شابه. لكن الإشكال في هذه النظرة أنه يضيق نطاق التفاوض عن طريق “قائمة المسموحات” بدل من يترك الأمر للعاملين يتفاوضون بشكل وضعي مع رب العمل, المستفيدين من هذه التعديلات هي النقابة المؤسسة وليس العمال الممثلين, حيث البيروقراطية تسهل عليهم العمل ورفع القضايا وتوظيف المحامين والتواصل مع السياسيين من أجل قوانين أفضل. ومع أنه مريح للقيادة المكتبية, إلا أنه يعطي أرباب العمل مرونة في الالتفاف على القوانين بعد فترة من الزمن مثل توظيف عن طريق التعاقد حيث القوانين المكتوبة كانت للموظفين, أو ظهور شركات مثل أوبر تقوم بدور رب العمل لكن بطريقة قانونيا تعاملهم مقدمين خدمة, أو كما يسمي فريق تسويق كريم الكداد “شريكنا الكابتن”. بالاضافة أنها قد تضر العمل النقابي بشكل سلبي ﻷنه الآن قانونيا مجبرين العمل بشكل محدد وهيكلة قانونية, مثلا تهديد رب عمل بنشر فيديو عن سوء النظافة في مزرعة دواجن كورقة ضغط قد يتسبب بسجن فريق التفاوض ﻷنها مخالفة قانونية بقانون العمل حتى لو كان رب العمل الغلطان بعدم اهتمامه بالنظافة ومخالفة قانون الصحة العامة, وعليهم فقط التهديد بالاضراب مع انذار مسبق سبعة أيام حتى يعطى رب العمل فرصة لاتخاذ القرار كما هو منصوص عليه. وﻷن الشهابي معجب بالسويد, قد يكون استخدام مثال عن التطورات بالسنوات الأخيرة فيها, وهي أنه البرلمان وضع قانون يشترط أن النقابة هي من تقوم بالعناية بصناديق التقاعد, وهذا أمر بالبداية أسعد رب العمل ﻷنه يخفف عنهم الإدارة, بالإضافة للنقابات الكبرى كانت راضية بهذا التطور, ﻷنه يعطيهم مصدر دخل إضافي من الرسوم ويساعد بتمويل النقابة. لكن النقابات الصغيرة كانت رافضة لهذا التطور, ﻷنها لا تستطيع توظيف شخص أضافي وهم من مكتب لايعمل فيه الا عشرة أفراد يمثلون خمسة الاف عامل مثلا. لذلك الوضع الآن بالسويد تكلفة إنشاء نقابة جديدة أصبحت مكلفة بسبب هذا القانون, والعمال مجبرين أن يختارون من أربعة نقابات كبرى تمثلهم فعليا, ولا يستطيع العامل السويدي الآن الخروج من النقابات المتعاونة مع الاحزاب الديموقراطية الاجتماعية وجزء من أموال الرسوم تذهب دعم لحملاتهم. وأي تنظيم عرفي خارج القانون يعريهم من الحمايات الموجودة, ويكون وضعهم الآن أسوأ ﻷنهم يواجهون رب عمل لديه بعض الحمايات قانونية من قانون العمل الذي بالأصل وضع لحماية العامل لكن وضعت فيه بنود تحمي رب العمل, والعاملين محرومين من حمايات نظام العمل الذي فقط تطبق وفق الية معينة.

     

    لذلك المطلوب هو فقط توقف الدولة عن الوقوف في صف أرباب العمل واستخدامها للشرطة حرس شخصي للشركات تفك فيها اضراباتهم, والمحكمة تكون جاهزة لسجن رب العمل اذا استخدم العنف ضد موظفيه. أما العمل النقابي يكون عرفي على حسب الاحتياجات وبلا تكلفة عالية لإنشائها, وإن أصبحت هناك حاجة لتوثيق عقود مع رب العمل يمكن أن تقوم بها المحاكم بلا حاجة الى قسم خاص من وزراة العمل. حتى لاتعطى فرصة لتشكل طبقة إدارية تأخذ موقع التفاوض ويصعب على العاملين استبدالهم بسبب كلفة قوانين العمل, وأيضا أن يكون التنظيم أكثر مرونة ودائما وضعي ومتجدد ﻷن صلب الحركة العمالية هم العاملين أنفسهم وليس المؤسسات الممثلة لهم.

     

    وتاريخيا كانت دائما النقابات تنشأ خارج القانون وتعمل بطريقة عرفية, ثم بعد انهاك التجار الدولة تقوم بتسوية ترضي الطرفين في محاولة استيعابهم حتى يتوقفون عن المشاغبات وتعطيل عجلة التنمية والاحتقان الصناعي industrial unrest.

     

    الوظيفة دواء يعالج داء, والاكثار منه لا يأتي إلا بالبلاء

     

    وضع خطة للحفاظ على البيئة ومحاولة استبدال الاقتصاد الكربوني بطاقة متجددة أمر لاشك أنه في غاية الأهمية ويستحق أن يكون من الأولويات, والسبب طبعا هوالبحث عن الاستدامة. لكن الاستدامة لاتكون مطروحة عند الحديث عن بيئة العمل, ويكون الأمر هو رفع الوظائف الشاغرة عن طريق استخدام الدولة بتطبيق سياسات خلق وظائف بغض النظر عن الحاجة للعمل. في فقرة يتحدث عمر عن طبيعة شكل التحول الى نظام منتج بدل من الوظائف الحالية, وأنه يجب إستخدام ثروات النفط بالقطاع الصناعي المنتج.

     

    “فلا أظن أن الناس سيرفضون هذا التغيير، بل إن الكثير من الشابات والشباب يتطلعون إلى العمل المجزي المنتج الذي يحفظ حقوقهم ويمكنهم من استثمار طاقاتهم بشكل منتج فيما يحبوه، بدلاً من أن تضيع مهاراتهم وجهودهم بعد التعليم هباء في أعمال وهمية دون أي إنتاج مرتبط بها.”

     

    يعترف عمر أن أغلب الوظائف الموجود بالخليج هي مصطنعة من الحكومة حتى تكون طريقة بتوزيع ريع النفط على السكان. الإشكال أنه يعتقد أن هناك نموذج أخر يمكن أن تتحول له الوظائف إلى عمل حقيقي, والأغلب أنه يبني هذا التصور على النموذج الديمقراطي الصناعي, لذلك يجب أن نبدأ بتوضيح أنه حتى في هذه الدول الوظائف فيها مصطنعة من الدولة ﻷسباب سياسية أيضا, مع فارق النوعية والحدة مقارنة بدول الخليج.

     

    في عام 1930 كتب الاقتصادي كينز, وهو رأسمالي قح ومن أهم الاقتصاديين بالقرن العشرين. أن بعد مئة عام من الآن, وهو يقصد 2030 سوف يكون متوسط ساعات العمل الأسبوعية 15 ساعة بدل من 40 ساعة في وقتة السائد. والآن مع تبقي عشر سنوات على تحليله لازالت ساعات العمل ثابتة ولم تنقص ساعة واحدة في أغلب الدول. المبرراتيه من المستشارين الاقتصاديين العاملين بدوائر صناعة القرار الآن, يدافعون أن سبب عدم انخفاض ساعات العمل هو أمر تم استبداله بارتفاع هائل بالانتاجية, وهذا صحيح, ﻷن انتاجية القوى العاملة من يومها تتضاعف تقريبا كل أربعين عام. لكن كينز كان يستخدم رؤيته بناء على المعطيات التي لديه, وقال أن العمل سوف يكون خمسة عشر ساعة بالاضافة الى ارتفاع بالانتاجية كلاهما مع البعض. هذا يعني أنه احتمال كينز كان على خطأ, أو انه دخلت عوامل جديدة لم تكن موجودة وقت قيامه بالحسبة.

     

    عام 2015 قامت YouGov بإستبانة حول القوى العاملة البريطانية, مسقط رأس كينز. فيها 37% من العمال يعتقدون أنه وظيفتهم بلا فائدة, حتى أوضح, بلا فائدة يعني أنهم يعتقدون أن وظيفتهم لو تختفي من الوجود لن يكون لها أثر إيجابي أو سلبي على العالم, ليس المقصد أنها وظيفة متعبة أو صعبة أو مصدر ضغوط شخصية أو أي أمر أخر. يجب التنويه أيضا أنه استبيان واحد ولم يتكرر, والمركز من الدرجة المتوسطة, والأفضل أخذ هذا الرقم أنه نطاق واسع بدل من رقم محدد حتى تأتي دراسة أكثر علمية أفضل من مركز استطلاع رأي. لكن حتى لايفسر أنه إغتراب من العمل وليس أهمية الوظيفة نفسها. استطلاع عالمي من Gallup عام 2011-2012 وجد أن المهتمين بعملهم فقط 17% في بريطانيا وعالميا 13% أما البقية إما غير مهتمين أو يكرهون عملهم 26% في بريطانيا و24% عالميا سواء كانت الوظيفة لها فائدة اجتماعية أو لا.

     

    خلق الوظائف سواء بفائدة أو غير فائدة ليس سر, كل سياسي في دولة ديمقراطية يتحدث عن خلق الوظائف عند كل حملة انتخابية, وتفسيري أنها النقطة الأقل كلفة وصدام مع أصحاب رأس المال وأيضا مرضية للطبقة العاملة ﻷن الوظائف هي المجال الوحيد لهم لتحمل تكلفة المعيشة, أحد الطرق هي رفع كلفة الإنتاج مثل قوانين السلامة ومراعاة الجوانب البيئية بالانتاج, مثل هذه القوانين ترضي النقابات ﻷنها تخلق وظائف أكثر لهم وأيضا تساعد أصحاب الأموال بالحماية من المنافسين الجدد الدخول للسوق, بالاضافة لمشاريع بنية تحتية كبرى مثل الطرق السريعة والموانئ تعطي أفضلية بالسوق لأصحاب الشركات الكبرى على المؤسسات المحلية المتوسطة والصغيرة.

     

    في كتابه ينتقد عمر الشهابي تخطيط مدن الخليج أنها مخططة للسيارات حيث لايمكن التنقل أو العيش فيها دون شراء سيارة شخصية, وهو صائب في هذا النقد. لكن نقده هذا هو أيضا نقد المشروع الديمقراطي الاجتماعي بالكامل. ﻷنه فعليا هذا هو صلب المشروع الديمقراطي الغربي في منتصف القرن العشرين, أنه بسبب حالة احتقان طبقي خلال فترة الحرب العالمية الثانية, أنتخب رئيس إصلاحي وهو روزفيلت واستطاع تطبيق سياسات إصلاحية كبرى لم تكن مقبولة سياسيا إلا أنه هو كان الحل الوسطي أن يأخذ نصف أموال المستثمرين حتى لا يأتي الشيوعيين ويأخذونها كلها. الحل كان مشروع ضرائب عالية واستخدامها في خلق وظائف كبرى, أساسها هو تحول المدن للسيارات عن طريق تأسيس أكبر مشروع بنية تحتية بالتاريخ في وقتها وهو الطرق السريعة التي تربط القارة كلها, ومشروع الضواحي السكنية خارج المدن. هذا الثالوث هو صلب الصفقة الجديدة New Deal حيث أعطت ملاك العقار فرصة تطوير أراضي رخيصة واستخدام المال العام لتوصيلها بالطرق السريعة حتى تكون مربحة لهم, ومنها يعطي مجال للعاملين العمل في ثلاثة قطاعات تدفع أجور مجزية, وهي مصانع السيارات, العمل بالمقاولات العامة, أو العمل بقطاع البناء. بهذا كانت “الصفقة الجديدة” هي صفقة شراء رضى الطبقة العاملة على مدار عدة عقود, لكن مع نهاية السبعينات تشبع الاقتصاد وانتهت المشاريع الحكومية. والى اليوم يحاول أنصار الديمقراطية  الاجتماعية اعادة تطبيق هذه التجربة, ولا شك طبعا أنها من التجارب الجيدة وفيها ارتفاع لجودة الحياة وتربى جيل كامل عليها وارتفع فيها معدل السمنة حيث كثرة الطعام أصبحت عامل سلبي على الصحة حتى عند الفقراء. لكن يجب الاعتراف أنها لم تكن قابلة للاستدامة وكانت مسألة وقت وتصل وضع مسدود لايمكن التوسع بالوظائف الجيدة وأيضا مع توافق مع ملاك رأس المال, حيث أغلب الوظائف الجديدة التي تحاول الدولة خلقها إما بالقطاع الخدمي قليل الأجور, أو وظائف إدارية غير منتجة للأقلية من النخبة خريجي الجامعات professional managerial class لايقومون بعمل مفيد إلا شرطة على العاملين بالقطاع الخدمي.

