مع انتصاف عام 2015، بات واضحاً أن المنحنى الأمني هو السائد على المشهد السياسي في دول المجلس، سواءاً على المستوى الداخلي في التعاطي مع المعارضة المحلية في كل دولة، أم على المستوى الإقليمي في العلاقات مع دول الجوار.  فعلى المستوى المحلي، لا زال الخيار الأمني يشكل الاستراتيجية المتبعة في الإمارات والبحرين والسعودية، ولوحظ أيضا تصاعد وتيرة الخيار الأمني في الكويت أيضاً. أما على المستوى الإقليمي، فتفجرت الأوضاع على كل حدود دول المجلس، أكانت في سوريا أو العراق أو اليمن، ناهيك عن العداء المتبادل مع إيران، مما رسخ أهمية الخيار الأمني لدى صُناع القرار.
 

وقد غلب الطابع الأمني في الجانب السكاني أيضاً، كما وجدنا في ملف حملة تصحيح أوضاع العمالة الوافدة في السعودية، حيث اتخذت السلطات خطوة جديدة وحازمة في التعاطي مع "الآخر" الاقتصادي و السكاني المتمثل في العمالة الوافدة. وللحملة دلالة هامة وهي إدراك صناع القرار في الرياض للمشكلة المتمثلة في الاعتماد المتزايد على الوافدين في سوق العمل، ولكن عانت نتائج الحملة عدة مشاكل، فهي لم تتمكن من وضع حد للخلل السكاني من جهة، و من جهة أخرى تمت "شيطنة" الوافدين إعلاميا بداعي  انهم يمثلون خطراً أمنياً. ولم يتم إنجاز الهدف المعلن للحملة أيضا، أي توفير الوظائف للعمالة المحلية، حيث لم يتم التعاطي مع المسببات البنوية التي تحفّز استقدام هذه العمالة إلى السعودية و بقية دول المجلس بأعداد متنامية.
 

الحل الأمني بطبيعته هو عبارة عن ردة فعل آنية لتطورات خرجت عن السيطرة بشكل أو بآخر، و لذلك فإنه عبارة عن نمط من أنماط إدارة الأزمات crisis management  ولا يأتي، بطبيعته، بحلول طويلة المدى، خاصة بالنسبة لأوجه الخلل المزمنة الأربعة التي نركز عليها في سلسلة إصدارات "الثابت و المتحول." ففي بعض الحالات نجد بأن الحل الأمني ليس خيارا قابلا للطرح أصلاً، كما هي الحال مع محور الملف المعمق في القسم الاقتصادي والذي كشف عدم استدامة النمط الاقتصادي الحالي، و الذي يقوم على الاعتماد على عوائد النفط لتغطية النقات المحلية المتزايدة في كل دول المجلس. ولا الخيار الأمني سيكون هو الحل البعيد المدى في اليمن العربي الشقيق، حيث يبين ملف العلاقات الخليجية – اليمنية في هذا الإصدار وجود حاجة ماسة لتجاوز حالة الشد والجذب التي سادت العلاقة على مدى الخمسة العقود الماضية،   والسعي للتوصّل إلى حل جذري يضمن علاقة وطيدة بين الأطراف المنازعة و التي هي، في نهاية المطاف، جزء من كيان جغرافي واحد. 
 

وتتطلب المسؤولية الإقليمية المتنامية على دول المجلس إعادة بوصلة هذا النشاط إلى القضية المصيرية الأم في الوطن العربي و هي فلسطين. فلاحظنا عبر الملفين المعمقين في هذا الإصدار بأن هناك بوادر قلق للتطبيع على المستوى الرسمي مع الكيان الصهيوني. ولاحظنا أيضاً أن التطبيع مع العدو يشمل أشكالاً أخرى كالتعاملات التجارية ما بين دول المجلس و الشركات العالمية الضالعة في اضطهاد الفلسطينيين. في المقابل، وجدنا أن النشاط المعادي لهذه الأشكال من التطبيع لا ينتهج استراتيجية بعيدة المدى وذات أهداف محددة، خاصة اذا ما قورنت بحملات مقاطعة على مستوى العالم. يأتي هذا الملف، اذن، كنداء لتنشيط هذه التضامن مع القضية الفلسطينية وترتيب الجهود للضغط على العدو من خلال حملات مناهضة التطبيع.
 

وكما هو الحال دائماً في سلسلة "الثابت والمتحول،" فنجدد هنا الدعوة للتطرق إلى أوجه الخلل المزمنة التي تواجه دول المجلس و المتمثلة في الخلل السياسي و الاقتصادي و الأمني و السكاني، بهدف الوصول إلى مبدأ الدولة الحديثة المبنية على الديمقراطية والتنمية والوحدة. أما غير ذلك من استراتيجيات، بما في ذلك محاولة مواجهة الأزمات عبر حلول أمنية، فإنها لن تفلح في إيجاد مخرج من المأزق التنموي التي تعاني منه دول المجلس. بل وحتى وأن بدت الحلول الأمنية وكأنها قد طبطبت على مشكلة ما على المدى القصير، فإنها عادةً ما تزيد من تجذرها، لا حلها.
 