     

    في الخليج كانت الطفرة متأخرة بالسبعينات, فيها استخدمت سياسات مشابه حيث الدولة توظف العوام بالقطاع الحكومي, وتستخدم أموالها بمشاريع مشتركة مع الأسر التجارية مثل المقاولات أو تأسيس نظام الكفالة والوكالات التجارية خدمة لهم. حيث سلم الوظائف مصمم أن يطابق سلم درجات القرب من السلطة السياسية. في هذا العهد أيضا تم بناء المدن وبرامج الإسكان الغير مستدامة, وكان يمكن للفرد أن يعمل بالحكومة ويشتري منزل من المخططات الجديدة كبيرة الحجم ويعيل أسرة من مصدر دخل واحد. هذا الأمر لم يعد قائما, والآن ندفع تكلفة شراء رضى جيل الطفرة بوظائف حكومية ومخططات مدن عالية التكلفة ومنازل إسكان واسعة مفروضة من البلدية. وبعد تشبع وانسداد هذا النمو, نواجه أزمة توظيف للعاملين صغار السن. متابعة سياسات صندوق الاستثمارات العامة السعودي لايخفي أن أهم مهامه هو محاولة حل هذه الأزمة, مثلا هناك عدة تصريحات على دراسة جدوى تأسيس مصنع سيارات سعودي, وأيضا كانت هناك محاولة شراء شركة تيسلا وكان الشرط الأساسي المختلف عليه هو رفضهم الموافقة على بناء مصنع بالسعودية, وأيضا تصريحات المسؤولين عن برامج الطاقة الشمسية صريحين فيها أن هدفهم توفير فرص عمل, لذلك الدولة حريصة على إنشاء مشاريع كبرى من حقول شمسية مع أنه يمكن تركيب نفس الألواح على أسطح المنازل دون الحاجة لتوظيف قطاع كبير من الناس.

     

    لكن الوضع القائم ليس أزمة عطالة, بل أزمة توزيع ثروات. وكونه الاقتصاد يواجه انسداد بالوظائف الجديدة يفترض أن تكون علامة على الرفاهية والاحتياج لساعات عمل أقل, لكن بسبب أن الأغلبية لاتملك أصول وأكثرية الأسهم مملوكة ﻷسر تجارية, فعليا هم من يستفيد مع أن الطبقة العاملة هي من يشكل أغلبية العمل والقوى التشغيلية. لكن بسبب أن صانع القرار لايستطيع تصور عالم الناس تعيش بلا مدراء ومستثمرين لهم حصة الأسد من كل ربع سنة توزع الأرباح, يكون الحل الوحيد هو محاولة خلق الوظائف بأي طريقة كان, بدل من التفكير بطرد الملاك وتسريح الموظفين الإداريين وتسليمها للعاملين تحت إدارة ديمقراطية, واستخدام الفائض الذي تم توفيره من حصة التنفيذيين بتوظيف عاملين أخرين وتقليص ساعات العمل عن الجميع مع المحافظة على الإنتاج والأجور للجميع. ويمكن مثلا إستخدام شركة اتصالات على سبيل مثال, بداية في رمي أعضاء مجلس الإدارة بالزبالة, ثم تسريح جميع من يعطي الموظفين أوامر ﻷن وجودهم كان امتداد مجلس الإدارة. ثم تفكيك ما تبقى من الشركة من أصول الى مجموعة شركات تعاونية محلية واقليمية من موظفين صيانة وتركيب أبراج وخدمة عملاء, جميعها تدار بطريقة ديمقراطية, حينها يستطيع العاملين توظيف زملاء جدد في نفس الوظيفة حتى هم شخصيا يعملون ساعات أقل, وفوق ذلك تكون أجورهم أعلى من السابق.

     

    ومن لا يستطيع تخيل مجتمع متوسط العمل فيه عشرة ساعات بالأسبوع وأنه كلام خيال علمي. عام 2016 صرح وزير الخدمة المدنية خالد العرج أن متوسط انتاجية العامل السعودي هي ساعة واحدة باليوم, وعليه فقط بالحديث مع أبوه وعمانه حتى يتعرف على عمال يعملون خمسة ساعات بالأسبوع. أولا يجب الدفاع عن العامل السعودي هنا والقول أن هذه النتيجة طبيعية وتصرف عقلاني ودلالة على الوعي بالمصلحة الذاتية والأهلية الكاملة, ولا حاجة للحديث العنصري أنه ثقافة كسل أو تفسيرات ثقافية غير منطقية. العامل السعودي يذهب للدوام من أجل المال فقط, وهذا مايجب فعله حتى يدفع أقساط المنزل. وسلم الرواتب مرتبط مع سنوات الخدمة, لذلك عليه فقط أن يذهب يوميا ويبصم ويشرب شاهي ويقرأ الجريدة ثم يعود للمنزل ويكرر ذلك عدة سنوات حتى يرتفع راتبه, فقط عليه أن يتجنب الموت والاستمرار على الدوام. والتوقع منه غير ذلك هو مطالبته بالعمل ضد مصلحته وانهاك نفسه من أجل المؤسسة التي يعمل فيها وهذا لن يحصل ﻷن الموظف ليس حمار يصدق الدعاية مثل العمل من أجل مصلحة الوطن. وحتى لاتعطى الفرصة لجلد الذات واسقاط المشاكل على العامل السعودي بالكسل, هناك دراسة مشابه في بريطانيا وجدت أن متوسط إنتاج الموظف الإداري ساعتين ونصف فقط. ويجب التفريق أن الوظائف الإدارية ليست مثل الوظائف الحقيقية مثل الزبال وعامل مكدونالدز والسباك ﻷن هؤلاء فعلا يعملون ساعات عالية, لكن الدراسة كانت عن الموظفين بالمكاتب داخل الشركات ودائما يستلمون أضعاف أجور العمال بالقطاع الخدمي, وهي المشابهة للوظائف الحكومية.

     

    لذلك يجب الاعتراف أنه انتهى عصر الخمسينات الصناعي, والحاجة لليد العاملة في نقصان بسبب التطورات التكنولوجية بدل من الازدياد وكانت هناك محاولات ضخ اصطناعية تقوم بها الدول الديمقراطية من أجل خلق وظائف ساعدت في تأخير هذه الأزمة عدة عقود, لكن نسبة الوظائف الصناعية في انحدار حتى مع حسبة الوظائف التي ذهبت للدول الفقيرة مثل شرق أسيا. وأنه الآن سياسيا لايمكن تفادي الصدام الطبقي عن طريق خلق وظائف جديدة ﻷنه لم يتبقى التوسع سوى في قطاع الخدمات قليل الأجور.

     

    بالاضافة الى دور خلق الوظائف سياسيا, هناك عامل أخر وهو افتراض أن قيمة الفرد الاجتماعية هي بالوظيفة, وهذا أمر يجب الرد عليه أيضا. أحد انتقادات الرأسمالية هو أنها لاتفرق بين القيمة وبين السعر, حيث أن السعر هو القيمة, وحينها السوق لايغطي أمور لها قيمة لكن بلا سعر مثل عمل النساء المنزلي بتربية الأطفال. والانتقاد الأخر هو عملية التسليع, حيث تدخل أمور لها قيمة تحت منطق السوق وتصبح سلعة, وعليها قد تخسر بعض القيمة الاجتماعية. المشروع الديمقراطي الاجتماعي فيه نفس الإشكال بالنظر إلى قيمة الحياة بالوظيفة, حيث يفترض كل عمل له قيمة عند الفرد يجب أن يتحول الى وظيفة مقابل أجر, كما يقول الشهابي ” إن الكثير من الشابات والشباب يتطلعون إلى العمل المجزي المنتج الذي يحفظ حقوقهم ويمكنهم من استثمار طاقاتهم بشكل منتج فيما يحبوه”.

     

    افتراض أن العمل هو قيمة الحياة هو أمر يفترض أن لايخرج عن نطاق الإعلانات. هناك سبب أساسي أن الناس تأخذ راتب مقابل الوظيفة, وهو ﻷنها كومة من الكئابة والعمل الشاق المنهك السيء والممل والقاتل للنفس لا أحد يريد القيام بها حتى مع الاعتراف بأهمية العمل, ويكون المقابل المالي هو الأمر الوحيد الذي يجعل الناس تترك منازلها والفراش المريح والجلوس مع غرباء عدة ساعات, حتى تأخذ المال وتدفع أقساط المنزل ودفع كلفة الحياة. وأزمة العطالة هي أزمة توقف مصادر الدخل وغياب المال من مخبات العوام وعدم القدرة على شراء الأشياء فقط, وليس أمر معنوي مثل غياب القيمة من الحياة أو قول مشابه.

     

    ربط الوظيفة بقيمة الحياة هو نفس الاشكال في ربط القيمة بالسعر, حيث يفترض كل عمل له قيمة يجب أن يكون خلال الوظيفة, بدل من رؤية الوظيفة أنه أمر يقوم به الفرد مكرها حتى يأخذ مال لشراء همبرغر لاحقا عند الحاجة. هذا غير افتراض غير واقعي أنه يمكن قياس المعنى بشكل موضوعي عن طريق الحكومة وثم خلق وظائف بناء عليها. ﻷنه لن تكون الوظائف فيما يريده الناس كأفراد, بل سوف تكون الوظائف مخلوقة بناء على مايحبه السياسي المنتخب, ويجبرنا جميعا على ممارسة هواياته الشخصية حتى نأخذ رواتب.

     

    أريد كعكتي ولا أريد تقاسمها مع مديري أو مالك عقار

       

    “وقد كانت المصروفات الجارية هي المحدد الرئيسي لأوجه استخدام إيرادات النفط، فيما لم تحظ الاستثمارات الرأسمالية إلا على الفتات الفائض مما لم يصرف بعد من إيرادات النفط. وبشكل عام جرى كل هذا في جو من انعدام الشفافية والمحاسبة الشعبية وطغيان الضبابية حول أحجام وأوجه استخدام إيرادات النفط. وبهذا تم تحويل الغالبية الساحقة من الثروة العامة النفطية، والتي كان من المفترض أن تكون منتجة ومتكاثرة، إلى مخصصات جارية خاصة تنفق بشكل متكرر، أو لمشاريع إنشائية متضخمة غير معروف مردود بعضها على المجتمع، فيما أعطيت الجهات الخاصة التي تحصل على هذه الإنفاقات حق التصرف فيها كما ترى. وهذا بدوره خلق نظرة عند غالبية الأفراد في المجتمع أن هناك كعكة نفط، ولكل شخص حق في الكعكة، بمعنى “أريد نصيبي الخاص من الكعكة كما حصل عليها غيري”، بدلاً من النظر لهذه الثروة كملك عام من الممكن ان ينمو ويتكاثر مع الزمن. وبرأيي فإن هذا هو لب الخلل الإنتاجي المتعلق بكيفية استعمال إيرادات النفط وإنفاقها.”

     

    هذا تعليق عمر الشهابي عن كيف يجب علينا التصرف بريع الثروة النفطية, ومن الواضح هنا لب الاختلاف بالرؤية. قد يكون هناك إتفاق أن صرف ريع النفط مهدور, لكن يبدوا أن عمر لايرى إشكال في تحكم أقلية من نخبة سياسة بقرار الصرف, وأن حله هو استبدال صانعين القرار بأقلية برلمانية منتخبة ديمقراطيا, ويفترض أن هذه النخبة الجديدة سوف تصرفها في استثمارات انتاجية. وأيضا يعتقد أن التصور السائد عند العامة أن الثروة النفطية هي كعكة والجميع يأخذ حصة منها تصور خاطئ بسبب سوء إدارة الريع.

     

    أعتقد أن الغالبية من الناس قد سبق لها بعد مشاهدة أرقام كبيرة مثل الميزانية السنوية أن تطرأ في رأسها فكرة بديهية, وهي ماذا لو وزعناها على الجميع بشكل متساوي, وعادة تكون فكرة عابرة ولايتم التفكير فيها بجدية. إلا أن هذه الفكرة بسبب أنها بديهية كانت عابرة للتاريخ ودائما متواجدة. أقدمها بحسب معرفتي كانت في عهد الخليفة عمر, استخدم فائض المتبقي من بيت مال المسلمين بتوزيعه بشكل متساوي بين السكان. ولاحقا مدونة بشكل أفضل في عهد تأسيس الليبرالية الكلاسيكية, وكانت فكرة الدخل الأساسي الغير مشروط جزء من النقاش وأنه أحد تطبيقات نظرية الحقوق الطبيعية, أشهرهم توماس بين أقترح فيها فكرة مقسوم المواطن, أما توماس سبينس الليبرالي الناشط ضد تخصيص الأراضي المشاع في انجلترا اقترح ادارة أراضي المشاع بطريقة ديمقراطية من الفلاحين ودفع ضريبة على الإستخدام يعود ريعها على السكان الإقليميين فيما يسميه المقسوم الإجتماعي social dividend وبالاضافة لقضايا ليبرالية أخرى مثل حق المرأة بالتصويت.