الخلاصة هي أن دول المجلس تواجه تحديات جمة وعميقة. تتطلب هذه التحديات نقاشا صريحا يشارك فيه كل من له مصلحة في إنجاح مشروع الدولة الحديثة، أي المواطنون جميعا دون استثناء. في هذا السياق، تمثل جهود مركز الخليج لسياسات التنمية، بما فيها هذا الإصدار، محاولة لوضع المادة العملية ما بين أيدي أهل المنطقة، باعتبارهم المعنيين بنهاية الأمر بمستقبل الخليج، حيث تربطهم وحدة الأرض والمصير، على أمل المساهمة في فتح الحوار حول سبل الوصول إلى دولة ليست قوية بأجهزتها الأمنية وبطشها، بل قوية بسواعد أهلها وتكاتفهم. 



الأفكار الواردة في الأوراق والمداخلات والتعقيبات لا تعبر عن رأي الموقع وإنما عن رأي أصحابها

جديد البحوث والدراسات

عمان: عن مسألة الطبقة، وفي مساءلة الوسطى - سعيد الهاشمي

باحث وكاتب وناشط عماني مهتم بقضايا حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والمجتمع المدني   إلـى أي مـدى تـوجـد طبقة وسـطـى فـي عـمـان؟ وجــوداً... المزيد

التنافس العثماني - البريطاني على البحرين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي - عمر القرالة و أحمد الطراونة

التنافس العثماني - البريطاني على البحرين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي عمر القرالة و أحمد الطراونة       للإطلاع على محتوى... المزيد

أثر التهديدات غير التقليدية على أمن دول مجلس التعاون الخليجي - عادل عبدالله بركه المطيري

رسالة ماجستير بعنوانأثر التهديدات غير التقليدية على أمن دول مجلس التعاون الخليجي إعداد: عادل عبدالله بركه المطيري   إشراف: د. عادل المشاقبة    للإطلاع على... المزيد

إصدارات المركز

صدور كتاب "تصدير الثروة واغتراب الانسان: تاريخ الخلل الانتاجي في دول الخليج العربية" من تأليف عمر هشام الشهابي

  صدر مؤخراً كتاب "تصدير الثروة واغتراب الانسان: تاريخ الخلل الانتاجي في دول الخليج العربية" للكاتب عمرهشام الشهابي، بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة... المزيد

الثابت والمتحول 2019: المواطنة في تيارات الخليج

في الإصدار السنوي الصادر عن مركز الخليج لسياسات التنمية "الثابت والمتحول": المواطنة لا زالت هي مفتاح الخلل السياسي    أطلق مركز الخليج لسياسات... المزيد

مرحلة التخمة والتنمية في الخليج - د. عمر هشام الشهابي

مرحلة التخمة والتنمية في الخليجد. عمر هشام الشهابي سلسلة مترابطة من المقالات تم نشرها بين اشهر سبتمير الى ديسمير 2010 في... المزيد

جديد المقالات

الأجندة الاقتصادية - عامر ذياب التميمي

بقلم: ـ عامر ذياب التميمي  ( مستشار وباحث اقتصادي  ) Email: ameraltameemi@gmail.com           بعد أن يمن الله على العالم... المزيد

التركيبة السكانية ؟ - عامر ذياب التميمي

بقلم: ـ عامر ذياب التميمي  ( مستشار وباحث اقتصادي  ) Email: ameraltameemi@gmail.com   إرتفعت حدة الحديث حول أوضاع  التركيبة السكانية في الكويت أثر... المزيد

مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (3) - خليل بو هزاع

مستقبل سوق العمل في الخليج إثر جائحة (الكورونا): التحديات والفرص (3) خليل بو هزاع   أشرت في المقالات السابقة إلى أبرز التحديات التي... المزيد

جديد الموقع

الحركة العمالية والنقابية البحرينية وعلاقتها بالحركة الوطنية السياسية

  من إصدار المكتب العمالي بجمعية العمل الوطني الديمقراطي. لتصفح محتوى الكتاب يرجى تحميله من هنا.   المزيد

فيديو: أزمتي كورونا والنفط وتاثيرهما على اقتصادات دول الخليج العربية - حوار مع عمر الشهابي في منتدى الثلاثاء الثقافي

  اجرى منتدى الثلاثاء الثقافي ندوة مصورة مع الدكتور عمر الشهابي  حول أزمتي كورونا والنفط وتأثيرهما على اقتصادات دول الخليج العربية:         كما تجدون... المزيد

مقالات "انعكاسات الكورونا على اقتصاد دول الخليج العربية" كاملة بقلم عمر هشام الشهابي

يسر مركز الخليج لسياسات التنمية ان يرسل لكم اطيب التمنيات بمناسبة حلول شهر رمضان الفضيل. ويواصل موقع المركز في نشر... المزيد