     

    في العشرة سنوات الأخيرة بدأت الفكرة تعود, ومع اختلاف طرق تطبيقها, بعضهم يقترح تمويلها عن طريق ضريبة قيمة مضافة على المبيعات, والبعض الأخر يرجع إلى كتابات الليبرالي الكلاسيكي هنري جورج عن ضريبة شاملة على ملاك العقار والنقاش متنوع عنها. لكن نشر حديثا كتاب من باحثان يعملون في دوائر قريبة من مراكز أبحاث حزب العمال البريطاني. فيه يقترحون دخل أساسي للمواطنين غير مشروط أنها أفضل طريقة لإعادة القوى لليد العاملة بالتفاوض وطريقة لإصلاح عهد سياسات النيوليبرالية بالعقود الأخيرة, حيث لو أعطي للجميع دخل أساسي أدنى بلاشروط, هذا يعني أنه الجميع خلال لحظة يستطيعون المفاوضة مع رب العمل بشكل أفضل والتهديد بالانسحاب من الوظيفة, وخصوصا من باسفل السلم الاجتماعي ويعطيهم الامكانية للانسحاب من سوق العمل فترات مطولة دون التعرض للتشريد بالشارع. وشخصيا أفضل وصف وجدته كان نقاش بالانترنت عن فائدة الدخل الأساسي, قال شخص أنه جيد للطبقة العاملة ﻷنه باختصار الحكومة تقوم شهريا بتوزيع شيكات fuck you money على الجميع وعليها يجبر أرباب العمل على تحسين أوضاع العمل والأجور والاستثمار بالأتمتة بالقطاعات المتعبة التي لايريد أن يشغلها أحد. بالإضافة للفوائد الاجتماعية مثل دعم عمل النساء المنزلي, الذي هم فعليا أكبر طبقة عاملة على الكوكب تعمل بصمت بلا أجر وعليه جميع العمال الرجال منتفعين من صمت النساء بالمنازل. وغيره من الفوائد مثل إجازات أمومة مطولة وتسهيل أو التخفيف من المخاطرة من الانتقال من وظائف جديدة أو تأسيس أعمال, وحتى المساعدة للعاطلين الغير عاملين فترات مطولة بأن لاينتهى بالشارع ويكلف الخدمات الاجتماعية. أو حتى فتح المجال ﻷن يعطي بعض المساحة للصعاليك بالقراءة عن الاقتصاد السياسي ومناقشة الديمقراطيين الاجتماعيين!

     

    أما الحديث عن الاستثمار بالمجالات المنتجة فهو مبدئيا مصيب, لكن لايوجد شخص بالعالم يستطيع إدارة ثروات أمة كاملة واتخاذ قرارات عنها حتى لو كانت منتخب بشكل ديمقراطي, ﻷنه ببساطة لايوجد شخص لديه اي كيو من سبعة خانات. مايطرحه الشهابي هو مشروع لينين من الجهراء لو كنا نريد سوء الظن, أو في أفضل الأحوال مئة برلماني يقومون بصناعة القرار عن الجميع, وحتى هنا مئة عقل غير كافي لإدارة ثروات أمة وتوزيع الموارد بالنيابة عن عشرات الملايين من السكان. إن كان بالأسواق ميزة, فهي أنها تستطيع حل المشاكل بطريقة غير منظمة وذكاء جمعي crowd intelligence وتعمل في بيئات مجهولة لاتوجد فيها بيانات كاملة imperfect information فيها عملية عشوائية بالخبط واللبط trial and error حتى تصدف مع أحد المشاركين بالعملية المثلى للسوق وثم يعتقد أنه ريادي عبقري. لذلك أن كان هناك الحاجة لتخصيص جزء من ريع النفط بالاستثمار المنتج, يجب أن تكون صناعة القرار شعبية ومتساوية مع الجميع, وعمل البرلمانيين هو فقط تحديد الميزانية فقط. حيث يعطى كل فرد حصة استثمارية مثل عشرة الاف ريال كل سنة, يستطيع استخدامه بشكل فردي أو الدخول بشراكة مع أفراد أخرين بجمع الموارد بشركة تعاونية واحدة, أو الانتظار للسنة القادمة وتكون رصيد عشرين الف. الشرط الوحيد هو أن الشركة يجب أن تدار من الأسفل الى الأعلى بطريقة ديمقراطية حيث كل عامل له صوت واحد مساوي للجميع بغض النظر عن موقعه فراش أم عالم ذرة. ولا أريد الاسهاب بالشرح, لكن مع توسع التعاونيات الناجحة والحاجة لليد العاملة, يأتي كل موظف جديد مع إدخال حصته الاستثمارية السنوية بدخولة الشركة. وبهذا تكون الشركة تحصل على الاستثمارات المالية عند توسعها بشكل طبيعي وتحل مشكلة إدارة رأس المال capital allocation بشكل أفقي دون الحاجة للاعتماد على أقلية برلمانية أو مصرفي بخيل من البكيرية يملك مزرعة ربيان.

     

    والدخل الأساسي يحل مشاكل كبرى, وقد يتخلص من سطوة المدراء, لكنه لايحل مشكلة وجود ملاك العقار, حيث أن ملاك العقار علميا دائما يستفيدون من البرامج الحكومية للعامة وينتهي فعليا أن يرتفع سعر الإيجار ويأخذون أغلبية الدعم الحكومي من ريع العاملين بالنهاية. لذلك يجب أن تحل أزمة ملكية الأراضي وخصوصا أنها الآن سبب أزمة حالية على الناس أنها تأخذ ريع الفوائد النفطية, ولا حل إلا مع الغاء ملاك العقار من الحياة العامة وتحويل الأراضي الى مشاع عام, ولايعني أنه ملك حكومي يدار من البرلمان, بل ملك عام حق الملكية فيها يبدأ بالسكن وينتهي هذا الحق بالخروج من الاسكان. أما عن مشكلة التطوير العقاري, يمكن فصل عمل البناء عن الاستثمار العقاري, حيث يحق تطوير الأراضي المشاع وتركها للباحث عن سكن, والساكن فيها يدفع ضريبة على استخدامة للارض, يذهب ريعها بالسنوات الأولى للمطور العقاري شخصيا خلال عشر سنوات مثلا أو فترة زمنية أخرى, وبعدها يذهب ريع ضريبة الاستخدام على المال العام.

     

    وهكذا يمكننا توزيع كعكة النفط دون الحاجة لمشاركة ثرواتنا مع المدراء أو ملاك العقار, وأن لاتكون هناك حاجة لخلق وظائف دائما ورفع كلفة الحياة على الجميع حتى لو لم تكن لها فائدة منها فقط من أجل الحرص أن الجميع يأتيه راتب أخر الشهر ويحصل على حصته من الثروة. طبعا وأكرر أنه الحركة السياسية القادرة على تأسيس ديمقراطية في نظام ملكي مطلق لن يكون عائق لديه الغاء المدراء وملاك العقار سياسيا.

     

    معضلة البيئة, الكفالة, والخصوبة

     

    كنت أتمنى أن يكون هناك طرح عن بعض المعضلات الخاصة بالاقتصاد السياسي الخليجي, وهي سياسات التغير المناخي, وتبعات الغاء الكفالة واليد العاملة الاجنبية, ونسبة المواليد والخصوبة وتبعاته الديموغرافية.

     

    بداية في البيئة, من الجيد الحديث عن التغير المناخي ومحاولة اتخاذ السياسات المناسبة للتحول لاقتصاد مابعد-كربوني. لكن جميع مراكز الأبحاث الدولية المهتمة بالتغير المناخي تعامل القطاع النفطي أنه سرطان يجب التخلص منه بأسرع وقت ممكن ويجب شركات النفط أن تفلس اليوم قبل الغد. كون القطاع النفطي بالأسواق الصناعية مملوك لمستثمرين أفراد افلاس هذا القطاع لن يكون بنفس الأهمية ﻷنه يشكل نسبة أصغر من الانتاج القومي والارباح تذهب لمستثمرين أفراد وليس المال العام. أما الاقتصاد الخليجي يواجه إشكال خاص, وهو التحول للطاقة المتجددة يعتمد على مصدر دخل نفطي, والمعضلة هي أنه تسريع التحول يعني تقلص في النمو المستقبلي, والمحافظة على مصدر الثروة للتمويل يعني تأخر التحول وزيادة الانبعاث الكربوني. وكون أغلب المراكز البحثية العالمية لاتهتم بأزمة الخليج الخاصة, أعتقد انه من المهم أن يكون هذا جزء من النقاش الشعبي ومحاولة كسر الحاجز الاجتماعي عن التصور السائد أن البيئة قضية نخبوية, ﻷن ان ترك الأمر للنخب, لن يفكر بحل هذه المشكلة الا جهات استشارية مثل ماكنزي, وهي بالأكيد لن تقوم بتقديم استشارات في صالح المصلحة الشعبية.

     

    أما عن الكفالة, فأكيد الغائها أمر لابد منه حتى يرتفع وتتحسن وضع الطبقة العاملة الأصلية والمستوردة. لكن الإشكال هو في تباعتها وكيف يتم تطبيقها. مثلا عند تطبيق سياسة توزيع ثروات النفط على شكل دخل أساسي غير مشروط, هل توزع على المواطنين والمقيمين يتركون للكسب بعرق جبينهم, لكن هذا يعني أنهم سوف يكونون في وضع أضعف بالتفاوض وعليه يخفضون قيمة الأجور على أنفسهم وعلى الطبقة العاملة الأصلية. أما لو تم ادخالهم ببرامج الدخل الأساسي, عندها تبدأ حزازية بين الطبقة العاملة من السكان الأصليين والمستوردين بالاحتراب على الدخل الأساسي. بالإضافة أنه هناك بوابة اليمن الجنوبية منفذ طبيعي لليد العاملة المهاجرة لايمكن اغلاقها الا بعسكرة الحدود ويتسبب بقتل ألوف المحتاجين سنويا. ولو أني اتمنى أن تكون هناك حلول, لكن لا أعتقد أنها قابلة للحل بسياق محلي غير الغاء الفقر في دول المنشأ.

     

    أما عن التغير السكاني, صدر العام الماضي كتاب Empty Planet: The Shock of Global Population Decline من باحثان بالمجال الديموغرافي. خلاصة الكتاب أن العالم كله يتوجه نحو النمو السلبي للسكان في جميع الدول, والفارق هو الدول الصناعية في مقدمة التغيير مثل السويد واليابان, والدول الأقل نمو مثل نيجيريا في ذيل التحول, والدول متوسطة الدخل مثل الفلبين والهند في وسط القائمة وخلال عدة عقود سوف تكون بوضع مشابه لليابان شكل السكان على هرم معكوس. السعودية كان معدل الخصوبة 7.3 عام 1970 الى 2.2 في عام, مما يعني أنه 0.1 فوق معدل الاستدامة, وعلى حسب المعطيات على الأغلب أنه سوف يستمر بالانخفاض الى معدل تحت الاستدامة خلال العقد القادم. الكتاب جيد من ناحية علمية, الا تفسيراته السياسية قاصرة في نظري, حيث أنه يفسر هذا التحول بسبب تمكين المرأة من حقوقها والتعليم والاستقلال. ﻷنه لايوجد شيء بالمناهج السعودية يدعم حقوق المرأة, أو دراسة العلوم بالجامعات تؤدي الى بناء قناعة الى تحديد النسل, والاعتقاد أن التعليم يؤدي الى وعي عند المرأة بتحديد النسل هو إهانة لعقول الحريم وكأنهم كانوا في ظلمات في انتظار وزارة التعليم تعملهم حقوقهم. الأغلب أنه هناك عوامل مادية على الأرض تشكل طبيعة الأسرة الحديثة, كما جميع التحولات الاجتماعية. أحد الأسباب المدروسة جيدا في شرق أسيا مثل كوريا الجنوبية واليابان, هو تأجيل النساء الزواج والانجاب بسبب المستقبل المهني, حيث مثلا اليابان النساء يتعرضن للفصل عند الحمل أو يتم تهميشهم بعد الزواج ﻷنهم على علم أنها تخطط لانجاب الأطفال واحتمال أن تترك العمل وترعى الأطفال بالمستقبل ويفضلون البحث عن موظف جديد. بالاضافة التحول التاريخي من منزل من مصدر دخل واحد الى الأم والأب جميعهم يعملون, لم يكن تحول بسبب انتشار القناعة بالمساواة بين الجنسين, بل الحاجة وارتفاع كلفة المعيشة التدريجية على مدى أجيال, في هذه المرحلة الانتقالية دائما تنتشر كذبة سياسية من أنصار الحركة النسوية, وهي أنهم ليس مع فرض العمل على النساء, لكن مع حق الاختيار, حيث من تريد أن تعمل يحق لها ذلك ومن تريد الجلوس مع الأطفال أيضا يحق لها ذلك. لكن فعليا هذا اختيار مؤقت في فترة تحول زمنية بعد عدة أجيال لايكون فيها خيار الجلوس بالمنزل ورعاية الأطفال الا رفاهية للأسر الثرية فقط والجميع مجبر للعمل من أجل دفع كلفة العيش الأساسية. وأعتقد أن هذا هو سبب في انخفاض معدلات الولادة, لارتباطه بانتشار بيئة العمل الحديثة. وفي نظري حله مرتبط بالتخلص من العمل وتقليصه لحجمه الطبيعي من عشرة الى عشرين ساعة بالأسبوع مع مضاعفات بالأجور حتى يتفرغ الناس للأمور الأخرى بالحياة والعمل المنزلي وشؤون الأسرة, قد لايعود متوسط الإنجاب الى سبعة, لكن احتمال أن يرتفع الى عدد فوق الاستدامة بعدة نقاط نستطيع ضمان نمو سكاني موجب.

     

    خاتمة

     

    من يبحث عن الازدهار والرخاء بالتحول للديمقراطية التمثيلية سيجد نفسه منهك بدوامة انتخابية يحاول أن يكسب هامش أكثرية صغيرة حتى يمرر أبسط الإصلاحات, هذا غير أن أكثر من نصف الطبقة العاملة سوف تكون محرومة من العملية الديمقراطية. ولايجب الانجراف ورى الدعاية الديمقراطية, التي تزعم الجميع متساوي سياسيا, ماتعطيه الديمقراطية هو حق المشاركة السياسية للجميع, أما حق التأثير السياسي ليس موزع ديمقراطيا, بل متكدس بيد أقلية من سياسيين وموظفين الأحزاب, والعاملين بالاعلام ومراكز الأبحاث والدراسات, وأصحاب الأعمال من مجموع لايتعدى العشرة الاف فرد. لا يعني أن لهم السلطة المطلقة, لكن سلطتهم ممثلة ديمقراطيا اعلى من حجمهم من ناحية العدد, ﻷن البرلمان مصمم لهم سياسيا بانتقاء أقلية تستبدل وظيفة الملوك, والحركات الشعبية تبدأ من خارج البرلمان ثم لاحقا يحتوى من البرلمان وتكون الديمقراطية هي نقطة النهاية وليست البداية, وهذا صلب الاختلاف بمن يعتقد أن البرلمان هو بر الأمان والكيان الممثل للشعب ومصدر السيادة. ومن يعتقد أن الديمقراطية لن تمثل الا مصلحة أقلية طالما الممارسة محدودة بالعملية البرلمانية وفي ملعب النخب وبين أرضهم وجمهورهم. الحل هو بناء نقاط النفوذ عند الطبقة العاملة عن طريق العمل على الأرض, ﻷنه عند صندوق الاقتراع الجميع متساوي, لكن هذا لايمنع النخب الحزبية وأصحاب الثروات من استخدام نفوذهم على الديمقراطية وتطبيق مصالحهم الحزبية وهم أقلية. بدل من العمل الانتخابي ومحاولة كسب مقاعد, يمكن صب هذا الجهد ببناء نقابة زبالين تعلن اضراب عام عدة مرات تشل فيها المدن وتعلن وزارة الصحة حالة الطوارئ بسبب النظافة, حينها يمكن للزبالين وهم أقلية دائما التلويح أمام البرلمان بالاضراب عند التصويت على قانون لايعجبهم ورفع الكلفة السياسية على النخب. والأمر نفسه قابل للتكرار مع الخادمات المنزليات وعمال النفط ومضيفات الطيران وغيره من القطاعات التجارية, حينها يمكن فرض مصلحة الطبقة العاملة على البرلمان ويمكن أن يفتح المجال للنقاش عن شرعية تملك الأراضي ورأس المال والتصويت على الغائهم من الوجود, ليس بسبب البرلمان, لكن بسبب أقلية منظمة على الأرض جعلت خيارات التصويت جميعها يصب بمصلحة الطبقة العاملة. إن كان بالتحول الديمقراطي ميزة, فهي ليست بالعملية الديمقراطية نفسها, لكن بالحمايات السياسية التي تأتي معها الذي يعطي المجال للتنظيم الشعبي خارج العملية الانتخابية.

     

    _________________________

     

    المصدر: NajdiAnarchist

    Read more
  • التركيبة السكانية ؟ - عامر ذياب التميمي

    بقلم: ـ عامر ذياب التميمي  ( مستشار وباحث اقتصادي  )

    Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

     

    إرتفعت حدة الحديث حول أوضاع  التركيبة السكانية في الكويت أثر الترتيبات التي تم أخذها لمواجهة جائحة كرونا ، والتي شملت العالم أجمع.. بينت التدابير التي عملت بموجبها السلطات الصحية والأمنية في البلاد المآسي المقلقة  التي تمثلها تكدسات العمالة الهامشية الوافدة في مناطق سكنية ومباني وشقق لا تتوفر فيها أدنى متطلبات الوقاية الصحية والإلتزامات البيئية الملائمة.. قد تكون هذه الأوضاع المزرية التي يعاني منها فقراء الوافدين في البلاد معلومة ولكن نفوذ الكفلاء وتجار الإقامات الذين جلبوا هؤلاء العمال حالت دون إتخاذ إجراءات مناسبة.. كما إن مئات الآلاف من هؤلاء الوافدين يفيضون عن إحتياجات ومتطلبات سوق العمل حيث إتضح أن العديد منهم عاطلون عن العمل وقد إنتهت صلاحية إقامتهم ولم يقم الكفلاء بتصحيح أوضاع إقامتهم، كما أن عدداً كبيراً منهم ظل دون إستلام الرواتب والإجور لشهور عديدة. وبينت هذه الأوضاع غير السوية إن نظام الكفيل يعد نظاماً فاسداً لابد من وضع حد له. سبق للمنظمات الحقوقية وتلك التي تعني بحقوق اإنسان ومنظمة العمل الدولية أن طالبت بالغاء نظام الكفيل من كافة بلدان الخليج، وقد تجاوبت عدد من الدول الخليجية مع هذه المطالب، بشكل أو بآخر، في حين ظلت الكويت عاجزة عن إصلاح هذا النظام الذي يسىء لسمعة البلاد ويتجاوز على حقوق العباد.

     

    هناك الهيئة العامة للقوى العاملة وهي التي ترخص للشركات والأفراد في القطاع الخاص توظيف العمالة الوطنية والوافدة وتمكن المؤسسات من جلب العمالة من الخارج.. لكن يجب أن تقوم هذه الهيئة بإعتماد كفالة العاملين غير الكويتيين من قبلها مباشرة متى ما توفرت لهم فرص عمل حقيقية وفي شركات عاملة في مختلف القطاعات الإقتصادية ، وليس لدى شركات وهمية لا تعمل في أي نشاط إقتصادي محدد وواضح.. وما ينطبق من إجراءات وشروط توظيف على مؤسسات القطاع الخاص يجب أن يطبق على توظيف العمالة المنزلية حيث أن كفلاء العاملين في المنازل يقوموا بعمليات المتاجرة بالبشر دون أي إعتبارات إنسانية إو إحساس بالمسؤولية الأمنية والبيئية الوطنية. ولذلك يتعين على هيئة القوى العاملة أن تتأكد من شروط التعاقد بين الإسر وعمالتها المنزلية وتحفظ حقوق الأطراف المتعاقدة بشكل ملائم وبما يحفظ كرامة هؤلاء العاملين.. يفترض أن يتوفر لهيئة القوى العاملة الإمكانيات القانونية والإجرائية اللازمة للحفاظ على سلامة أوضاع سوق العمل بكافة تفرعاته وتحظى بالدعم الكامل من السلطتين التنفيذية والتشريعية.

     

    لكن كيف أصبحت الأوضاع السكانية على ما هي عليه في الوقت الراهن؟ يجب العودة إلى الوراء ، ربما أكثر من سبعين عاماً ، ومنذ بداية عصر النفط في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي.. ربما لم يتعدى عدد سكان الكويت في بداية خمسينات القرن العشرين أكثر من 100 ألف نسمة. وبين تعداد السكان الرسمي الذي إنجز في عام 1957 بأن إجمالي السكان كان 206 ألف نسمة منهم 114 ألف إعتبروا من الكويتيين وبنسبة 55  في المئة.. مررنا بمحطات عديدة حيث إرتفع عدد السكان إلى 467 ألف في عام 1965 منهم 169 ألف كويتيون بنسبة 36  في المئة وفي عام 1975 إرتفع العدد إلى 995 الف نسمة وكان عدد الكويتيين 308 ألف يمثلون 31 في المئة من السكان . ثم إرتفع العدد إلى 1.2 مليون منهم 471 ألف كويتي بنسبة 38 في المئة في عام 1985 . أما إحصاء عام 1990 والذي إجري قبل الغزو العراقي الغاشم فقد بين أن عدد سكان الكويت كان 2,142,000 نسمة منهم 600 ألف كويتي بنسبة 28  في المئة. يعني ذلك أن سكان الكويت تزايدوا على مدى أربعين عاماً ، من 1950 حتى 1990 ، بمقدار 15 مرة . هذا التزايد غير طبيعي في أي مجتمع إنساني تحكمه الزيادات الطبيعية ، لكن الكويت باتت مفتوحة أمام المهاجرين والعمالة الوافدة من البلدان العربية والبلدان المجاورة الأخرى ومن القارة الهندية ومراكز أسيوية أخرى.

     

    غني عن البيان أن الزيادة القياسية في عدد السكان خلال الفترة من عام 1950 وحتى عام 1990 حدثت بسبب التوسع  في العمل الإقتصادي ومتطلبات التطورات العمرانية والتعليمية  والصحية وتوابعها.. كثرت أعداد المؤسسات العاملة في النشاطات الإقتصادية المتنوعة والتي ربما لم تتواجد نشاطات منها قبل بداية عصر النفط... يضاف إلى ما سبق ذكره أن متطلبات سوق العمل حتمت الإعتماد على العمالة الأجنبية نظراً للإفتقار لعمالة  وطنية مناسبة للعديد من الأنشطة الإقتصادية.. لكن ما حدث بعد تحرير الكويت في فبراير ( شباط ) 1991 أكد العجز عن وضع تصورات مستقبلية للتركيبة السكانية تعتمد على أغلبية من المواطنين بالإضافة  إلى عمالة وافدة مؤهلة للعمل في القطاعات الحيوية والتي قد لا يتوفر العدد الكافي من الكويتيين لشغل وظائفها.. ما حدث عكس ذلك تماماً فقد رحل عن الكويت أثناء فترة الإحتلال والتي إمتدت لسبعة شهور غالبية العاملين المنتمين لجنسيات عربية وأسيوية ولأسباب معيشية أو أمنية وغيرها، ولم يتمكن العديد منهم العودة إلى الكويت ، خصوصاً أولئك الذين إنتموا لجنسيات عربية محددة. بيد أن فتح الباب بعد التحرير لإستقدام العمالة الوافدة لم يقنن بشروط تؤكد أهمية المهنية لدى هؤلاء الوافدين وأيضا إمكانيات تحفيز الكويتيين للعمل في وظائف عديدة في مجالات متنوعة.

     

    الآن وبعد أن كشفت جائحة كرونا الإهمال وعدم الشعور بالمسؤولية المتعلقة بأوضاع التركيبة السكانية ، سواء على المستوى الرسمي أو المستوى المجتمعي، بات لزاماً التفكير ملياً من أجل إبتداع آليات موضوعية لمعالجة التشوهات في هذه التركيبة السكانية . لدينا الآن ما يقارب 4.8 مليون نسمة منهم 1.4 مليون من الكويتيين و 3.4 مليون نسمة غير كويتيين أي أن الكويتيين يمثلون 30 في المئة من إجمالي السكان. أيضا ، من بين الوافدين هناك جاليات ذات حجم كبير منهم الهنود ويمثلون 22  في المئة من إجمالي السكان ثم المصريون ويمثلون 15 في المئة من السكان.. الجاليتان الهندية والمصرية تشملان أصحاب تخصصات مهنية مهمة للعمل الإقتصادي في البلاد، لكنهما ، أيضا ، تشملان أعداد كبيرة من العمالة الهامشية والتي جلبت إلى البلاد بموجب شروط مشبوهة ، مثل كفالة تجار الإقامات وأصحاب الشركات الوهمية. كما أن أعداداً كبيرة من العمالة الوافدة تعاني من أوضاع معيشية وسكنية مزرية لا تتناسب مع نوعية الحياة المعلومة عن الكويت وإرتفاع مستوى الدخل فيها.

     

    هل الكويت تحتاج إلى مجتمع سكاني بحجم 4.8 مليون نسمة وهل الأعمال والأنشطة الإقتصادية تتطلب هذا الحضور الكبير للعمالة الوافدة ؟ بتقديري المتواضع هناك العديد من الأعمال في مختلف القطاعات التي تفيض عن إحتياجات الطلب في البلاد وآن الأوان لترشيد الحياة الإقتصادية وتصفية العديد من  المنشآت التي باتت مكررة ومشعبة " Saturated " وحماية أصحابها من مخاطر الإفلاس وعدم القدرة على مواجهة الإلتزامات المستحقة. هذه المنشآت كانت تشكو من تدني مردود أعمالها قبل جائحة الكرونا ومن المناسب أن تعمل السلطات الإقتصادية على توجيه أصحابها لوضع حد لأعمالها.. كذلك لابد من وضع حد للمتاجرة بالبشر والتقيد بتوجيهات منظمة العمل الدولية وإلغاء نظام الكفيل وإيجاد آليات لتواجد العمالة الوافدة في البلاد من خلال أنظمة هيئة القوى العاملة.. يضاف إلى ذلك هناك أهمية لتطوير النظام التعليمي والإرتقاء بالقيم الإجتماعية لتحفيز المواطنين  للإلتحاق بمعاهد التدريب المهنية  "Vocational Training " لتوفير عمالة وطنية حقيقية تملك إمكانييات العمالة المهنية المدربة وتستطيع العمل في وظائف عديدة في منشآت القطاعين العام والخاص.. ربما نجد إذا إتخذ القرارات الملائمة أن الكويت لن تحتاج إلى أكثر من 1.5 مليون من الوافدين للمساهمة في تشغيل الحياة الإقتصادية.. لكن هذه الإمكانية لن تتحقق دون توفر عزيمة وإرادة وطنية ووضع الإستراتيجيات  الطموحة وتطبيق القوانين والأنظمة دون ترضيات مشبوهة.

     

    Read more
  • مدن الملح في زمن النفط وكورونا - سالم الكثيري

     

    فجأة ودون مُقدمات أطل علينا سيئ الذكر كورونا من نوافذنا الزجاجية المحكمة الإغلاق، ليحول ناطحات السحاب والقصور الفارهة والبيوت الجميلة إلى سجون كبيرة، وقد أدت حالة الاستنفار القصوى وإغلاق الحدود فيما بين الدول واتخاذ القرارات بتعليق الدراسة والعمل في مختلف القطاعات إلى إصابة العالم أجمع بشلل شبه تام.

     

    كُنَّا نائمين في عالم مليء بالسكينة والهدوء وأفقنا على عالم آخر مليء بالذعر والخوف حتى بالاقتراب من أقرب الناس إلينا وأكثرهم منفعة لنا.

     

    بعبارة أخرى باتت مدننا الصاخبة بالناس وحركتهم الدؤوبة شبه خاوية على عروشها وأقرب إلى مدن الأشباح منها إلى مدن البشر في صباح كورونا البغيض.

     

    وقد تزامن مع تفشي هذا الوباء الهبوط الحاد لأسعار النفط، الأمر الذي أدى بالكثير من الشركات إلى تسريح عمالها بل وتعليق العمل في مصانعها أحيانا أخرى، كما لا يخفى على كل مُتابع أزمات الرهن العقاري التي تحدث باستمرار عالميًا ويصل صداها إلى ضفاف الخليج لتصبح الأبراج العالية والعمارات الشاهقة والمصانع والأسواق الكبيرة مهجورة بلا ساكن أو عامل أو متسوق بين ليلة وضحاها.

     

    يقودنا هذا الحديث إلى التساؤل، هل مدننا محصنة بما فيه الكفاية للصمود طويلاً في وجه مثل هذه الأزمات، بمعنى آخر هل هي مدن حية، منتجة، مُتماسكة ومتفاعلة مع ذاتها في مختلف مجالات الحياة في حال إنغلاق الدول على نفسها جراء نشوب حرب أو حصار اقتصادي مثلما يحدث دائماً أو بسبب جائحة وباء أو انخفاض أسعار النفط مثلما هو حاصل هذه الأيام؟ أم أنها لا تعدو كونها خرسانات إسمنتية ضخمة بلا روح ستخر هامدة على وجهها عند أول صدمة.

     

    بصيغة أدبية، هل ما نراه أمام أعيننا هي مدن الملح التي تحدث عنها عبد الرحمن منيف في خماسيته الروائية الشهيرة منتقداً نمط نمو المدن الخليجية التي ظهرت بشكل فجائي مع استخراج النفط وتصديره فأنتجت غنى فاحشا لا يقوم على منطق التدرج ولم تصل إلى ما هي عليه من تطور وعمران كنتيجة حضارية تراكمية مع مرور الزمن ولذلك فهي قابلة للذوبان عند أي امتحان حقيقي.

     

    للإجابة على التساؤلات السابقة ووفقاً لما ذكره الدكتور عمر الشهابي في كتابه المثير والممتع "تصدير الثروة واغتراب الإنسان، خلل الإنتاج في دول الخليج العربية" فإنَّ مدن الملح هذه ما تفتأ تظهر في دول الخليج مع كل أزمة اقتصادية أو مالية جديدة بسبب اعتمادها الكلي في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والتنقل والسفر على النفط. ولا يتفاءل الشهابي كثيرا بمستقبل الخليج إذا استمر تحت تخدير النفط حيث يؤكد أنَّ بوادر زوال "دولة الرفاه" التي كانت السمة الغالبة لدول الخليج خلال العقود الماضية أخذت تتضح بصورة جلية مع الأزمات المتلاحقة مؤخرًا ومن الأمثلة على بداية أفول "نجم دولة الرفاه" رفع أسعار الوقود والخدمات كالماء والكهرباء وغيرها وفرض ضرائب القيمة المضافة التي بدأت بعض الدول في تطبيقها ومشكلة الباحثين عن عمل التي باتت تتفاقم وتطفو على السطح مؤخرا وخفض الموازنات العامة وغيرها من الإجراءات التقشفية المتواترة تباعًا.

     

    ولذا إذا بتنا مكتوفي الأيدي معتمدين كدول ومجتمعات خليجية على النفط كمصدر وحيد للدخل والطاقة في آن واحد دون أن نستفيد منه في تحقيق تنويع حقيقي لمصادر الدخل -وهي الدعوة الملازمة لكل الخُطط السنوية والخمسية والرؤى الإستراتيجية الاقتصادية لدول الخليج منذ بداية نشأتها الحديثة إلى اليوم -وإنشاء صناعات تمكننا من استثمار المقومات التي نمتلكها كالطاقة الشمسية وغيرها من المعادن والثروات الطبيعية والاستثمار في الموارد البشرية والابتكار والمعرفة بهدف خلق مجتمع متعلم، واع، مسؤول ومنتج يخبز خبزه بيده ويزرع أرضه ويرويها بعرق جبينه ويشغل مصانعه بمهاراته الوطنية دون الاعتماد على القوى العاملة الوافدة وإلا فإنَّ مدننا لن تصمد كثيرا في وجه الصدمة تلو الأخرى وستكون عرضة للذوبان مختفية مع أي هزة عابرة أو موجة هائجة وذلك لأنَّ إنسانها لم يعد كامل الأهلية في توفير غذائه وباقي احتياجاته بسبب ما وصل إليه من رفاهية وتخمة مفرطة لا تكاد توجد حتى في أي مجتمع آخر من المجتمعات الغنية.

     

    ________________________

     

    المصدر: الرؤية

     

    Read more
  • مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (1) - خليل بو هزاع

    مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا):

    التحديات والفرص (1)

    خليل بو هزاع

     

     

     

     

    نشرت منظمة العمل الدولية (الثلاثاء 7 أبريل 2020) تحديثاً لتقديراتها الأولية لانعكاسات جائحة (كوفيد-19) أو كورونا على أسواق العمل في العالم، والتي وصفت فيها أوضاع سوق العمل بـ"الرهيبة" وأنها الأزمة الأكثر حِدَّة بعد الحرب العالمية الثانية.

     

    وتشير التقديرات الحديثة إلى تأثر 81% (حوالي 2.7 مليار عامل وعاملة) من إجمالي القوى العاملة في العالم بالتبعات الاقتصادية للجائحة، كما انخفضت ساعات العمل بنسبة 6.7% في الربع الثاني من عام 2020، وهو ما يعادل قوة عمل 195 مليون عامل بدوام كامل (على اعتبار 48 ساعة عمل)، إلا أن القطاعات الإنتاجية الأكثر تأثراً سيكون عليها تبعات أكبر على التشغيل كونها توظّف حوالي 38% من إجمالي القوى العاملة العالمية (حوالي 1.25 مليار عامل وعاملة).

     

    ومن الواضح أن الآثار الاقتصادية على دول الخليج ستكون مضاعفة لتزامنها مع تدنٍ حادٍ في أسعار النفط. وعلى الرغم من برامج الدعم المالية التي أعلنت عنها دول المجلس كلٍ على حِدة لتعزيز قدرة القطاع الخاص على تخطي هذه الأزمة بأقل قدر من الخسائر، إلا أن التباطؤ في النمو، والتراجع في العرض والطلب والقدرة على استمرارية النشاط الاقتصادي بذات الوتيرة السابقة سيتراجع، الأمر الذي سيُلقي بتبعاته على أسواق العمل من حيث شحّ الوظائف أو من حيث عمليات التسريح التي ستطال العديد من القطاعات.

     

    وقد أسهب عدد من الباحثين الاقتصاديين في تحليل أثر الجائحة على اقتصاديات دول مجلس التعاون وفي نقد حزم الدعم الحكومي وأثره المستقبلي على الاقتصاد في المنطقة. إلا أن الانعكاسات على سوق العمل لم تحظَ بذات التركيز والبحث.

     

    وقبل الحديث عن الجائحة على أسواق العمل في الخليج، قد يكون من المفيد تسليط الضوء على بعض ملامح سوق العمل في المنطقة وما هي العناصر التي تؤثر فيه وعليه.

     

    تتشكل القوى العاملة في الخليج من أغلبية مهاجرة. وتتراوح التقديرات لأعداد العمال المهاجرين بين 27 إلى 30 مليون عامل وعاملة في دول المنطقة (الأرقام لا تشمل في بعض الدول العمالة المهاجرة في القطاع الحكومي)، ناهيك عن الآلاف ممن يعملون بصورة "غير قانونية" ما يجعل نسبتها في إجمالي القوى العاملة تتجاوز الـ(70%)، فيما تصل نسبة المهاجرين في بعض دول المجلس كالإمارات وقطر من إجمالي السكان إلى (90%).

     

    وبلغ حجم التحويلات المالية التي أرسلها العمال المهاجرون من دول الخليج في عام 2017 فقط حوالي 120 مليار دولار حسب أرقام البنك الدولي، وبذلك تشكل دول الخليج أكبر مرسل للتحويلات المالية على مستوى العالم، وحوالي ضعفي التحويلات المالية الصادرة من الولايات المتحدة الأمريكية والتي تُعد من أكبر دول العالم استقبالاً للمهاجرين.

     

     

    ويعمل أغلب المواطنين في القطاع العام أو في الشركات الكبرى المملوكة ملكية مباشرة للحكومات الخليجية أو تساهم فيها بنسب عالية، فيما تتركز العمالة المهاجرة في القطاع الخاص بأجور وظروف عمل متدنية محكومة بنظام الكفالة الذي تُصنفه المنظمات الدولية المعنية بحقوق العمال وحقوق الإنسان ضمن أشكال العبودية الحديثة. فضلاً عن تأثيرات هذا النظام على زيادة أعداد العاطلين عن العمل بين المواطنين في عدد من دول الخليج كالبحرين والسعودية وعمان.

     

    مشاريع التوطين: نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً

    منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولغاية الأمس القريب، ونحن نسمع بين الحين والآخر عن مشاريع إحلال المواطنين في سوق العمل وبرامج التوطين، حتى أصبح الحديث عنها نوعاً من التندر الذي يتبادله العاطلون عن العمل في المنطقة بسبب فشل أغلب -إن لم يكن جميع- تلك المشاريع، والسبب في ذلك أن جميع المعالجات لمسألة البطالة كانت ولا تزال تتعاطى مع سطح الأزمة بدلاً من جذورها.

     

    إن دولاً كالبحرين والسعودية وعمان تعاني من بطالة يمكن وصفها بالمزمنة. وخلافاً للتصريحات الرسمية في بعض الدول حول تدني نسبة البطالة، كالبحرين على سبيل المثال، فإن تقديرات أخرى تشير إلى أن نسبة البطالة فيها تصل إلى 11%. وهذه النسبة العالية من البطالة ليست وليدة شحّ في الوظائف أو قدرة الاقتصاديات الخليجية على توليد المزيد من فرص العمل، بل هي نتاج طبيعي لعدم وجود سياسات تنظيم عملية استقدام العمالة المهاجرة في جميع دول الخليج وإلى نظام الكفالة كما أشرنا سابقاً. لقد اقتصرت مشاريع توطين الوظائف في أغلب دول الخليج على توفير دعومات مالية لأجور العاملين المواطنين في القطاع الخاص، ورفع كلفة استقدام العمالة المهاجرة، وتحديد نسب التوطين في عدد من القطاعات دون أن تترافق تلك البرامج بسياسات تكميلية تستهدف جذر الإشكالية وهو سياسات الاستقدام وإقامة علاقة متوازنة بين العمال وأصحاب العمل والقدرة على المنافسة العادلة بين العمال في سوق عمل يحكمه قانون موحد يشمل المواطنين والأجانب ولا يجعل لصاحب العمل سلطات على العامل الأجنبي ليس لها أساس في علاقات العمل.

     

    عامل آخر مؤثر على سوق العمل في الخليج هو غياب التخطيط المتكامل، وكنتيجة طبيعية لذلك فلا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل وزارات العمل لوحدها مسؤولية الخلل في سوق العمل؛ فكما هو معلوم لدى الجميع بأن المنهجية التي تقوم عليها الإدارة الحكومية في مجتمعاتنا الخليجية مركزية إلى حد كبير وفي الغالب يرسمها ويحددها مجموعة صغيرة جداً تأتي على رأس المؤسسات الرسمية، وهذا النوع من المركزية يُفقد إدارات العمل قدرتها على المرونة مع المتغيرات الطارئة على أسواق العمل. ومن جانب آخر، غياب الرؤية المتكاملة لمجمل السياسات في الدولة هو سبب آخر لعدم قدرة وزارات العمل لوحدها على الفعل. إن إصلاح سوق العمل وتمكين المواطنين في سوق العمل لا يمكن لوزارة واحدة أياً كان حجمها وقدرة الكوادر البشرية على التفكير خارج الصندوق كما يقال أن تُحدث أثراً فعّالاً، فسوق العمل مرتبط بشكل رئيسي بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ولذلك فإن حل إشكالية البطالة على سبيل المثال بحاجة إلى مشروع وطني تتشارك فيه أكثر من جهة ولكلٍ منهم مسؤولياتها التي تكمل مسؤوليات الجهات الأخرى على أن يكون أطراف الإنتاج عنصراً أساسياً فيه.

     

    في عام 2003، شخّص ولي عهد البحرين إشكاليات سوق العمل في الخليج بفقرة واحدة حينما قال: "الحل ليس في العمالة الأجنبية، لأن العامل البحريني والعامل الأجنبي لا يعملان بالظروف والشروط نفسها. والبحريني له حقوق ومن البديهي أن يفضل صاحب العمل توظيف الأجنبي".

     

    ولذلك نرى بأن جميع السياسات التي استهدفت إحلال المواطنين في سوق العمل بدول الخليج، بما فيها مشروع إصلاح سوق العمل في البحرين، فشلت، لأنها مجدداً لم تعالج أصل المشكلة ولم تسهم في خلق سوق عمل مستدام جاذب للعمالة الوطنية ومنظمٍ لاستقدام العمالة المهاجرة وفق الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.

     

    فهل السعودية على سبيل المثال بحاجة إلى صرف ملايين الريالات على مشروع كنطاقات أو حافز لتوطن سوق عمل به مليون عاطل مواطن مقابل أكثر من عشرة ملايين عامل وافد أو مهاجر؟ وهل صندوق العمل (تمكين) بحاجة إلى صرف 3 مليارات دولار أمريكي (حوالي 1.128 مليار دينار بحريني) لتوظيف 300 ممرض وممرضة بحرينيين مقابل 1300 ممرض ومرضة أجنبية، أو معالجة إشكالية 700 مهندس أو 8 آلف عاطل كما تقول التصريحات الرسمية، مقابل سوق العمل فيه أكثر من نصف مليون عامل مهاجر؟ وهل عمان مضطرة لإنشاء مؤسسة جديدة كالمركز الوطني للتشغيل على رفات زميله سجل القوى العاملة لتحفيز توظيف المواطنين؟

     

     لقراءة المقال التالي

    ________________

    مصدر الصورة: Pexels.com

     

     

     

    Read more
  • مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (2) - خليل بو هزاع

    مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (2)

    خليل بو هزاع

     

    أشرت في الجزء الأول من هذه المقالة إلى ما أعلنته منظمة العمل الدولية من تقديرات حول تأثير جائحة (كوفيد-19) على حوالي 2.7 مليار عامل وعاملة من إجمالي القوى العاملة، واحتمالية فقدان أكثر من 195 مليون عامل لوظائفهم جراء جائحة الكورونا. كما تطرقت إلى طبيعة سوق العمل في الخليج كتمهيد لما سأحاول مناقشته في الأجزاء التالية من هذه المقالة.

     

    سيتناول هذا الجزء من المقال تأثيرات الجائحة على أسواق العمل من حيث قدرته على المحافظة على القوى العاملة وكيف سيتأثر مستقبل العمل في منطقة الخليج.

     

    فقدان الوظائف والتغيّر في أنماط العمل

     

    إن التحذيرات التي أطلقتها منظمة العمل الدولية حول فقدان الملايين من العمال في العالم لوظائفهم لن تكون بعيدة عن أسواق العمل في الخليج. وبطبيعة الحال، ونتيجة لسهولة الاستقدام والترحيل في ذات الوقت، فإن العمالة المهاجرة ستكون أكثر الفئات تضرراً من حيث فقدانها لوظائفها، حيث تشير أحدث التقديرات إلى حجم الخسائر التي ستترتب على عمليات تسريح المهاجرين نحو 1.6 تريليون دولار.

     

    وقد بدأت بالفعل عمليات تسريح العمال المهاجرين في أكثر من دولة خليجية، فيما وتيرة تسريح المواطنين أقل بسبب الدعم المباشر الذي أقرّته بعض الدول لأجور العمال والموظفين في القطاع الخاص. وقد تلقّى بعض الموظفين في البحرين على سبيل المثال قرارات بالتسريح بمجرد انتهاء فترة دعم أجور الموظفين البحرينيين التي أعلنت عنها الحكومة من خلال تمويل الأجور لمدة ثلاثة شهور من صندوق التأمين ضد التعطّل، وبالتالي فإن نتاج الأزمة على إجمالي العمالة مواطنين ومهاجرين ستتضح صورتها أكبر مع انتهاء المُدد التي تتراوح بين الثلاثة والستة شهور المقررة لدعم القطاع الخاص.

     

    إن تأثيرات الأزمة على العمالة الوطنية ستكون بطبيعة الحال متفاوتة في دول الخليج، حيث ستكون حدّتها في البحرين والسعودية وعمان نظراً لاشتغال أعداد لا بأس بها في القطاع الخاص إضافة إلى أن نسبة البطالة في تلك الدول، رغم برامجها في دعم تمكين المواطنين في أسواق العمل، مرتفعة مقارنة بالدول الخليجية الأخرى الثلاث؛ ولذلك فإن التدخلات الحكومية لمواجهة التأثيرات لن يكون عبؤها واحداً على جميع الدول.

     

    ويتساءل المرء هنا عن طبيعة التدخلات التي ستقوم بها الحكومات الخليجية لتخفيف آثار تسريح العمال.

     

    أعلنت دول الخليج عن حِزَم ومبادرات، بمليارات الدنانير والريالات والدراهم، تستهدف استمرارية النشاط الاقتصادي وتعزيز قدرة الشركات والمؤسسات على الاحتفاظ بالموظفين والعمال، إضافة إلى مبادرات أخرى استهدفت تخفيض الرسوم والضرائب عن القطاعات الاقتصادية. وباستثناء السعودية، لم تطرح أيٌ من دول الخليج برامج لمواجهة الأزمة من خلال تعزيز قدرات العمال والموظفين أنفسهم وتهيئتهم لما بعد الأزمة. فقد أعلن وزير العمل السعودي عن تخصيص أكثر من 4 مليارات ريال سعودي أغلبها وُجِّه للتدريب ورفع كفاءة العامل والباحث عن العمل السعودي.

     

    إن التعاطي الرسمي مع تبعات الأزمة على القطاعات العمالية لم يغادر التجاوب التقليدي المتمثِّل في دعم الأجور رغم أهميته، بينما الأزمة الحالية، كما سنرى لاحقاً في هذه المقالة، لن تؤثر على حجم القوى العاملة فقط، بل ستمتد التأثيرات إلى تغيير كبير وحقيقي في أنماط العمل، وهذا الأمر يتطلب إعادة التفكير في طبيعة الدعم.

     

    وقد تكون الفرصة لا تزال مواتية لتبنِّي إجراءات تدخلية أكثر كفاءة. وعلى سبيل المثال، الاستفادة من تجربة السعودية في دعم مسارات التدريب للعاطلين وللعمال على رأس عملهم، وتطوير برامج أخرى لبناء القدرات. إن تحديد حقائب التدريب الحالية والمستقبلية يستلزم قراءة علمية سريعة لتأثيرات الجائحة على أسواق العمل تقوم بها مراكز الدراسات ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة بالشراكة مع الباحثين والمهتمين وراسمي سياسات سوق العمل. وقد خصصت مؤخراً منظمة العمل الدولية منصة إلكترونية تستعرض فيها استجابة الدول لتأثيرات الجائحة.

     

    ويمكن القول بصورة عامة، إن تأثير الوباء على أسواق العمل الخليجية آتٍ لا محالة، ولن تقتصر على تسريح العمال وتقليل حجم العمالة بل سيتعدّى ذلك إلى ضعف الطلب على الأيدي العاملة وضعف في توليد الوظائف لامتصاص أعداد الداخلين الجدد لسوق العمل، فضلاً عن التغير في نمط التوظيف الذي من المتوقع أن يطرأ عليه تغييرٌ جذريٌّ، وجميع تلك الأمور ستؤثر بالزيادة على نسب البطالة التي هي في واقع الحال مرتفعة في بعض دول الخليج كالبحرين والسعودية وعمان.

     

    فقدرة أسواق العمل على توليد وظائف جديدة فيما بعد أزمة الكورونا ستتأثر بعاملين اثنين: الأول هو الركود المتحقّق من الأزمة، فلا القطاع الحكومي ولا القطاع الخاص سيكون مهيأً لاستقطاب المزيد من القوى العاملة. وقد دأبت الحكومات الخليجية (على أقل تقدير في ثلاث دول هي السعودية والبحرين وعمان) في السنوات الأخيرة على تقليص حجم القوى العاملة في القطاع العام، وتقليل نفقات بنود الأجور والعلاوات وباقي الامتيازات الوظيفية، والعمل على دفع العاطلين والداخلين الجدد لأسواق العمل إلى القطاع الخاص من خلال حِزم من الدعم المادي المباشر للأجور وأخرى غير مباشرة التي ما فتئت في الإعلان عن فشلها، كما أشرنا سابقاً. أما القطاع الخاص، ورغم محدودية توظيفه للمواطنين، سيأخذ ذات النهج في تقليل نفقات التوظيف، وبالتالي سنكون أمام تكدّس أعداد كبيرة من العاطلين، سواء من فقدوا أعمالهم بسب الجائحة، أو الداخلين الجدد لسوق العمل.

     

    أما العامل الثاني فهو الاستفادة من نتائج الأزمة على تغيير أنماط العمل. في تقريرها الموسوم بـ"العمل من أجل مستقبل أكثر إشراقاً"، حدّدت منظمة العمل الدولية المتغيرات التي ستشهدها أسواق العمل في المستقبل القريب بفعل التقنية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وإن المهارات المطلوبة لأسواق عمل المستقبل ستختلف عما هو سائد اليوم. فالكثير من الوظائف ستختفي وستحلّ مكانها وظائف أخرى تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على التكنولوجيات ووسائل التقنية الحديثة.

     

    ورغم الملاحظات على الخلاصات التي وصلت إليها المنظمة في التقرير آنف الذكر، إلا أن بشائر هذا التحوّل وبفعل الأزمة ستكون أسرع. لقد أجبرت الجائحة الجميع، القطاع العام قبل القطاع الخاص، على التوجّه نحو التكنولوجيا والمنصّات الافتراضية لتسيير الأعمال اليومية. وبات من الواضح أن قطاعاً كبيراً من الوظائف والمهام يمكن إتمامها من خلال المنزل أو عن بعد من موقع العمل. ومن جهة المستهلك ومستقبل الخدمات، وعلى الرغم من بعض الملاحظات في سرعة وكفاءة تقديم الخدمات، إلا أن الغالبية أصبحت أكثر قبولاً، وإن كانت مضطرة، لاستخدام التقنية في تلبية الاحتياجات اليومية من سلع وخدمات بما فيها الخدمات التي يقدمها القطاع الحكومي. لقد أصبحنا نشتري مستلزماتنا اليومية من خلال التطبيقات الإلكترونية، ونتمِّم معاملاتنا الرسمية والمالية عن طريقها، كما بات العديد من الخدمات الحكومية التي لم تكن متاحة في السابق إلكترونياً، أجبرت الجائحة البيروقراطية الحكومية على القبول بذلك، كرفع الدعاوى أمام المحاكم الرسمية وإتمام إجراءات التقاضي، بما في ذلك إبرام عقود الزواج والتي كانت في السابق تتطلب الحضور الشخصي. كل ذلك سيكون له انعكاسات على سوق العمل.

     

    ولذلك، فمن المتوقع أن يستثمر كل من القطاع الحكومي والخاص في البدائل التي وفرتها الأزمة من خلال العمل عن بعد، لما لذلك من "فوائد" في تقليص نفقات القوى العاملة بصورة مباشرة، وبصورة غير مباشرة نفقات مواقع العمل ومصروفات الطاقة والمعدات وكل ما كان يعتمد عليه الموظف بسبب وجوده في موقع العمل. وهذا التغير سيتطلب إعادة هيكلة القطاعين العام والخاص بالتحديد في حجم قوة العمل، أي أن المعروض من الوظائف سيكون أقل. ومن جانب آخر طبيعة القدرات والمهارات المطلوبة لسوق العمل ستتغير تبعاً لذلك.

     

    هذا التحول في طبيعة العمل، بطبيعة الحال، له وجوه إيجابية وأخرى سلبية. فمن الجانب الإيجابي سيتمكن الموظفون والعمال من العمل ضمن ساعات عمل مرنة وهذا سينعكس على العلاقات الاجتماعية وعلى قدرة العامل على العمل في ذات الوقت لدى أكثر من صاحب عمل إضافة إلى التوفيق بين مقتضيات العمل والدراسة بالنسبة للطلبة كما يشير الدكتور يوسف إلياس في كتابه "أزمة قانون العمل المعاصر: بين نهج تدخل الدولة ومذهب اقتصاد السوق". ولعل أكثر ما يمكن استثماره من إيجابية في هذا الصدد هو تقليل كثافة العمال خصوصاً في الدول التي تعاني من شحّ في القوة العاملة كدول الخليج وهو ما سنتناوله لاحقاً.

     

    إلا أن هذا التحوّل في ذات الوقت سيثير عدة تحدّيات يتطلب التفكير فيها منذ الآن من قبل المشرّعين وصانعي سياسات سوق العمل في الخليج، وأصحاب العمل وكذلك العمال والمنظمات النقابية التي ستكون أكثر المتأثرين. ومن جملة تلك التحديات ما هي الكيفية التي سيتم فيها تنظيم علاقات العمل من الجانب القانوني والإجرائي، كطريقة احتساب ساعات العمل، ومسؤوليات والتزامات طرفي علاقة العمل، وآلية تحديد إصابات العمل والتأمينات الاجتماعية، إضافة إلى تأثير ذلك على العلاقات العمالية، وأقصد بها التنظيم النقابي، كيف سيكون شكله وكيف سيحقق العمال مصالحهم دون التنظيم والتضامن النقابي. كل ذلك يستوجب قراءة تشريعية وتنظيمية تغادر التقليدية والجمود.

     

    فئات آخر ستتعرض موارد دخلها للتأثر بشكل كبير هم العاملون لحسابهم الخاص (Self employed) وهم سائقو سيارات الأجرة، مدربو السياقة، المزارعون، المهنيون المستقلون (كالكهربائيين والسبّاكين وأصحاب الحرف اليدوية) وغيرهم ممن يعتمدون في دخلهم على العمل اليومي. فبفعل الإجراءات الاحترازية كالإيقاف الجزئي أو الكلي للأنشطة التجارية وفي بعض الحالات التنقل بين مدينة أو أخرى، فضلاً عن تراجع النشاط السياحي، سيتأثر المدخول اليومي لهذه الفئة من العمال إلى حدٍ كبير. وغالباً أولئك العاملين غير مشتركين في أنظمة الضمان والتأمينات الاجتماعية، ما يجعل منهم من الفئات الأكثر تأثراً بالجائحة كما تشير العديد من التقارير. وقد خلت المبادرات الخليجية الداعمة من توجيه الدعم المباشر أو غير المباشر لهذه الفئة، وذلك يعود في تقديري لأسباب عديدة أولها انحسار عدد المواطنين العاملين في هذا القطاع، وغياب التنظيم القانوني الواضح لهذه المهن فضلاً عن غياب التنظيم النقابي في أوساطهم.

     

    ولكن، وعلى الرغم من كل تلك التحدّيات، هل يمكن لدول الخليج الاستفادة من نتائج أزمة الكورونا وتحويلها إلى فرص لإعادة تنظيم أسواق العمل؟ هذا ما سنناقشه في المقالة التالية.

     

    لقراءة المقال السابق

    لقراءة المقال التالي والأخير

    __________________

     

    مصدر الصورة: wiki commons

    Read more
  • مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (3) - خليل بو هزاع

    مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (3)

    خليل بو هزاع

     

    أشرت في المقالات السابقة إلى أبرز التحديات التي تواجه أسواق العمل في الخليج. وقلنا بأن تأثيرات الجائحة كشفت أو أعادت كشفها مرة أخرى، كما بيّنت لنا فشل كل السياسات العمالية التي كانت تتحدث عن إحلال العمالة الوطنية مقابل العمالة المهاجرة وسياسات التوطين والتدريب والتعليم الفني والمهني.. إلخ. ولذلك علينا معالجة الاختلالات في أسواق العمل من خلال عدة محاور.

     

    الآن، كيف يمكن تحويل أزمة جائحة (كوفيد-19) لتكون فرصة نستطيع استثمارها والعمل على تصحيح الاختلالات التي تعاني منها أسواق العمل الخليجية طيلة العقود الماضية؟

      

    إعادة صياغة علاقات العمل وسياسات الاستقدام:

    إن أحد أهم عناصر الخلل في أسواق العمل الخليجية هو غلبة العنصر الأجنبي، لسهولة استقدامه وترحيله، لسهولة التحكم فيه ومحدودية حقوقه بسبب "الكفالة" وتبعاتها، وأخيراً قلة الأجر المدفوع، بما تنطبق عليهم أطروحة (Disposable people) كما عبر عنها كيفين بيلز في أكثر من كتاب ومقالة. وقد كشفت لنا الأيام الماضية حجم علاقات العمل المستترة بالقانون، وهي في شكلها الخارجي علاقات عمل قانونية، ولكن في عمقها تكشف لنا مدى الجشع الذي وصل إليه بعض المواطنين في المنطقة واستغلال ضعف الإطار القانوني وثغراته في الزج بآلاف من البشر في أسواق العمل دون أن تكون بينهم علاقة عمل حقيقية من خلال مؤسسات وعلاقات عمل وهمية. كما اتضح لنا أن حجم العمالة المهاجرة التي تعمل في سوق العمل خارج إطار القانون ولسنوات طويلة، إما لانتهاء تصاريح عملها أو لانتهاء مدة إقامتها القانونية، فاقت كل التقديرات الرسمية وعرّت كل ما نتحدث عنه من ضمان حقوق المهاجرين في مجتمعاتنا، فلا شروط عمل عادلة، ولا مساكن ترقى لسكنى البشر. وأخيراً صرنا على يقين أكثر، بأن أعداد المهاجرين، حتى أولئك من ذوي الأوضاع القانونية، فائض لدرجة أن سوق العمل لا يمكن أن يستوعبهم جميعاً، فأصبح الآلاف منهم يمتهنون مهناً ووظائف ليست من تخصصاتهم وتفوق قدراتهم، ويعملون لقاء أجر يومي.

     

    ولحل هذا التحدي، بات من الضروري إعادة النظر في كامل المنظومة القانونية التي تحكم أسواق العمل في دول مجلس التعاون، بما في ذلك سياسات الاستقدام من خلال الوقوف الفعلي على احتياجات النشاطات الاقتصادية لهذا الكم من العمالة وترشيدها إلى أقصى حد وتفعيل العمل بمنظومة واضحة للمؤهلات والمعايير المهنية، ودفع المؤسسات والشركات من خلال محفّزات على التوجه نحو الأتمته واستخدام وسائل التكنولوجيا لما لذلك من دور أولاً في تقليل عمليات الاستقدام، وثانياً خلق وظائف ذات أجر عادل يمكن دمج العاطلين المواطنين فيها. فما الذي يمنع، وعلى سبيل المثال، من التحول التقني لأغلب منافذ البيع وتحويلها من مهن تعتمد على الكثافة العمالية إلى مهن تعتمد على التكنولوجيا، إضافة إلى العديد من الخدمات التي نراها في مطارات المنطقة والتي تُدار من قبل عمالة مهاجرة ويمكن تحويلها إلى خدمات ذاتية، ويمكن لهذا النموذج أن يُطبق في أغلب القطاعات الخدمية والتجارية.

     

    إلا أنه يجب الانتباه، إلى أن الشروع في تلك المقترحات يجب بالضرورة أن يترافق مع فرض رسوم تصاعدية على عمليات الاستقدام يتم تحديدها وفق المهارات ومدى توافرها في سوق العمل المحلي، فكلما كان سوق العمل متشبعاً من مهن ومهارات معينة ترتفع الرسوم. وهذا النوع من الآلية في تحديد الرسوم يتطلب أولاً تدفقاً سريعاً ودائماً في المعلومات والإحصاءات، كما سيتم مناقشته لاحقاً، وثانياً كفاءة ومرونة لدى الجهاز القائم على تحديد النسب في كل قطاع ومهارة من حيث قدرته على التجاوب المستمر للمتغيرات في أسواق العمل، وثالثاً مرونة تشريعية تُمكن القائمين على تحديد الرسوم والنسب من تغيير الرسوم تبعاً للمهارات ومدى توافرها في سوق العمل الوطني. وقد يكون من المفيد وتحقيقاً للشراكة الفاعلة بين أطراف الإنتاج أن يكون الجهاز المعني بتحديد المهن والمهارات ثلاثي التكوين، أي الحكومة وأصحاب العمل والعمال.

     

    وفي نفس السياق، ولن يكون لزيادة الرسوم دور فاعل إذا لم يقترن بإلغاء نظام الكفالة، بحيث تصبح علاقة دخول أي عامل مهاجر إلى منطقة الخليج، علاقة بين الدولة والعامل ولا يكون لصاحب العمل أي صلاحيات أو التزامات تجاه العامل إلا في ضوء ما يحدده قانون عمل عادل ومساوٍ للعمال وفق قواعد ومبادئ العمل اللائق، وهذا في تقديري أساس عزوف أصحاب العمل عن توظيف المواطنين. فصاحب العمل لن يتوانى عن توظيف المهاجرين حتى في حال تساوت كلفة توظيف المهاجر مع كلفة توظيف المواطن، إذ أن القوة التفاوضية للعامل المهاجر معدومة مقابل صاحب العمل، ناهيك عن الضعف في التشريعات والضعف في إنفاذها ومراقبة تطبيقها، وهذه جميعها عوامل تجعل من صاحب العمل يُفضل توظيف من تسهل "السيطرة" عليه.

     

    إن تحقيق علاقات عمل متوازنة تتطلب أيضاً من الدولة أن تتعامل مع طرفي الإنتاج (العمال وأصحاب العمل) بذات القدر من المساواة وضمان الاستقلالية. وأقصد هنا الشروع في إزالة كافة القيود المفروضة على تأسيس المنظمات النقابية والعمالية. فمن باب المقارنة بحجم الدعم والتسهيلات التي يحصل عليه أصحاب العمل من خلال غرفهم التجارية، فلن يكون الإقرار بحق العمال في تأسيس منظماتهم النقابية شيء يذكر. فممارسة العمال لدورهم في المفاوضة والدفاع عن حقوقهم ستعزز من الاستقرار في علاقات العمل، وستكون عوناً لمراقبة ورصد أي خروقات لتشريعات العمل بما يساند الدولة في إنفاذ التشريعات العمالية بأكبر قدر من الكفاءة.

     

    ومن الضرورة أن تُستتبع تلك الإجراءات بأخرى من شأنها توسيع مساحة الحماية الاجتماعية من حيث شموليتها لجميع العمال بلا استثناء ومن حيث تنويع مزاياها وتعزيز حوكمة الهيئات المشرفة عليها بحيث تتم إدارتها من خلال شراكة حقيقية وفاعلة لجميع أطراف الإنتاج، فضلاً عن وضع سياسات خاصة بالأجور وتحديد حد أدنى للأجر ينطبق على جميع العمال دون استثناء يساهم أطراف الإنتاج في وضعه من خلال مجلس اقتصادي واجتماعي يكون مسؤولاً عن تحديد هذه السياسات ومراجعتها بصفة دورية تبعاً للمتغيرات الاقتصادية.

     

    إن شمول العمالة المهاجرة بأنظمة التأمينات والضمان الاجتماعي لها فوائد، نظرية على الأقل، عديدة. أولها إنها تزيد من نسبة التأكد بأن علاقة العمل بين العامل وصاحب العمل حقيقية وليست وهمية، وذلك عن طريق التزام صاحب العمل بتوريد الاشتراك الشهري للعامل لصناديق التأمينات، لاسيما إذا ارتبط ذلك ببرامج حماية الأجور التي بدأت أكثر من دولة خليجية تطبيقه. ثانياً زيادة الملاءة المالية لتلك الصناديق. وثالثاً تعزيز سمعة الدول الخليجية الدولية من حيث تغطيتها الاجتماعية لهذه الفئة من العمال وضمان نوع من الدخل الذي يغطي احتياجات العامل بعد انتهاء مدة عمله في المنطقة إضافة إلى مكافأة نهاية الخدمة التي تُقرها قوانين العمل في المنطقة. رابعاً، استخدام تلك الاشتراكات لتغطية بعض النفقات التي قد تتحملها الدولة في فترات الأزمات. ولقد رأينا خلال الأيام الماضية حجم العمالة المهاجرة المتضررة من فقدان وظائفها وأجورها، وباتوا عالقين بدون دخل ولا سبيل لعودتهم إلى بلدانهم بسبب الإجراءات التي قامت بها مختلف دول العالم حينما أغلقت حدودها كأحد الإجراءات الاحترازية لمواجهة الجائحة، إذ كان بالإمكان أن تلعب برامج الحماية الاجتماعية دوراً كبيراً في توفير نوع من الضمان المادي لهذه الفئة من العمال، كما كان بالإمكان أن تتحمل دول الخليج أعباءً أقل بكثير لو كان هذا النوع من التغطية التأمينية موجوداً في ظل الأزمة الحالية. ولا يتطلب هذا النوع من التغطية التأمينية أن يكون هناك معاش تقاعدي مستمر، لاسيما وأن أغلب المهاجرين يغادرون إلى دولهم بعد انتهاء فترة عملهم، وبالتالي يمكن اعتماد نظام الدفعة الواحدة للمستحقات التأمينية وفق إطار قانوني عادل.

     

    مرونة التعليم وساعات العمل:

    عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات العمل إحدى "كليشيهات" الحجج التي يكررها أصحاب العمل في رفض أو عدم تحبيذ توظيف المواطنين. وتشير لولوة الخاطر في دراسة لها صدرت العام 2015 "مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل: دراسة حول مشكلات سوق العمل في دول مجلس التعاون وسبل التعامل معها" إنه في أفضل الأحوال لا تتعدى نسبة "المُشغلين" ممن يعتقدون بأن التعليم في دول الخليج يؤهل الطلبة للعمل في القطاع الخاص الـ(29%). ولن أدخل في جدال حول تلك الحجج كون الكثير من الباحثين والمتخصصين ناقشوا تلك الإطروحات وعلقوا عليها، ولذلك أحيل القارئ الكريم إلى دراسة الخاطر أعلاه وإلى دراسة أخرى للدكتور إبراهيم الشافي.

     

    ولكن ما أود التعرض له هنا على عجالة بأن الكثافة نحو التعليم الجامعي في الخليج أدى إلى إيجاد مجاميع عالية من حملة الشهادات الجامعية والدرجات العلمية العليا دون أن يكون سوق العمل بحاجة إلى هذا الكم الكبير. كما ساهمت سياسات التوظيف، في القطاع العام بشكل خاص، في التركيز على حملة الشهادات الجامعية دون الاهتمام بالكفاءات والقدرات والمهارات اللازمة لشغل أي وظيفة، الأمر الذي شكل قناعة لدى المجتمع بأن الحصول على الشهادة الجامعية، أياً كان نوعها أو تخصصها، هي المفتاح الرئيسي للوصول إلى وظائف القطاع الحكومي. ولذلك شاهدنا انتشار ظاهرة الشهادات من الجامعات الوهمية وبات لدينا أعداد من حملة الماجستير والدكتوراه أكثر من أي وقتٍ مضى، ودون أن يكون للكثير من تلك الفئة أي إنتاج فكري أو علمي في تخصصاتهم. وهذا ما أشار إليه بشكل أوضح الدكتور باقر النجار حينما قال إن مؤسسات التعليم الجامعي في دولنا حبيسة رؤى وأفكار (النيوليبرالية) التي تتعاطى مع التعليم الجامعي بوصفه طريق "ميكانيكي" لسوق العمل. أما من حيث الإسهام العلمي، فقد نجد أن آخر مقالة أو أطروحة أو بحث نشره أولئك "الدكاتره" هو بحث تخرجه!

     

    إن المقارنة السريعة مع ألمانيا بوصفها أحد أكبر الدول الصناعية في دول الاتحاد الأوروبي، فإن نسبة الملتحقين بالتعليم الجامعي لا تتجاوز الـ(30%) من الطلبة، أي أن 70% المتبقية تتجه إلى التعليم الفني والمهني. ولا تخلو أي دولة خليجية من مؤسسات التعليم الفني والمهني أياً كان مستواها، معهد أو كلية، إلا أنها لا تساهم إلا بالقليل في سوق العمل بفعل ضعف أو قدم برامجها. وبالتالي علينا أن نُعيد الاعتبار إلى هذا النوع من التعليم وتطويره والاستثمار فيه والعمل على استقطاب الطلبة إليه بعدد من المحفزات، بما في ذلك ربط تلك المعاهد أو الكليات بالمنشآت الكبرى في كل بلد وأن تركز المناهج على التدريب والتعلم، إضافة تفعيل الفصول الخاصة بالتلمذة المهنية المنصوص عليها في أغلب قوانين العمل بدول الخليج. إضافة إلى إعادة الاعتبار إلى الكثير من المهن التي كان يشغلها المواطنون وأصبحت اليوم قطاعاً شبه محصور على العمالة الوافدة بفعل عدم قدرة المواطن على المنافسة من حيث الأسعار، والعمل على وضع ضوابط مهنية تتطلب اجتياز اختبارات عملية ونظرية محددة، وهو أمر سيؤدي إلى توسيع مساحة المواطنين المشتغلين في هذه القطاعات.

     

    وبما أننا نتكلم هنا عن توفير قوى عاملة قادرة على تلبية طلب القطاع الخاص،  فقد يكون من المفيد أن يتولى القطاع الخاص زمام المبادرة عبر انشاء ودفع بهكذا تدريب حسب احتياجه، لاسيما وأن أساس هذا النوع من التعليم والتدريب المهني  قائم على التعلم عبر العمل، وبالتالي وبدلاً من إلقاء المسؤولية دائماً على الدولة والتعذر فيما بعد أن مخرجات تعليم الدولة لا توفر ما يريده. وقد يكون التدريب المهني الذي وفرته بعض من المشاريع العامة، كشركات النفط والبتروكيماويات والبنوك وقطاع الكهرباء، بالإضافة الى بعض القطاعات الخاصة كمعهد الفندقة في البحرين، أمثلة يمكن الاحتذاء بها في التدريب المهني لبقية القطاع الخاص.

     

    ومن جانب آخر، تتطلب أن تكون عملية التعليم برمتها، وبالأخص التعليم ما بعد الأساسي، مرنة أكثر من حيث ساعات الدراسة وساعات عمل مكتبات ومعامل تلك المؤسسات التعليمية، وأن تتزامن تلك المرونة بمرونة أخرى في أسواق العمل يتم تهيئة تشريعات العمل لها، بحيث يُمكن للطالب العمل بشكل جزئي وفي ذات الوقت يُكمل تحصيله العلمي الأكاديمي أو المهني، وبذلك نحقق مسألة التدريب والدراسة في ذات الوقت، بحيث يتمتع الطالب مع نهاية مراحل التعليم  بخبرة عملية ومهنية تُمكنه من الانخراط المباشر في سوق العمل.

     

    ولكن كيف يمكن التخطيط لهكذا نوع من التعليم أو التدريب؟

     

    مرت السعودية بتجربة فريدة في دول الخليج وهي تجربة المرصد السعودي لمعلومات سوق العمل، إلا إنه للأسف وبسبب البيروقراطية آنذاك لم يكتب لهذا المشروع النجاح. ورغم وجود تصريحات في أكثر من دولة خليجية بتطبيق هذه الفكرة إلا أنني لم أجد أي منتج حقيقي لتلك المشاريع.

     

    وتقوم فكرة مراصد معلومات سوق العمل على توفير معلومات عن المتغيرات في المدى المتوسط والبعيد في أسواق العمل من حيث ظروفه، اتجاهات العرض والطلب، القطاعات الاقتصادية التي من المتوقع أن تشهد نمواً في المستقبل والفرص الوظيفية الناشئة عنها. بمعنى آخر إنها تقدم لجميع القطاعات ذات العلاقة، الحكومة، أصحاب العمل والعمال، الفرص المستقبلية المتصلة بسوق العمل من حيث الكم والكيف، وبالتالي تُمكّن الدولة من المشاركة في تحديد السياسات التعليمية والتدريبية، وتمنح المواطن الذي لا يزال في مراحل التعليم تحديد طبيعة التخصصات المستقبلية التي سيتوجه إليها أكاديمية كانت أم مهنية، أو من هو على رأس عمله ويرغب في تغيير أن يسعى لبرامج تدريب وتطوير لتتواكب مهاراته من الوظائف المستقبلية، وتُمكن صاحب العمل من تحدد القوى العاملة المستقبلية في نشاطه التجاري.

     

    الخلاصة:

    إن القراءة التي قدمتها في المقالات الثلاثة بالتأكيد لا تدعي الكمال، ولا يمكن بأي حال من الأحوال رسم سياسة شمولية لإصلاح سوق العمل، إلا إنها في تقديري تعيد تحديد بعض الجوانب الرئيسية التي ستمهد الطريق نحو أسواق العمل أكثر استدامة.

     

    كما إنها لا تحمل بأي صورة من الصور نزعة عنصرية تجاه العمالة المهاجرة، بل على العكس تماماً، فهنا حاولت أن أقدم حلولًا هادئة تعزز مكانة العامل بوصفة عاملاً فقط له كافة الحقوق المترتبة على علاقات العمل في ظل تشريعات عمالية تقوم على مفهوم العمل اللائق.

     

    وعلى الرغم من كل ذلك، ستجد هذه المقترحات معارضة شديدة من أصحاب العمل والتجار ممن تعودوا عقوداً طويلة على استقدام عمالة متدنية الأجور والحقوق، وسيجادلون بأن هكذا سياسات ستؤثر على قدرة الدولة في استقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية. إلا أنه يغيب عنهم أن رغبة الدول في زيادة حجم الاستثمارات وزيادة قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال مناطة بمساهمة هذه الأموال في زيادة النمو الاقتصادي عبر المشاريع التي ستُستثمر فيها تلك الأموال، وبالتالي تمويل الخزينة العامة بالضرائب التي تُفرض على الأرباح المتحققة، إضافة إلى توفير فرص عمل للمواطنين وجلب تكنولوجيا حديثة يحتاجها الاقتصاد المحلي. وهذا جميعه غير متحقق، فلا الشركات المحلية أو الدولية تدفع ضرائب، ولا توفر فرص عمل مجزية، بل تشرع في كثافة الاستقدام متدني الأجر، وتحمل الدولة ومرافقها العامة مسؤولية الآلاف من العمال كما يحدث الآن جراء الأزمة الصحية الحالية، ولا هي تستقطب تكنولوجيا حديثة كون أغلب القطاع الخاص لا يزال معتمداً على الأنماط التقليدية في العمل، كما أنها في الإجمال لا تصدر شيئاً وتعتمد على السوق المحلي وتزيد الواردات في كثير من الأحيان، ولذلك فإن تلك الحجة باطلة ولا تصمد أمام الواقع والحقائق.

     

    من جهة أخرى، إن هذه المقترحات بالتأكيد لا يمكن الشروع فيها بين ليلة وضحاها، فهي عملية تراكمية وتكاملية، بمعنى أنها لا تشكل منفردة وصفة ناجحة لإصلاح سوق العمل، بل هي جزء من حزمة أكثر شمولاً تطال التعليم والاقتصاد وغيرها من عوامل أساسية مؤثرة، وآثارها قد تكون مؤلمة على المدى القصير، إلا أن آثرها المستدام سيكون طويل. لقد ساهم الاعتماد الكبير والطويل على العمالة المهاجرة في الخليج إلى إيجاد نوع من الاتكالية والجمود، وهذه إشكالية بالتأكيد بحاجة إلى وقت لتفكيكها. ولذلك نطرح هذه القراءة في هذه المرحلة الحرجة بالتحديد آملين أن تكون بذرة نستطيع البناء عليها.

     

    أخيراً، إن ما نرغب في قوله في هذه الخلاصة، وبإخلاص، لقد كشفت لنا تبعات جائحة (كورونا) على مجتمعاتنا وعلى اقتصادياتنا وعلى أسواق عملنا الكثير من الثغرات والتحديات، وما عُرض هنا لا يتعدى رغبة صادقة في العبور إلى بر الأمان، وإلى ضمان مستقبل يحظى فيه أبناؤنا وأحفادنا بمجتمعات عادلة، يُحترم فيها الإنسان بناءً على قدراته، وسوق عمل يستطيعون من خلاله المساهمة في بناء مجتمعاتهم مع أقرانهم من مواطنين وأجانب، مسلحين بعلم وتدريب مفتوح للجميع.

     

    لقراءة المقال السابق

    _____________________

     

    مصدر الصورة: pixabay.com

    Read more